الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
طلب العلم له منزلة عظيمة عند الله، والعالم العامل بعلمه يعتبر كبيرا في ملكوت السماوات. طلاب العلم يمشون إلى رفعة هذا الدين والملائكة تخضع لهم وتضع أجنحتها تواضعا لما يطلبونه.
العلماء يشبهون بالعين العذبة والسراج الذي ينير للآخرين، وطلب العلم أفضل من نوافل الصلاة لأنه يعود بالنفع على صاحبه وغيره. يُبين أهمية مصاحبة أهل العلم وتجنب من لا يحب العلم.
النبي صلى الله عليه وسلم شبه جليس الخير بحامل المسك، وجليس السوء بنافخ الكير، موضحا تأثير كل منهما على من يجالسهم. هذا يبين أهمية اختيار الصحبة الصالحة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام النووي، وعن وهب بن منبه رحمه الله قال: يتشعب من العلم الشرف، وإن كان صاحبه دنيئا، والعز، وإن كان مهينا، والقرب، وإن كان قصيا، والغنى، وإن كان فقيرا، والنبل، وإن كان حقيرا، والمهابة، وإن كان وضيعا، والسلامة، وإن كان سفيها. وهذا كما ذكرنا قد أورده بعض العلماء عن واحد، لكن ذكره الترمذي في سننه عن الفضيل بن عياض قال: «عالم عامل بعلمه يدعى كبيرا في ملكوت السماوات». ذكره الترمذي رحمه الله في سننه عن الفضيل بن عياض قال: «عالم عامل بعلمه يدعى كبيرا»، وعن العامل بعلمه يكون عظيما في ملكوت السماوات. وقال غيره: «أليس يستغفر لطالب العلم كل شيء؟»، أفهذه منزلة أن تقول: كفى بهذه المنزلة فخرا، فطالب العلم هو خير من دب على هذه الأرض بعد الأنبياء. فأي خطى يخطوها طالب العلم فهي رفعة عند الله جل وعلا، وأفضل من مشى إلى شيء وإلى غرض من الأغراض هو الذي يطلب العلم، فإنهم يمشون إلى رفعة هذا الدين العظيم. ولهذا من ذلك الأمر أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. أن الملائكة تخضع لطالب العلم وتضع أجنحتها تواضعا لما يطلبونه، فهذا يدل على عظمة ما يطلبونه. فخطى طالب العلم عظيمة، ولهذا كان طلبة العلم في زمن السلف يحرصون على السرعة في المشي حتى يلقوا المشايخ ويتنقلوا بين الشيخ والشيخ بسرعة. وبحمد الله الآن يسر الله هذه المواصلات، ما يقطعه الإنسان كانوا قديما ما يقطعونه في يوم أو يومين، فيقطع الآن في ساعة أو ساعتين، وهكذا ما يقطع في أيام وليالي. انظر الآن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده يذهبون من المدينة إلى مكة ثمانية أيام، وأنا من مكة إلى المدينة ثمانية أيام، والآن خمس ساعات وست ساعات، وأنت في مكة إذا كنت من المدينة، أو كذلك من مكة إلى المدينة، فهذه نعمة عظيمة، أفرغ الوقت وتقارب الزمان، وهذه نعمة عظيمة لطالب العلم الحريص على وقته، فإنه يتنقل بين مشايخ أهل العلم، بين العلماء من هنا إلى هنا، ووقته قصير، معنى الوقت الذي يصرفه في الطريق قصير، ليس مثل زمان كان الوقت الذي يصرفونه في الطريق أكثر من الوقت الذي يجلسونه عند المشايخ أحيانا. قال رحمه الله: وقيل: العالم كالعين العذبة نفعها دائما، وقيل: العالم كالسراج من مر به اقتبس. وقيل: العلم يحرشك وأنت تحرش المال. هذا الكلام قد ثبت عن علي رضي الله عنه في وصيته لكمير بن زياد، وهي وصية صحيحة جاءت بأسانيد، قال: وهو يدفع عنك وأنت تدفع عن المال. قال رحمه الله: وقيل: العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح المصائر في الظلم، به تبلغ منازل الأبرار، ودرجات الأخيار، والتفكر فيه ومدارسته ترجح على الصلاة النوافل. كما قال عبد الله بن أحمد رحمه الله: لما قدم أبو زرعة الرازي عند أبي، نزل في بيته، وكان كثير المذاكرة له، فكان يتذاكرون، فسمعت أبي يقول يوما: «ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة لنوافلي». وأيضا سئل عن ذلك، فقال: طلب العلم أفضل من نوافل الصلوات، طلب العلم أفضل من نافلة الصلاة؛ لأن طلب العلم يعود نفعه إليه وإلى غيره، فنفعه متعدد، بخلاف النوافل فنفعها قاصر على صاحبها. وأيضا هذا مستحب، النافلة مستحبة، والعلم قد يكون واجبا وقد يكون أيضا مستحبا. قال رحمه الله تعالى: وقيل: العلم حياة القلوب من الجهل، أو قال: وصاحبه مبجل مكرم. وقيل: مثل العالم مثل الحمة، تأتيها البعداء ويتركها الأقرباء. فبينما هي كذلك إذ غار ماؤها، وقد انتفع بها، بقي قوم يتفكرون، أن يتندمون. قال أهل اللغة: الحمة بفتح الحاء عين ماء حارة يستشفى بالاغتسال فيها. يقول: معنى أنه يذكر أقوال أهل العلم من ذلك أنهم قالوا: مثل العالم مثل الحمة، تأتيها البعداء ويتركها الأقرباء. أن أحيانا بعض العيون التي قد تنتشر عند الناس أنها يستشفى بها، فيأتيها الناس من أماكن بعيدة، وتجد أهل البلد أنفسهم ما يغتسلون فيها. فهكذا العالم يأتيه طلاب العلم، وأما أهله فغالبا يزهدون في علمه. وكما قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «أزهد الناس في العالم أهله»، أي يزهدون فيه ويزهدون في علمه، وهو قريبهم، ويأتي العلماء من أماكن بعيدة، الناس يأتون إليه من أماكن بعيدة لكي يطلبوا العلم عنده، وهو لا يأتون إليه. قال الشافعي رحمه الله: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وقال: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وقال أيضا الإمام الشافعي رحمه الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم. وثبتت أيضا هذه عن سفيان، وقال: ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. قال: فهذه العبارات أكثر، طلبة العلم احفظوها: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، من أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. فالعلم مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له». قال الإمام الشافعي رحمه الله: من لا يحب العلم فلا خير فيه، فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة. يقول الإمام الشافعي: من لا يحب العلم فلا خير فيه، لا خير في من لا يحب العلم، ولهذا قال: فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة. وهذا ليس من باب الهجر كما يظنه بعض الناس، وإنما الباب أنك لا ينبغي أن تصاحبه؛ لأنه لا يحب العلم، وإنسان لا يحب العلم لا خير فيه، فلهذا الأفضل أن تبتعد منه. قال الشيخ ابن عثيمين عند هذا الأثر: «الله المستعان، لو طبقنا هذا اليوم لكنا ربانين». قال: لو طبقنا هذا لكنا ربانين. الإنسان يبتعد عن صداقة من لا يحب العلم، وهي صادقة، من كان عنده علم أو يحب العلماء، فهذا يقوي شوكة أهل الإسلام؛ لأن الإنسان بأصحابه وبأصدقائه، والمرء على دين خليله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فمن كان يصادق الأخيار فإنه يعلو بذلك. وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مثل الجليس الصالح كحامل المسك الذي يعطيك أو يهديك من مسكه، أو تبتاع منه، وصاحب السوء مثله كمثل نافخ الكير، إما أن يحرق عليك ثيابك، وإما أن تشم منه رائحة خبيثة.