الدرس في التعليق على كشف الشبهات 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية توحيد العبادة وعلاقته بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ويبين تداخل أقسام التوحيد. الإمام محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد العبادة لأنه محور الخلاف بين الرسل وأقوامهم.
الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي دون تطبيق توحيد الألوهية، والرسل جميعًا دعوا إلى توحيد العبادة. التوحيد هو دين الله الذي أرسل به الرسل.
دين الأنبياء والرسل واحد وهو توحيد الله عز وجل، ودعوتهم تبدأ بتوحيد الله واجتناب الطاغوت. يجب على المسلم اجتناب الطاغوت وتوحيد الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قد أخذنا في كشف الشبهات قول المؤلف رحمه الله: «أعلم رحمه الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة». وأخذنا سام التوحيد كذلك، أخذنا من المقصود بالعبادة عند العلماء. ومن ثم قال: «وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل»، وهو التوحيد، أي توحيد العبادة. وقلنا إن المؤلف رحمه الله تمسك بتوحيد العبادة؛ لأنه الذي حصلت فيه الخلاف بين الرسل وأقوامهم، وكذلك الذي ضيعه كثير ممن ينتسب للإسلام، وتبعوا فيه أهل الشرك وأهل الجاهلية. فلهذا اهتم الإمام الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بهذا التوحيد. وإلا فهو قد قسم التوحيد في بعض كتبه إلى ثلاث أقسام كما تقدم، ولم ينفرد بهذا التقسيم، كما قلنا قد سبقه إليه جماعات من أهل العلم ومن أئمة الإسلام كابن مندة وابن خزيمة وابن بطة، وجماعات من أهل العلم من أهل السنة. وإن لم يصرحوا بالأسماء، لكن ذكروا العبارات التي تدل على هذا. وكذلك أيضًا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الإسلام، فذكروا هذا التوحيد وهذا التقسيم، وهو كما قلنا تقسيم شرعي. وإن اختلفوا في المسميات، وإن اختلف التقسيم في المسميات، لكن العصر أنه هذا الموجود في كتاب الله، قد بينه الله عز وجل أوضح بيان، وبين أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾، فربنا جل وعلا ذكر هنا الأمر بالعبادة، وقال: «الذي خلقكم»، أي يلزم من توحيد الربوبية توحيد الألوهية؛ لأنه هو الذي خلقكم، فيجب عليكم أن تعبدوه. فهذا معنى الإلزام. وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وإن كان هناك بينهم فروق، لكن هذا يستلزم هذا، وهذا يتضمن هذا. كما قال الحافظ ابن رجب في شرح «التحفة»: «أقسام التوحيد يتضمن بعضها بعضًا، ويشمل بعضها بعضًا». فلهذا من أنقص في توحيد أو في أحد أقسام هذا التوحيد، فهو نقص في أقسام التوحيد كلها. ومن ضيع شيء من هذا التوحيد، فمعنى ذلك أنه ضيع التوحيد كله. ولهذا الإقرار الذي أقر المشركون بتوحيد الربوبية لم يفيدهم شيئًا؛ لأنه إقرار ليس تطبيقًا. لتوحيد الربوبية ما عندهم توحيد، وإنما إقرار فقط. لماذا؟ إقرار؛ لأنهم لما ضيعوا توحيد الألوهية، دل ذلك على أنه ما عندهم توحيد الربوبية. ولهذا لا يقال: إن أهل الشرك أو أهل الجاهلية وحدوا الله بالربوبية، لا، لا يقال هكذا. وإنما يقال: أقروا بتوحيد الربوبية. وإلا فهم قد أشركوا بالله عز وجل في عبادته. فلهذا بل تجد في بعض الأشياء أيضًا أشركوا في الربوبية. فلهذا تجد أنهم لما ضيعوا توحيد الألوهية، فهم ليسوا على توحيد الربوبية، وإنما إقرار فقط. ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾، ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾، فهم يعترفون بالله عز وجل، لكن لا يؤمنون به. فقال: «فالتوحيد هو دين الله الذي بعثت به الرسل»، أو «أرسل الله به الرسل»، فهذا التوحيد هو الذي بعث الله عز وجل به الرسل. ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فتجد أن الآيات التي جاءت في دعوة الرسل جاءت في توحيد الألوهية. ولهذا اهتم به الشيخ رحمه الله هنا في هذا الكتاب؛ ولأن الشيخ في هذا الكتاب أراد أن يبين الشبهات التي وضعها أولئك المشركون لتوحيد الألوهية، معناهم الشبهات هذه التي وضعوها لأجل توحيد العبادة. فلهذا اهتم به رحمه الله. وأيضًا هو دين الرسل، وأيضًا كذلك الذي دعت إليه الرسل جميعًا، فهو إجماع مطبق، ليس إجماع أمة، لكن إجماع الرسل جميعًا دعوا إلى هذا التوحيد العظيم. ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، لأن أشركت، أي في هذا التوحيد. وأيضًا ربنا جل وعلا بين أنه أرسل الرسل لأجل هذا التوحيد، بل خلق الجن والإنس لأجل هذا التوحيد. ﴿ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، فلهذا فهو دين الرسل الذي دعت إليه الرسل جميعًا. وقد جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى». وجاء في رواية: «وشرائعهم شتى»، إخوة لعلات، والإخوة لعلات هم الإخوة من أب واحد، وأمهاتهم متفرقات، فيقال: إخوة لعلات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد»، أي كأن الإخوة لعلات أباهم واحد، فكذلك هنا الأنبياء دينهم واحد، ألا وهو التوحيد. وشرائعهم شتى، ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾. وأما التوحيد، فقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، فتبين من هذا أنه دين الرسل الذي دعوا إليه أقوامهم. لهذا تجد في القرآن يقول الله عز وجل: ولقد، يقول كلما ذكر نبي من أنبياء دعا قومه، فيدعوهم إلى توحيد الله جل وعلا، أن اعبدوا ما لكم من إله غيره، فهذا دعوة إلى توحيد الله جل وعلا. فلهذا فالأنبياء أول ما يبدأون بدعوتهم لتوحيد الله جل وعلا. فهنا قال: «وهو دين الرسل». وهل معنى دين الرسل، وليس دين الأنبياء؟ فليس هذا المعنى، وإنما هذا الدين الذي بعث به الله عز وجل رسله، بعث الله عز وجل به رسله، الأنبياء يدعون كذلك إلى توحيد الله جل وعلا. وهذا على التفريق الذي سار عليه أكثر أهل العلم، لكن اختلفوا ما المراد بالرسول وما المراد بالنبي. وسيأتي إن شاء الله هذه المسألة في قول المؤلف رحمه الله: «أولهم نوح»، أي أول الرسل نوح. سنذكر ما ذكره أهل العلم في مسألة التفريق بين النبي والرسول. لكن هنا ذكر ربنا، ذكر المؤلف هنا أنه دين الرسل جميعًا، أي هذا التوحيد دعوا إلى توحيد الله جل وعلا، وهو توحيد العبادة. قال: «وهو التوحيد الذي بعث به الرسل»، وهو دين الرسل الذي بعثهم الله عز وجل به. فهذا، فهذا خلاص ما يذكر أن دعوة الأنبياء دعوتهم واحدة، وهي دعوة إلى هذا التوحيد العظيم، وهو توحيد العبادة، أن يعبد الله عز وجل، ويكفر بكل ما سوى الله، بكل ما كان يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ﴿اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، والطاغوت هو كل ما تجاوز حده، كما فسره الإمام ابن القيم: هو كل ما تجاوز حده من متبوع أو معبود أو مطاع، فاجتنبوا الطاغوت. فكل ما تجاوز حده صار طاغوتًا، فالواجب على المسلم الذي يعبد الله عز وجل أن يجتنبه. فهذا خلاص ما يذكر. إن شاء الله نكون في درس لاحق. والله تعالى أعلم.