الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 145، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث ضعيف عن عيادة النبي لزيد بن أرقم عند إصابته بالرمد، وتوضيح معناه وصحته. يبين المقطع أن عيادة النبي لزيد ثابتة ومعنى الحديث صحيح.
يشرح المقطع أحاديث نبوية تشير إلى فضل الصبر على فقد البصر، حيث يروي أنس بن مالك عن النبي قول الله: "إذا ابتليته بحبيبتيه ثم صبر، عوضته الجنة".
نعمة البصر من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، وفقدها ابتلاء يعوض الله صاحبه بالجنة إذا صبر واحتسب.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم مع التمني بالتوفيق من الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه «الأدب المفرد»، باب العياذة من الرمد، قال: حدثنا عبد الرحمن المبارك، قال: حدثنا سلم بن قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: رمدت عيني، فعادني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «يا زيد، لو أن عينك لما بها، كيف تصنع؟» قال: كنت أصبر، أحتسب. قال: «لو أن عينك لما بها، ثم صبرت واحتسبت، كان ثوابك الجنة». وهذا الحديث أصله صحيح في سنن أبي داود، كما نبّه شيخ الباني، رحمه الله، لكنه بهذا السياق ضعيف. وعياذة النبي صلى الله عليه وسلم لزيد ثابتة. والرمد هو مرض من الأمراض يصيب العين، عبارة عن ورم يكون في بياض العين، ويتسبب ذلك إما بسبب رياح حارة، أو ضربة تقع في العين، أو كذلك أيضا بسبب مرض من الأمراض، أو ريح يخرج من البدن فيصعد إلى أعلى الجسد، فيسبب بعض هذه الأمراض: صداع، أو رمد، أو زكام، أو غير ذلك، كما ذكر ذلك ابن القيم، رحمه الله. فالمراد من هذا الحديث بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام عاد زيد بن أرقم لما أصيبه بالرمد. ومعنى الحديث صحيح، وسيأتي كذلك ما يدل عليه على صحة معناه في الصحيحين. وأشهد منه عيادة الأرمد، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، عن علي بن زيد، ومن جدعان، وهو ضعيف، ضعف الإمام محمد بن معين، أبو زرع، أبو حاتم، عن القاسم، عن محمد، ومن أبي بكر: أن رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذهب بصره، فعادوه، فقال: «كنت أريدهما لأنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأما إذا قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله ما يسرني أن ما بهما بضب من ضباء تبالة». وهذا الأثر ضعيف بسبب علي بن زيد بن جدعان. و«تبالة» المراد بها هنا موضع في تهامة، في طريق اليمن، وهو قريب من مكة. ومعنى أنه كان يتمنى أن يكون عنده البصر حتى ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأما وقد مات عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يتمنى ذهاب مصيبة به، أن يتمنى ذهاب مصيبة به من ذهاب بصره، وأن يكون ذلك -يعني- يذهب منه مثلا هذا العمى، ويكون في ضب من ضباء تبالة. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، ويوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا يزيد بن الهاد، عن عمر مولى غفرة -وهو ابن عبد الله بن حنطب-، عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: إذا ابتليته بحبيبتيه -يريد عينيه- ثم صبر، عوضته الجنة». والحديث صحيح، عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه ضعف، لكنه مقرون هنا بعبد الله بن يوسف، والحديث في صحيح الإمام البخاري. قال: وحدثنا خطاب، وابن عثمان الطائي، ذكر ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، فمثله ضعيف الحديث. قال: حدثنا إسماعيل، وابن عياش، عن ثابت بن عجلان -وثقه إسحاق بن يزيد-. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني ثابت، وابن عمار، عن القاسم، وابن مسلم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله: يا ابن آدم، إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة، واحتسبت، لم أرض لك ثوابا دون الجنة». والحديث حسن أو صحيح بشواهده، ويشهد له ما قبله. وفي هذين الحديثين فضيلة الصبر على ما يبتلى به العبد، ومن ذلك ذهاب البصر. قال الله عز وجل: «إذا ابتليته، إذا ابتليته بحبيبته» يعني: إذا ابتلى الله سبحانه وتعالى عبده بحبيبته، يعني عينيه. وقال: «حبيبتيه»؛ لأن العينين من أحب الجوارح للإنسان، من أحب الجوارح للإنسان؛ فإن بالعينين ينظر، ويبصر إلى الخير الذي يحتاج إلى أن يفعله، فيفعله، ويحذر من الشر الذي يتجنبه، إلى آخر ذلك من المنافع العينين. فإن الأعمى تجده ماذا يعيش بظلمة، يعيش بظلمة لا يبصر شيئا. والمبصر لو أنه أغمى وعينيه ساعات، لوجد وحشة عظيمة. فالحاصل أن العينين من أعظم النعم، نعم الجوارح التي أعطاها الله جل وعلا للعبد، فإذا ابتلي بعينيه بأن ذهب بصرهما، وصار أعمى، عوضه الله سبحانه وتعالى بهذا الابتلاء الأجر العظيم، وهو الجنة. «إذا ابتليت عبدي، أو ابتليته بحبيبتيه، ثم صبر، عوضته الجنة». جعل الله سبحانه وتعالى عوض ذلك ما فاته من هذه النعمة في الدنيا الجنة، لكن بشرط الصبر والاحتساب، كما في الرواية الأخرى: أن يحتسب ذلك، ويصبر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». إنما الصبر عند الصدمة الأولى. فإذا ذهب بصره، فصبر واحتسب، عوضه الله سبحانه وتعالى عن ذلك بالجنة، هذا جزاء أو عوض صبره على هذه النعمة التي فقدها. فكيف إذا كان مع ذلك عنده أعمال صالحة، عنده أعمال وطاعات يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى؟ لا شك أن الأجر يكون أعظم، أن الأجر يكون أعظم. فلهذا ينبغي على العبد أن يستشعر عظم هذه النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، وهي نعمة البصر، نعمة البصر التي لا يستطيع الإنسان أن يشكر، ويؤدي شكر هذه النعمة، فضلا عن سائر النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه. ومع ذلك فالذي يذهب بصره قد يكون أعمى البصر، لكنه حي ببصيرته، بما يجعل الله سبحانه وتعالى في قلبه من الإيمان والهداية. وهكذا إذا وفقه الله عز وجل لطريق العلم، ربما صار أبصر من آلاف وملايين من الناس الذين يبصرون بأعينهم، هم عميان في الحقيقة، عميان البصيرة، عميان عن الحق وعن الهداية. فحقيقة البصر أن يكون العبد مبصرا بصرا حسيا، ومعنويا: بصرا حسيا بما آتاه الله عز وجل من هذه الجارحة، وبصرا معنويا بما يكون في قلبه من الإيمان والهداية والعلم والتوفيق لما يحب الله سبحانه وتعالى. قال: باب طيب، نقوم إن شاء الله هنا، ونكمل في درس قادم. والله تعالى أعلم.