الدرس في التعليق على كشف الشبهات 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوحيد يُقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد العبودية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا التقسيم شرعي وليس اصطلاحيًا. سورة الفاتحة تتضمن هذه الأنواع من التوحيد.
العبادة تعني المحبة مع الخضوع والذل ولها ركنان أساسيان، وتكون مقبولة إذا كانت مما يحبه الله ويرضاه. العبادة تشمل الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
إفراد الله بالعبادة هو توحيد الألوهية ويعني صرف العبادة لله وحده دون شريك له. هذا هو جوهر توحيد الألوهية بالنسبة لله وتوحيد العبادة بالنسبة للعباد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، أخذنا الدرس الماضي في درس لكشف الشبهات قول المؤلف رحمه الله تعالى: «أعلم، رحمه الله، أن توحيد الله هو إفراد الله بالعبادة». وذكرنا تقاسيم التوحيد، وأنها تقاسيم شرعية، ليست تقاسيم استصلاحية. وهذا يغلط فيه كثير، فيظنون أنه تقاسيم استصلاحية وليست كذلك، وإنما هي تقاسيم شرعية. وإنما المسميات استصلاحية، المسميات استصلاحية. وأما من ناحية أصل التوحيد فهي مسميات شرعية: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية. هذا جاء في كتاب الله، وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مثلا، الفاتحة تتضمن توحيد الربوبية: «رب العالمين»، «الحمد لله رب العالمين»، هذا توحيد الربوبية. «الرحمن الرحيم»، توحيد الأسماء والصفات. «مالك يوم الدين» أيضا، «مالك» هو من توحيد الأسماء والصفات، كذلك أيضا هو من توحيد الربوبية، أنه له يوم القيامة هو المالك له. وكله بأنه سبحانه وتعالى. ثم قال: «اهدنا الصراط المستقيم»، طلب الهداية، الهداية من الله عز وجل، كذلك هو من توحيد الربوبية، لكن طلبها من توحيد العبودية. الهداية فعل من أفعال الله، هداية العبد التوفيقية، وهدايته الإرشادية، كذلك هو من أفعال الله عز وجل، فهي داخلة في توحيد الربوبية، لكن طلبها -كما قلنا- عبادة داخل في توحيد العبودية. «صراط الذين أنعمت عليهم»، هذا الاتباع هو داخل في توحيد العبودية، أنه عبادة، اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، عبادة. فالفاتحة كلها توحيد، كلها توحيد. ولهذا كانت أفضل سورة في القرآن. وجاء في حديث رواه البخاري بسعيد المعلق، قال: «ألا أقرئك أفضل سورة في القرآن؟» «الحمد لله رب العالمين»، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته. فلهذا -كما قلنا- في التوحيد، هذا التقسيم توحيد شرعي. وتوحيد العبودية يتضمن توحيد الربوبية، يلزم منه توحيد العبودية. ويتضمن الأسماء والصفات، كما أن توحيد العبودية يتضمن توحيد الربوبية. الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾، لماذا تعبدونه؟ لأنه خلقكم. فمعنى ذلك أن توحيد العبودية يلزم منه توحيد الربوبية. وأيضا توحيد الأسماء والصفات. فلهذا، أقسام التوحيد كلها متلازمة. لكن المؤلف هنا لم يذكر أقسامها كلها، وإنما ذكر قسما واحدا -كما قلنا- وهو العبودية. وإنما ذكره لأن الخلاف فيه، فأراد أن يتكلم فيه، ويرد على الشبهات التي ذكرت في توحيد العبودية. ولهذا ذكره أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة. وهذا -كما قلنا- تعريف توحيد العبودية، أو توحيد العبادة. فقوله هنا: «إفراد الله بالعبادة»، العبادة تعرف على معناها. منهم من قال: هي طاعة الله ورسوله، أو ما أمر الله عز وجل ورسوله، وما أمر بتركه. وهناك أيضا تعريف لشيخ الإسلام، وهذا تعريف بحسب المفعول، بحسب المفعول. وهو أرفعها، رحمه الله، بأنها «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». أما من ناحية الفعل، فالعبادة هي المحبة مع الخضوع والذل. العبادة هي المحبة مع الخضوع والذل. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه، مع ذل عابديه، هما قطبان»، أي ركنان. فالعبادة لها ركنان. وهي عبادة، معنى على التعريف للفعل. فعل العبادة لابد أن تكون هذه العبادة متضمنة للمحبة والذل والخضوع. فعبادة بدون ذل وخضوع ليست عبادة، لأن المحبة قد تكون محبة موجودة. إنسان يحب أولاده، يحب زوجته، يحب أمه وأباه، فهؤلاء يحبهم، لكن ليس هناك ذل وخضوع لهم. فلهذا لا تكون عبادة، وإنما هي محبة طبيعية. لكن إذا وجدت المحبة مع الذل والخضوع، فهذا عبادة. فلهذا، في العبادة هي -كما قال إمام القيم-: «عبادة الرحمن غاية حبه، مع ذل عابده، هما قطبان». فلهذا، فبالفعل، فعل العبادة، تقول العبادة القسم أو المراد بها هي المحبة والذل والخضوع. وأما إن كان بالمفعول الذي يفعل، فهي لابد أن يكون هذا الشيء مما يحبه الله ويرضاه. أنا كيف أعرف أن هذا فعل عبادة؟ إذا عرضته على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن كان مما أمر الله به، سواء كان أمرا حتما لازما أو أمرا ندبا، فيكون عبادة. أو أمر الله عز وجل بتركه، أو قصد حذر من تركه، حذر من تركه أيضا، كذلك يكون عبادة إذا حذر ربنا جل وعلا، أو نبيه عليه الصلاة والسلام، من ترك هذا الشيء، فهذا يكون عبادة لله جل وعلا. فلهذا، في العبادة هي «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة». فهذا ميزان لهذه العبادة المشتبهة التي تفعل، لكن فعل العبادة يجب أن يكون محبة مع ذل وخضوع. وهناك أيضا أشياء قد تكون ضرورية أيضا من العبادة، وتدخل في الذل والخضوع، وهما الخوف والرجاء. ومعلوم أن العبادات أيضا تقسم إلى قسمين: عبادات قلبية، وعبادات بدنية. مثل ما قال شيخ الإسلام: ظاهرة وباطنة. عبادات قلبية، وعبادات بدنية. وأعمال اعتقاد، وأعمال جوارح. الخوف، الرجاء، من العبادات القلبية أيضا، كذلك الرضا، وغيرها من هذه الأعمال التي تكون بالقلب، تكون عبادة لله عز وجل. وكذلك أعمال ظاهرة: الصلاة، وأيضا كذلك الحج، والزكاة، وغيرها. المهم أن هذه الأعمال العبادية تصرف لله وحده، لا شريك له. إفراد الله عز وجل بالعبادة. فكل ما يحبه الله عز وجل لا يصرف عبادة لغيره، لا يصرف عبادة لغيره. أنا لا يتعبد إلا لله عز وجل بهذا الأمر، إلا إن كان مثلا الأشياء المباحة التي قد تفعل، لكن ليس على وجه العبادة. مثل -كما قلنا- المحبة، فالمحبة موجودة. الخوف كذلك موجود، لكن لا يفعل على سبيل العبادة، وإنما إما على سبيل أمر شرعي، أو أمر طبيعي. أو أحيانا يكون على أمر معاقب، ضد التوحيد. مثل خوف السر، أن يخاف من غير الله عز وجل، فيخاف أنه أو يعتقد فيه النفع أو الضر، مثل من يخاف الجد، أو يخاف الأولياء، كما يقولون، أو يخاف أنه يضر أو ينفع، وغير ذلك مما يكون من خوف السر، وهو خوف عبادة لغير الله جل وعلا. وخلاصة ما قلنا: أن العبادة التي تصرف لله عز وجل هي التوحيد. إفرادها لله عز وجل هو توحيد الألوهية بالنسبة لله عز وجل، وتوحيد العبادة بالنسبة للعباد، أنه أنهم يصرفون هذه العبادة لله وحده عز وجل. فهذا المقصود بالعبادة، إفراد الله عز وجل بالعبادة. إن شاء الله نكمل بهذا، الله تعالى.