التعليق على مقدمة المجموع 14

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آثار السلف في الحث على العلم وفضله

يتناول المقطع ذكر المؤلف الإمام النووي لبعض آثار السلف في الحث على العلم وفضله. يُظهر المقطع قيمة العلم وشرفه من خلال أقوال السلف الصالح.

فضل العلم وعلاقته بالخشية والعبادة

يُشدد على أهمية تعلم العلم لله خشية، حيث يزيد العلم الصحيح من خشية الله. يجب أن يكون الدافع خلف طلب العلم هو إرضاء الله وليس أغراض الدنيا.

مكانة العلماء وأثر العلم على الإنسان والمجتمع

يُبيّن المقطع أهمية العلماء في الهداية والإرشاد، ويوضح أن العلم يرفع صاحبه ويمنحه الشرف والعزة والقرب من الناس. العلماء يُشبهون بالنجوم التي يهتدي بها الناس.

معاني الغنى والنبل والمهابة في الإسلام وتأثيرها

الغنى الحقيقي هو غنى القلب بالقناعة والتوكل على الله. الله عز وجل يرفع ويشرف من يرزقه هذه الصفات، بغض النظر عن وضعه الاجتماعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله الإمام النووي في مقدمة المجموع: بعدما ذكر الحديث قال: «وأما الآثار عن السلف فأكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، لكن نذكر منها أحرفًا متبركين، مشيرين إلى غيرها، ومنبهين». أنا سيذكر بعض آثار السلف في الحث على العلم والحث على طلبه. قال عن علي رضي الله عنه: أنه كان يقول: «كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه». هذا ذكره نعما علي، الله أعلم من أخرجه. ذكره في تذكرة السامع ابن الملقل أيضًا نسبه إلى علي. وهذا الكلام كلام عظيم؛ لأن كل يدعي أنه عالم. لو قلت لرجل وهو جاهل حقيقة: أنت جاهل، لا يغضب. لكن لو قلت له: أنت صاحب علم وكذا، لفرح ولو كان جاهلًا. وهذا شرف للعلم، شرف للعلم أن من ادعاه تشرف به، ومن فرح إذا دعي بالجهل تبرأ منه. لهذا قال: «وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه»، أي من هو جاهل. قالوا عن معاذ رضي الله عنه قال: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة». هذا الأثر أخرجه الإمام أبو نعيم في الحلية، وهو مشهور. قال: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية؛ أن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾»، فكلما تعلم العبد علمًا صحيحًا صادقًا في علمه زاده ذلك العلم خشية لله. ولهذا كان بعض السلف يقول -كما نقل عن أم سلمة-: «اذهب فتعلم؛ فإن زادك العلم خشية وتقى فهو العلم، وإلا فلا تتعب نفسك» أو كما قالت، رحمها الله. أي تقول لابنها: اجعل هذا العلم تستفيد منه، ليس فقط تستفيد علمًا، أيضًا تستفيد خشية وعملًا بهذا العلم. ولهذا كان السلف يتعلمون ويعملون، فأورثهم هذا العلم خشية لله جل وعلا. قالوا: طلب العلم في ذاته عبادة وأجر، كما تقدم معنا في الأحاديث. ولهذا تقدم معنا أنه كان بعض السلف يقول -وهو يحث اليمن-: «ما رأيت شيئًا يطلب ولو بغير نية له ثواب إلا العلم؛ إذا طلب ولو بغير نية». وقيل له: إن أناسًا يطلبون العلم بغير نية. قال: «طلبه للعلم نية؛ طلبه للعلم نية». إذا عندما يطلب العلم هذا هو إخلاص، معنى نية للثواب، يثاب على طلبه للعلم. ثم بعد ذلك، فإن كان صرف ذلك الطلب في مرضاة الله جل وعلا وأخلص لله، فهو يستمر في ذلك الثواب. وإن كان جعل نيته لأجل أغراض -مثلًا من أغراض الدنيا- فإنه قد يكون إثمه أو هذا طلبه وبالًا عليه. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾. فالذي يعمل عمل الآخرة بالنية لأجل الدنيا، فإنه يعرض نفسه للهلاك. قال أبو مسلم الخولاني: «مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء؛ إذا بدت للناس اهتدوا بها، وإذا خفيت عليهم تحيروا». العلماء إذا لم يظهروا للناس علمهم، وإذا لم يوجد في الناس علماء، فإن الناس يتحيرون. لكن الله عز وجل جعل هؤلاء العلماء كالنجوم في السماء يهتدى بها. وهؤلاء العلماء هم هداة الناس؛ يعلمونهم ويبصرونهم. وهذا الأثر أخرجه البيهقي، وابن عساكر في الحلية. وأخرجه البيهقي أيضًا من كلام الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم -أي مرسل-. قال وعن وهب بن منبه قال: «يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيئًا، والعز وإن كان مهينًا، والقرب وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا، والنبل وإن كان حقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا، والسلامة وإن كان سفيهًا». وهذا كلام عظيم من هذا التابعي الجليل وهب بن منبه، أخ همام بن منبه. فيذكر أن العلم شرف للإنسان ولو كان صاحبه دنيئًا عند الناس. معنى رجل لا يُعنى به من ضعفاء المسلمين، لكن العلم شرف. ولهذا كان بعض السلف يقول: لو كنت بقالًا لقدرني الناس؛ لو كنت بقالًا لم يشتَرِ أحد مني لأجلي، إنما يقدروني لأن في عيني عمش. فقال: لكن رفعه الله عز وجل بالعلم. قال: «والعز وإن كان مهينًا»؛ أيضًا يكون عزيزًا وإن كان أصله مهينًا؛ أن يعيش حياته مهينًا، لكن إذا تعلم عزه الله، صار عزيزًا عند الناس. «والقرب وإن كان قصيًا»؛ أن يقربه الناس ويقربه أهل الصلاح وإن كان يريد أن يبعد عنهم. «والغنى وإن كان فقيرًا»؛ قد يكون مراد غنى القلب؛ أن الله عز وجل يضع في قلبه القناعة ويضع في قلبه التوكل عليه، فيرى نفسه كأنه غني وهو فقير ما عنده شيء. قال: «والنبل وإن كان حقيرًا»، وهكذا. قال: «والمهابة وإن كان وضيعًا، والسلامة وإن كان سفيهًا». أن كل هذه النور واضحة؛ أن الله عز وجل يرفعه ويشرفه.