الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح تعريف أصول الفقه وسبب تسميته بهذا الاسم، ويبين فائدة تعلم هذا العلم في استنباط الأحكام الشرعية. كما يوضح أهمية هذا العلم في فهم القواعد الفقهية وتطبيقها بشكل سليم.
يتناول كيفية تطبيق أصول الفقه على المسائل الجديدة بسبب التغيرات العصرية، ويبين أن علم أصول الفقه يسهل فهم هذه التطبيقات مع إعطاء أمثلة على التعامل مع الحوالات المالية.
يناقش تعريف أصول الفقه وفقهه، ويشرح معنى الأصل والفرع في اللغة والاصطلاح، ويوضح الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية مثل الصحيح والفاسد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: باب أصول الفقه. قال: هاك أصول الفقه لفظا، لقب الفن من جزئين قد تركب، الأول الأصول، ثم الثاني الفقه، والجزءان مفردان. قال: قول هاك بمعنى خذ، وهو اسم فعل أمر، أن أخذ هذه أصول الفقه لفظا، أي لفظها أنها تسمى أصول الفقه. وأيضا لقب، أي اسما لهذا العلم، لقب لهذا العلم الذي قد تقدم أنه في المقدمة قد بدأ بكتابة أصوله الإمام الشافعي، لكن ليس كما قلنا أنه بدأ بنفس العلم، العلم قد كان موجودا عند الحنفية وعند بعض العلماء، لكن متفرقة، وأيضا أصوله غير صحيحة. فجاء الشافعي رحمه الله، وقع عدالة القواعد الصحيحة التي استدل أو استمد تقعيدها من أدلة الكتاب والسنة، فجاء هذا العلم أصلا، فسمي بعد ذلك بأصول الفقه. قال رحمه الله: وقوله لقبا يعني اسما، فالمؤلف رحمه الله يريد أن يعرف أصول الفقه باعتباره لقبا لهذا الفن، أصول الفقه أن يعرف بالتركيب، ويعرف كذلك بالإفراد. وقبل أن نعرف أصول الفقه، لابد أن نعرف ما فائدة تعلمنا لأصول الفقه. قال: فائدته أن نتمكن من استنباط الأحكام من أدلتها على وجه سليم، هذه فائدة عظيمة، ولا شك أن ما من علم إلا وله فائدة وثمرة. وأيضا له مقصود، وهذا العلم وموضوعه، وكما هو معلوم هناك عشرة أشياء لتناولها العلماء في مقدمة كل كتاب. وقد ذكر المؤلف هنا في مقدمة بعض هذه الأشياء العشرة كالواضع وغيره، وهنا ذكر أيضا ثمرة هذا العلم، لأن الشيء يعرف بثمرته. وأيضا الشيء يرفع، وكذلك أيضا يكون له أهمية بأهمية ثمرته، فهنا ذكر الشيء رحمه الله أن فائدة علم أصول الفقه أن نتمكن من استنباط الأحكام من أدلتها على وجه سليم. معنى لأن استنباط الأحكام له أهمية عظيمة في هذا الدين، ولهذا حصل بسبب مثلا بعض الأصول الفاسدة أو بعض الأصول غير الصحيحة، حصل استدلالات غير صحيحة. فتجد بعض أصحاب المذاهب أحيانا يبني مثلا مسائل فقهه على دليل قاعدة غير صحيحة، قاعدة غير صحيحة، ولا هي مضطردة، فيحصل الخلل. فمثلا مثل القاعدة التي عند الحنفية أن إذا عارض عندهم الحديث بعض الأصول التي عندهم، فهم يردون الحديث، ولا يردون ما عندهم. حتى لما ذكروا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «نهى أن تصروا الإبل، فمن باع مصراه فهو بخير النظر، إما أن يردها وإما أن يرد صاعا من تمر». فالحنفية قالوا: هذا مخالف للأصول، أشمن وصول هذه التي خالفها، قالوا: كيف يرد صاعا من تمر؟ معنى يقولون أن الأصل عندنا أن الرد بالمبيع، رد المبيع بالعيب ما يكون فيه شيء يعطى، إذا رأى العيب رده. لكن نسوا أن هنا صحيح أنه رد عيبا، لكن أخذ شيئا من هذا الحيوان، وهو اللبن، وهو ليس له، وإنما لصاحبه. وأيضا قالوا أن هذا الحديث أيضا يخالف أصل آخر، وهو أن اللبن أو التمر الذي يعطى لا ندري هل هو بثمن اللبن أو ليس بثمن؟ فهم الآن يقولون أن التمر هذا الذي يعطى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فهو بخير النظر، إما أن يردها وإما أن يرد صاعا من تمر». فقد يقولون: قد يكون الحليب كثيرا، وقد يكون قليلا، قد يكون يساوي الصاع، وقد يكون أكثر من الصاع أو أقل. لكن هؤلاء معنا أخذوا هذه الأمور وكأنها من المسلمات عندهم، حتى ردوا الحديث، مع أن الحديث هو أصل أصلا، الحديث هو أصل الأصول. فلهذا قال العلماء: أن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو من باب التجاوز عن بعض الجهالة التي تكون في بعض البيوع. لأجل حل هذه المسألة، أنا ما وضع النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر، حتى لأن اللبن ما يستطيع الإنسان أن يقدره، وهو قد حلب. فلهذا لأجل هذه المشقة جعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعطيه صاعا من تمر، وحلت هذه المسألة، فهم الذين خالفوا الأصول، وليس الحديث الذي خالف الأصول. كذلك أيضا ما جاء في قولهم في حديث الإشعار في الحج، عندما يشعر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر هديه، يشعره معناه يأتي بشيء من أدم أو كذا، ويأخذ شيء قشرة خفيفة من جلد الراحلة العبل، حتى يعرف أنها هدي، حتى يعرف إذا ذهبت هنا وهنا، حرفت أنها هدي. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر هديه، وقالوا هؤلاء الحنفية: هذه مثلة، وهذا لا يجوز، وهذا كذا. فعندما يعارضون حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأشياء عندهم، فهذه القواعد التي وضعوها خطأ، لكن الشافعي رحمه الله راعى هذه الأمور. تجد في كلامه مراعاة هذه الأحاديث، يخرج معناه لا يرد الحديث ما دام أن الحديث صحيح، لكن يخرج له تخريج، مثل كما قلنا حديث الصاع، حديث المصرى. فقالوا: أن هذا من الجهالة التي يعفى عنها، هناك معناه كما يذكر في القواعد الفقهية، وكذا أن هناك من الجهالات من بيع المجهول، أو بيع المقيد الذي يكون فيه شيء من الجهالة. هناك بيوع يتسامح فيها في الجهالة التي فيها، لأجل أنها فيها مشقة، مثلا على سبيل المثال الأرض، مثلا الأرض هذه أو البيت، مثلا إنسان سيشتري بيتا، هذا الذي سيشتري ما يدري هل هذا البيت مؤسس تأسيس صحيح أو ليس بصحيح. ومعرفة هذا فيه مشقة، أنا كيف سيعرف هل سيكسر هل سيحفر وكذا، هذا سيكون فيه مشقة، فصارت مثل هذه الجهالة معفو عنها. كذلك في بيع بعض الأشياء، بعض الفواكه وكذا في بيعها فيه جهالة، مثلا حب الحب، حب ما تدري هل هو أحمر حلو كذا. فتأتي تشتريه وتأخذه إلى البيت، يطلع أبيض مثلا أو ليس فيه ذوق، هل معنى ترده؟ لا إلا إذا كان فيه اشتراط، فهذا أيضا من الجهالة المعفو عنها. وهكذا فتجد أن هناك أصول، لكن هؤلاء بسبب غيابهم عن هذه الأحاديث، فوقعوا فيه أنهم يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال ابن حزم: لما قالوا أنه مثلا قال: أنتم مثلا ومذهبكم أنتم المثلة، ليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم مثلا، فخطأ أن يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بسبب قواعد أو وضعت. فإذا كان يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بسبب قواعد، فهذا القواعد فاسد، وهذا القواعد فاسد. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله لما وضع الأصول، وضعها على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الآيات. وهذا ليس العلم الهيئة، معنى وضع مثل هذه الأصول ليس هيئة، لأن النظر يكون ليس في دليل واحد أو في دليلين أو في ثلاثة، لا بل في أدلة كثيرة، ينظر في سياقها، في مثلا مع معنى تبعات هذه الأدلة. أي شيء الذي يخرج من هذه القاعدة، فهذه أمور تحتاج إلى علم غزير، ولهذا أصول فقه من أصعب العلوم، العلوم الآلة هو علم أصول الفقه، لكنه من فهمه يكون سهلا له. وخاصة الآن بحمد الله، معنى الإنسان ما سيستنبط أصول، وإنما الأصول موجودة قد استنبطها العلماء، فقط الفقيه الذي يدرس أصول الفقه، إنما مهمته أنه يعرف كيف يطبق هذه الأصول على المسائل. كيف يطبق هذه الأصول على المسائل، فلهذا الآن تجد بعض المسائل الجديدة، بعض المسائل التي استجدت عند الفقهاء بسبب مثلا العصر، مثلا استجدت مسائل عصرية. فتجد بعضهم العلم، بعضهم يأخذ هذه المسألة على قاعدة معينة، يدخلها في هذه القاعدة، ومنهم من يدخلها في هذه القاعدة. فبعضهم مثلا ينظر في مسألة المعيبات، وبعضهم ينظر في مسألة مثلا أخذ الحقوق أو كذا. فالمهم أنهم مسألة التنزيل، تنزيل المسألة، هذا من أصعب أمور أصول الفقه، تنزيل القاعدة على المسائل. وأخذ هذه المسألة ووضعها في مسائل تشبهها، أنا يقول: هذه المسألة مثلا تشبه مسألة كانت موجودة عند العلماء، فأدخلوها في هذا الباب. فلهذا مثلا مسألة الحوالات، هذه مسألة الحوالات المالية، ما كانت موجودة، كانت في موجود يسمونها السفنجة، وجدت في بعض العصور، وتعامل معها العلماء لأنها جائزة. لأنها ليس من باب الربا، وإنما هي من باب الوكالة التي تكون بين الناس، معنى يوكل إنسان لأجل أن يأخذ مالا إلى مكان آخر. وهكذا عاملوا الحوالات على أنها وكالة، يوكل صاحب هذا المال لأجل أن ينقل مالا غيره إلى مكان آخر. إلا أن الإشكال هنا في هذه المعاملات الصرف، إلا لو كانت نفس العملة، ما في شيء، معنى ما في إشكال، لأن هذا يعتبر من الوكالة. لكن المشكلة في الصرف، أنه يصرف ويحول دون أن يكون فيه تقاطب، لكن العلماء جعل بعضها العلم، قال: السند الذي يعطيه الشخص هذا مكان المقابل. أنا أجعل هذا السند الذي يعطيه الصراف مقابل الصرف، كأنه صرف وتحويل المال يعتبر أكالة، تحويل المال يعتبر أكالة. وبعضهم قال: لا، هذا ما في تقاطب، فهو لا يجوز، بعض العلماء يفتي بذلك الآن، ذلك الشيخ من عسيمين يقول: أنه ما يجوز، لابد أنه يتقاطب. إما يتقاطب مع الصراف الذي هناك، فيعطيه عملة، ثم يرد هذه العملة، ويقول: خلاص حولها. لكن المشكلة أن هناك بعض العملات مثلا ما تكون موجودة مع الصراف، والمهم أن بعض العلماء جعلها من باب الوكالة. وأيضا جعل هذه الورقة هي تقوم مقابل القبض، تقوم مقابل القبض، لأنها ورقة فيها مال، يعني لو أراد مثلا أن يطالب هذا الشخص، سيطالبه بهذه الورقة. فهو أعطاه ورقة فيها مال، وهذا المال سيحوله، فلهذا إذا لم يحول هذا المال، سيطالبه بهذه الورقة، فهي تقوم مقام، معنى السند هذا يقوم مقام المال. كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة، فتنزيل المسائل من أصعب الأمور، تنزيل المسائل على القواعد هو الذي يكون فيه معنى الصعوبة. قال: فإن قال: لهذا الفن أصلا في عهد الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين، وتابعيهم، قلنا: نعم، لكنه ليس على الوجه الذي حدث أخيرا. أي أنه لم يصنف، ولم يبوّب في عهد الصحابة رضي الله عنه، وهكذا كثير من علوم الشريعة، لم ترتب، ولم تبوّب في عهد الصحابة رضي الله عنهم. فمثلا لا تجد أو لا نجد في عهد الصحابة رضي الله عنهم شروط الصلاة، شروط الوضوء، وشروط الغسل، أو الغسل، لا نجدها موجودة. أنا ليش أن العلماء فعلوها؟ لأجل التسهيل في العلم. قال رحمه الله: لكن العلماء رحمه الله، بتيسير الله عز وجل، التوفيق، تتبعوا هذه الأمور، وصنفوا هذه التصانيف، من أجل أن يسفّل العلم على الناس. فأصول الفقه موجودة، موجود أصلها في عهد الصحابة رضي الله عنه، وموجود أصلها في القرآن الكريم، وموجود أصلها أيضا في السنة. وقد ضربنا لذلك فيما سبق أمثلة، لكن تدوينها، وجمعها، وحصرها، حتى تكون فنا مستقلا، هذا حدث أخيرا. وقد قيل أن أول من صنف فيه هو الإمام الشافعي، كما قد مر. فتجد أن المؤلف رحمه الله قد ذكر بعض الأمثلة، مثلا في قاعدة العموم، معنى الأخذ بعموم اللفظ، ذكر حديث عبد الله بن مسعود: «أنكم إذا قلتم ذلك، كان الناس يقولون: السلام على الله، السلام على الملائكة، السلام على فلان، والسلام وكذا». فقال: «لا تقولوا السلام على الله، فالله هو السلام، ولكن قولوا: السلام على عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك، أصابت كل صالح في السماء والأرض». أنا هذا أخذ بالعموم، أخذ بعموم اللفظ، وهذه قاعدة، أنا الأخذ بعموم اللفظ قاعدة عند العلماء، أن الأصل هو الأخذ بالعموم، ما لم يخصص. فما لم يخصص، فهذا موجود عند الصحابة، بالعمل، بالتطبيق أيضا، كذلك شأن الأوامر، أنا تجد النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أحد من الصحابة، فلا يتحرك، لا يخالف الأمر. وهذا لعلمهم أن الأمر للوجوب، أن الأمر للوجوب، لا يتحيل مثلا على هذا الأمر، بل إذا جاءهم أمر من النبي صلى الله عليه وسلم، امتثلوا هذا الأمر. بل حتى كان مثلا أحيانا يكون في شدة ضيق، فيأتيهم الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، يطبقوا، ولا يقولوا شيئا. لما كان في غزوة خيبر، أنا في بدايتها، أصابهم الجوع، أصابهم الجوع، لم يجدوا طعام، فقاموا، ووجدوا أخذوا الحمر الأهلية، وطبخوها. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم القدور تغلي، قال: «ما هذا؟» قال: «يا رسول الله، هذه حمر أهلي». فأرسل، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الأهلية». أنهم كانوا يحتاجون إلى لحم، ويأكلون لجوعهم، لكن لما جاءهم الأمر، سكبوا هذه القدور، وإنها لتغلي، كما جاء في حديث سلم، وإنها لتغلي، معنى كده تفور. فصارت مثل هذه الجهالة معفو عنها، وهكذا فتجد أن هناك أصول، لكن هؤلاء بسبب غيابهم عن هذه الأحاديث، فوقعوا فيه أنهم يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المؤلف رحمه الله: من جزئين قد تركب أصول الفقه، تركب من جزئين، هما أصول وفقه، تركب من جزئين، أي مضاف ومضاف إليه، الأول الأصول، ثم الثاني الفقه. وقوله: الجزءان مفردان، يعني إذا أردنا أن نعرف الجزئين على سبيل الإفراد، يعني أن نعرف أصول وحدها، وفقه وحدها، عرفناه. وإذا أردنا أن نعرفه باعتباره لقبا لهذا الفن أيضا، عرفناه، يعرف باعتبار مفرديه، ويعرف باعتبار تركيبه. فباعتباره لقبا لهذا الفن، هو علم بأصول يتمكن بها الإنسان من استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على وجه سليم. يعني هذا على أنه علم بأصول الفقه، على أنه لقب أصول الفقه، أصول الفقه هو أدلتها على الصحيح من قولها، العلم أن الأصول هي الأدلة نفسها، وليس هي عبارة عن الأدلة، بل هي أدلة أصول الفقه، أدلت الفقه. لأن الأصل يطلق على الدليل، قال: في الأصل، أما إذا أردنا أن نعرف أصول وحدها، وفقه وحده، فيقول رحمه الله: معنى كما ذكرنا أن أصول الفقه تعرف على طريقتين. إما على طريقة أنه لقب لهذا الاسم، لهذا الفن، هو أصول الفقه، وأيضا تعرف كذلك على مفرديها، مفرد أصول، ومفرد فقه. فالمؤلف أعرفها على الطريقتين، فلهذا قال هنا الشيخ رحمه الله: أما إذا أردنا أن نعرف أصول وحدها، وفقه وحده، فيقول رحمه الله: فالأصل ما عليه غيره بني، والفرع ما على سواه ينبني. والفرع كما ذكر الشيخ أنه أتى به استطرادا، وإلا ليس له أهمية هنا، فقال: الأصل ما يبنى عليه غيره، فما بني عليه غير، فهو أصل. والفرع ما بني على غيره، على الأصل، ما بني ما يبنى عليه غيره، ويفسر أيضا بتفاسير أخرى، أن الأصل هو ماهية الشيء، أو ما منه الشيء، ما منه الشيء الذي يخرج منه، أو هو أصله. هذا معنى في اللغة، قال: وعرف المؤلف الفرع استطرادا، وإلا فليس هنا، لكن لما عرف الأصل، عرف الفرع. إذن الأصل كل ما يبنى عليه غيره، فالكتاب والسنة أصل، ولهذا تجدون في الكتب المطولة، كالمغني، يقولون: والأصل في ذلك قوله تعالى: ...، والأصل في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ... . فسمى الكتاب والسنة أصلا، لأنه يبنى عليهما غيرهما، والأصل تأتي بمعاني، لكن هنا المراد به الدليل، المراد به الدليل، تأتي بمعاني الحكم، وتأتي أيضا كذلك بمعنى أصل الشيء الذي ينبثق منه هذه الأشياء، وتتفرع منه. وتأتي بمعنى أيضا الأمور العظيمة، لهذا سموا أصولا وفروعا، سموا العقائد أصولا، لكن هذه التقسيم، كما ذكرنا، الأصل أنه من تقاسيم البدع. لكن درج عليه العلماء، لأجل التسهيل، وإلا في أصل هذا التفريع، والتقسيم على أصل النفرع، فيه معنى أنه من تقاسيم البدع. وكذلك لهم غرض، فيقولون: الأصول لا نقبل فيها إلا المتواتر، أو ما كان من القرآن، والفروع نقبل متواتر، وغير متواتر، وهذا تقسيم باطل، إن كان من هذه الحيثية. وأيضا تجد أيضا عندهم في التقسيم أيضا، فيه أشياء خطأ، مثلا جعلوا الصلاة فرعا، لأنها عمل، والاعتقاديات جعلوها أصولا، وهذا ليس صحيحا. فالصلاة هي ركن من أركان الإسلام، فكيف تكون فرعا؟ بل هي ركن، بل هي أصل من أصول الإسلام. فلهذا فتقسيمهم هذا يحتاج، أو أنه فيه أشياء غير صحيحة، لكن كما قلنا: درج عليه العلماء، ليس من باب أو من هذا الباب، وإنما لأجل تقسيم العلم. ولأجل أن هناك مسائل أصول، وهذه المسائل الأصول لها فروع، لها مسائل فرعية، ومن هذا الباب. قال: فأساس الجدار مثلا أصل، لأنه يبنى عليه غيره، وجدع الشجرة أصل، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال: والشهادة إذا حكم بها القاضي، أصل، لأن القاضي بنى حكمه عليها، وهلما جرى، وهلما جرى، فكل ما يبنى عليه غيره، فهو أصل. فالآن الأصل هو ما منه الشيء، أو ما يبنى عليه غيره، وتقدم معنا أن المراد بأصول الفقه هي أدلة الفقه. قال: بقي علينا الجزء الثاني، وهو الفقه، وأما تعريف الفرع، كما قلنا: ذكره استطراضا، قال: والفقه علم كل حكم شرعي جاء اجتهادا دون حكم قطعي. قال: الفقه في اللغة الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي ما نفهم. فالفقه والفهم، نفقه في الدين، أي نفهمه الدين، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي لا تفهمون. كل شيء يسبح بحمد الله، لكن ما نفقه تسبيحه، لا نفهمه، قالوا: في الشرعي، يقول المؤلف: علم كل حكم شرعي جاء اجتهادا دون حكم قطعي. يعني علم الحكم الشرعي المبني على الاجتهاد، لا على القطع، فهذا عنده الفقه، أنه لابد أن يكون عن اجتهاد، لا عن قطع، عن يقين. وهذا كما سيأتي أن فيه خطأ، قال: فقول علم، خرج به الجهل، فالجاهل ليس بفقيه، لابد أن يفهم المسألة، فإذا لم يفهمها، فهو ليس عنده فقه. ولو كان فيه مسألة مثلا يقال: هل عندك فقه هذه المسألة؟ أو هل فقحت هذه المسألة؟ أي فهمتها. فلا بد يحتاج لعلم، عنده علم بهذه المسألة، علم كل حكم، طال كل حكم شرعي، خرج به الحكم العقلي، والحكم الحسي، والحكم العرفي. لأن هذه أحكام أيضا تسمى أحكام، حكم عقلي، وحكم حسي، وحكم عرفي، قال: فهذه لا تدخل في الفقه اصطلاحا، وإن كانت فقها في اللغة. لكن ليست فقها في الاصطلاح، الآن الفقه المصطلح عليه هو الفقه في الأحكام العملية، الفقه في الأحكام العملية، والمسائل التعبدية، والمعاملات. وهذا هو أمر خاص، اصطلاح، ليس هو المقصود بالآيات، والحديث عن الآيات التي فيها الفقه، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فأيضا قول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أو ما كان في دين الله عز وجل من يرد الله به خيرا يفقه في الدين. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن معاد الناس، قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». هذه كلها النصوص، ليس المراد بها الفقه الاصطلاحي، هذا الذي اصطلحه الفقهاء، وإنما هو عام من ذلك، إنما هو عام من ذلك. فهو المراد به فقه الكتاب والسنة، سواء كان عقيدة، أو فقها، أو كذلك سيرة، أو غيرها من علوم الكتاب والسنة. ففقه الكتاب والسنة يعتبر هذا الفقه، لكن هذا الفقه الذي يتكلم عليه المؤلف هنا هو فقه استلحي. فلهذا قال: علم الحكم الشرعي، علم كل حكم الشرعي، فلهذا لا تدخل فيه الأحكام العقلية، مع أنها قد تكون فقه، الحكم العرفي أيضا قد يكون فقه، معنى من فقه الإسلام. الحكم أو العادة طالا، فمثلا قولنا: الجذو بعض الكل، هذا حكم، لكنه عقلي، لا يسمى فقه في الاصطلاح. قالوا: قولنا: أكل السنى يستطلق به البطن، هذا حسي، أكل السنى يستطلق به البطن، السنى كما قلنا: يسمونه السنى مكي. وهو دواء يستعمل لاستطلاق البطن، السنى مكي، وهنا يقول الشيخ رحمه الله: أكل السنى يستطلق به البطن، أكل أكل السنى، جاء في حديث. لكن لا يصح، عليكم بالسنى والسنود، عليكم بالسنى والسنود، السنى هو هذا السنى المكي، هذا أنا يستخدم لاستطلاق البطن. إذا كان مثلا عنده ألام في البطن، عنده إمساك، يستخدم هذا السنى لأجل أن يزيل هذه الأشياء، لأجل يصفي البطن. وهذا ما يستخدمونه كالعلاج، فأجاء في الحديث: عليكم بالسنى والسنود، والسنود اختلوا فيه، منهم من قال: السمن، منهم من قال: السنود هو السمن مع العسل. أنا إذا خرطت سمن مع عسل، سمى سنود، فالمهم أن هذا المثال، أو هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله، عرف بالتجربة، وبالحس. كذلك الأمور الحسية التي تدرك بالحس، تدرك أن هذا الجسم مثلا خشن، هذا ناعم، هذا كذا، هذه أمور حسية. قالوا: قولنا: وجود سيارة الأمير عند الباب، تدل على وجود الأمير، هذا عرفي، أو عادي، أنا عادة من العادة. إذن الحكم الذي يكون فقها هو الحكم بالأمور الشرعية، وليس كلها، وإنما العملية، كما سيأتي. ولهذا قال: كل حكم شرعي جاء اجتهادا، قوله جاء اجتهادا، يعني مصدره الاجتهاد، فإن كان يقينيا، فإنه على رأي المؤلف لا يسمى فقها. أنه يكون إذا كان قطعي، أو يقيني، على رأي المؤلف لا يسميه فقها، لا يسميه فقها، قال: فالعلم بوجوب الصلاة، على كلام مؤلف رحمه الله، ليس بفقه. لأنه قطعي، لا يحتاج إلى اجتهاد، وقال بعض العلماء رحمه الله، وهو صحيح، أن الفقه في الشرع هو معرفة الأحكام العملية التكليفية، دون غيرهم الأحكام. فالأحكام العقادية، والبدنية، وغير ذلك، معرفة الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، من أدلتها التفصيلية، هذا هو الفقه. وهو التعريف الصحيح، لأجل أن يربط الفقه بالدليل، لأن المسائل هذه تعرف بالأدلة، والفقه هو الذي ليس لمن عرف تفريع المسائل. لأن هناك نظرة عند كثير من الفقهاء، أن الفقه من يعرف تفريع المسائل، أدلت لأن المسائل لأنهم يفريعون، لأنهم يفريعون، لأنهم تحصل في الوجود بسبب أنهم يفرعون عن المسائل. يفرعون حتى ذكر صاحب حاشية بن عابدين، ذكر مسألة أن أن سفينة نوح لو طافت على الكعبة، أنا أي شيء سيحصل، أي شيء الحكم. أنا هذا كناب باطل، إي شيء سفينة نوح طافت على الكعبة، حتى لو طافت، إيش في؟ يأتون باختلاق مسائل، بعضها مستحيلة جدا. فلهذا سموهم أهل الرأي، وهم أصلا كما قلنا: كانوا يظنون أن أن الفقه تفريع المسائل، وهذا ليس صحيح. بل الفقه كما جاء به الإمام الشافعي رحمه الله، وليس هو الذي جاء به، لكن هو دل الناس عليه، الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية بالأدلة. أن هذا الفقه، أن الفقه هو معرفة الأحكام العملية الشرعية بأدلتها التفصيلية، هذا الفقه، هذا الفقه. أنك تعرف المسألة بدليلها، بماذا استدللت على هذه المسألة؟ ما الدليل عندك على هذه المسألة؟ تعرف الدليل، أو التعليل. أحيانا بعض المسألة فيها تعليل، وغالبا هذه المسألة التي يكون فيها القياس، قال: فهذا الفقه، يعني معرفة الأحكام العملية التكليفية، هذا هو تعريف الفقه في الاصطلاح. قال: له تعريف آخر، هو معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين. ولو قال: من أدلتها التفصيلية، أفضل، لأن هذا الآن يعرف الفقه فقط ما هو الفقه، الذي الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية. لكن كيف طريقة معرفتها؟ لم يذكرها، لكن الأفضل أن يقول: بأدلتها التفصيلية، قال ابن القيم على هذا التعريف الأخير، تدخل فيه الأحكام القطعية. فالعلم بوجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، يسمى على التعريف الأخير فقها، ولا يسمى فقها على الرأي الأول، على كلام المؤلف. لأنه جعل الفقه ما يأتي اجتهادا، ما يأتي عن طريق الاجتهاد، وهذا ليس بصحيح، بل معرفة الأدلة هو محل محاقة، هو الفقه. قال: فالعلم بأن الله واحد، هذا يدخل في العقائد، فليس فقها في اصطلاح أصول الفقه، لكنه في الشريعة فقه، بل هو أعظم الفقه. ولهذا سمى بعض العلماء علم العقائد الفقه الأكبر، وما يتعلق بأفعال المكلفين سماه الفقه الأصغر. وهو جدير بأن يسمى الفقه الأكبر، أي ما يتعلق بالله عز وجل، هو الفقه الأكبر، وما يتعلق بأفعالنا، فهو الفقه الأصغر. إذن الحكم القطعي على رأي المؤلف لا يسمى فقه، لا تصور الشيء بدون حكم، هل يسمى فقه؟ قال: لا. فكوني تصور الواجب، والمحرم، والمستحب، هذا ليس حكما، بل لا بد أن أحكم، وأثبت شيئا لشيء، الأصل أن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره. الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، فتصور الحكم يعتبر أصل، أن تصور الحكم هو أهم شيء في المسألة. أن الإنسان يتصور حكم مسألة، فإذا تصور حكم المسألة، بعد ذلك أفتاء، فلهذا أكثر الغلط يحصل الفقهاء عند تصور المسألة. تجد أنه يتصور المسألة على خطأ، فيقع في الخطأ في القياس، وغيره، وهذا الذي وقعت فيه الحنفية، أنهم يؤصلون المسألة خطأ، ثم يقيسون عليها. ولا شك أن القياس على الخطأ خطأ. قال المؤلف رحمه الله: والحكم واجب، ومندوب، ومباح، والمكروه، ومع ما حرم. قال الشارح: هذه خمسة، فالأحكام التكليفية خمسة، وطريق العلم بها التتبع، والاستقراء. مع أن المؤلف ذكر سبعة، كما سيذكر في البيت الآخر، لكن الصحيح أنها خمسة أحكام شرعية خمسة. وأما الصحيح، والفاسد، فتدخل في الأحكام الوضعية، قالوا: طريق العلم بها التتبع، والاستقراء، معنى كيف عرفنا أن الأحكام خمسة؟ بالتتبع، والاستقراء. وهذا من الفقه، تتبع الشريعة، كذلك من الفقه، قال: وطريق العلم بها التتبع، والاستقراء، ذلك لأن الشرع إما أن يأمر بالشيء، أو ينه عنه، أو يسكت. ما أمر به الشرع، كما جاء عن ابن عباس، وعن غيره، وما سكت عنه، فهو عفو، كما ستذكر المعلم. قال: فإن أمر بالشيء، فإما أن يأمر به على سبيل الإلزام، أو على سبيل الاختيار، فالأول واجب، والثاني مندوب. وما نهي عنه، إما أن ينهى عنه على وجه الإلزام بالترك، وما على سبيل الاختيار. قال: وأما أن يسكت، فهذا مباح، لأنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروى أنه قال: «وما سكت عنه، فهو عفو». وهذا صحيح أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وإنما هو موقوف على بعض الصحابة. فالأمر إما أمر، أو نهي، أو يسكت، فإذا سكت، فهو عفو، أي شرع، قال: فهذا وجه الحصر، الحكام من خمسة أقسام. لكن المؤلف ذكر قسمين آخرين ينازع فيهما، وقال: مع الصحيح مطلقا، والفاسد من قاعد، من قاعد، من قاعد. هذان أو من عائدي، أضاف المؤلف رحمه الله الصحيح، والفاسد إلى الأحكام التكليفية، وفيه نظر. لأن وصف الصحة، والفساد، ليس وصفا للعمل الذي وجه للمخاطب، بل هو حكم وضعه الشرع، ضعه يضعه الشرع، علامة على نفوذ هذا الشيء، وعدم نفوذه. فمثلا إذا فعل المكلف الصلاة على وجه سليم، تام الشروط، خال من الموانع، نسمي ذلك صحيحا. لكن طيب قال: إذا كان خال من الموانع، نسمي ذلك صحيحا، لكن هل هذه الصحة من أوصافنا نحن؟ فيقال: صحة علينا، أو ما يشبه ذلك؟ قال الجواب: لا، الصحة حكم وضعه الشارع، يعني صحة الحكم، أو لا، فهذا الصحة، والفساد، الأصل أنها حكم شرعي. قال: وترتيب هذه الأحكام التكليفية على ما تريد، لكن الأحسن أن ترتيبها إما على الأشد، وإما على الذي على الشيء مع مقابله. أنا أشهد معنى الفاسد، أو المنهي عنه أولا، طيب قال: فإن رتبناها على المقابلة، قلنا: الواجب، والمحرم، والمندوب، والمكروه، والمباح. أن الواجب يقابل المحرم، والمندوب يقابل المكروه، والمباح هو ما بينهما. وإن رتبناها على الأشد،