الدرس في التعليق على كشف الشبهات 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان العرب يتعبدون الله ويجعلون وسائط بينهم وبينه، وبعث الله النبي محمد لهدايتهم. كانوا يمارسون بعض العبادات لكن مع الشرك بالله.
أهل الجاهلية مارسوا عبادات مثل الصيام والحج مع الشرك بالله، واعتقدوا أن ذلك يعظم الله. كانت عباداتهم مختلطة بالشرك.
المشركون أقرّوا بربوبية الله لكنهم صرفوا العبادات لغيره، واعتقدوا أن الله هو الخالق الرازق. كانوا يعترفون بربوبية الله ويتقربون لغيره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: بعدما ذكر أن هؤلاء الأصنام قد كسرها رسول الله، قال: وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين. وقلنا: إنه كسرها المراد بأمره، لما أمر بتكسير الأصنام. ومن هذه الأصنام التي كسرت: هذه الأصنام التي كانت موجودة عند العرب، ومنها ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا. قال رحمه الله: أرسله الله إلى قومي يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله. قوله رحمه الله: أرسله الله إلى قومي يتعبدون، هذا شيء معروف كان عندهم، عند العرب عند أهل الجاهلية، كانوا يتعبدون الله عز وجل، وإن كانت بعض العبادات غير صحيحة، لكن كانوا يتعبدون الله. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى غار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد، وهذا قبل أن يبعث إليه. فهذا يدل على أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأيضا كذلك كان في أشعار العرب ما يكون فيه من ذكر الله عز وجل وعبادة الله سبحانه وتعالى. وكانت عندهم أيضا صلاة، كانوا يصلون، لكن ما عندهم سجود كما ذكر العلماء، كانت صلاتهم بدون سجود، يركعون وأيضا يقومون. فكانت العبادة عندهم، وكانوا أيضا من ذلك من العبادة التي كانت عندهم الصدقة، كذلك العتاقة. كما قال ما في الصحيحين: ليتعروا عن حكيم الحزام، أنه قال: قلت يا رسول الله، إنه كان لي في الجاهلية صدقة ومعتاقة. وجاء في رواية: والتحنث، فهل لي من أجر؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسلمت على ما أسلفت من خير. كذلك كان عندهم صيام، كما جاء في الصحيحين في حديث الزهري عن عروة عن عائشة: أن قريشا كانت تصوم عاشورا. فدل على أن عندهم أيضا كذلك صيام، وكان أيضا عندهم حج وعمرة، وهذا لا شك فيه لكثرة النصوص التي تدل على هذا، إلا أنهم يشركون في حجهم وعمرتهم. فكان يلبون فيقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فيظنون أنهم عظموا الله بهذا لما يقولون: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، لكن هذا أيضا يعتبر من الشرك بالله، ليس لله عز وجل شريك حتى يجعل مع الله سبحانه وتعالى، وليس لله عز وجل مساوٍ ولا مكافئ. لكن هؤلاء بجهلهم يجعلون هذه الأمور أيضا، كما قلنا: يتصدقون ويحجون ويذكرون الله. عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة. فأيضا فيها عندهم اعتكاف. وكل هذه الحج وغيرها كثير، أنه كان عندهم تعبد، عندهم تعبد يعبدون الله. فأراد المؤلف رحمه الله أن الله عز وجل أرسل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوم يتعبدون، ليس كما يقولون هؤلاء مثلا أهل الشرك، أولئك مشركون ليست عندهم عبادة، لا، هؤلاء يتعبدون، لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط. وإيش الفرق بين شرك الأولين والآخرين؟ أولئك يتعبدون، وإن كانوا قد يشركون في بعض العبادات، يعني يجعلونها لله ويجعلونها لغير الله. ولا شك أنهم ما عبدوا هذه الأصنام لأجل ذاتها، ولا لأجل الصالحين، لأنهم يعلمون أن هؤلاء الآلهة التي يدعونها أنهم لا يخلقون، لا يخلقون شيئا ولا يرزقون، ليس أيضا الرزق بيدهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزيزُ العَليمُ﴾، وغيرها من الآيات العظيمة التي بيّن الله عز وجل أن هؤلاء المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله، وأنه خالقهم ورازقهم وأنه مدبر الأمر. ومن يدبر الأمر فسيقولون: الله، فلهذا فهم يعترفون بهذا، مع ذلك أنهم يتقربون لغير الله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلّا وَهُم مُشرِكونَ﴾، فهم مع إيمانهم لكنهم يشركون بالله عز وجل في عبادته. كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية قال: يقولون: إن الله خالق ورازق، ثم يعبدون غيره. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، معنى سمى فعله ماذا؟ إيمان، يؤمنون بأن الله هو الخالق هو الرازق وهو كذا، لكن يصرفون العبادات لغيره سبحانه وتعالى. فلهذا كما قلنا: أرسل الله، وكما قال المؤلف هنا: أرسله الله إلى قوم يتعبدون، كما أنكم أيها المشركون، أي مشركو ذلك الزمان الذي كان فيه الشيخ، أو كذلك إلى الآن من كان يفعل فعله من التقرب لغير الله جل وعلا. فهؤلاء قال الشيخ رحمه الله: كما أنكم تتعبدون الله، فهم يتعبدون الله، أرسله الله إلى قوم يتعبدون، لكن يجعلون لله وسائط بينهم وبين الله. هذا الأمر الذي جعلهم من المشركين، وجعل الله عز وجل أن يرسل إليهم رسولا منهم يدعوهم إلى الله جل وعلا، ويبين لهم توحيد الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنهم اتخذوا وسائط بينهم وبين الله. وإن شاء الله تعالى في درس لاحق نبين اتخاذ هذه الوسائط، وجهاتها يكون من الشرك بالله جل وعلا، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.