شرح رسالة فضل الإسلام 43

شرح رسالة فضل الإسلام 43

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 43، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية تبيض وجوه وتسود وجوه

يناقش تفسير ابن عباس للآية وبيان ضعف الأثر المرفوع إلى النبي، مع الإشارة إلى علة في سند الأثر الموقوف على ابن عباس. العلماء يستشهدون به لاحتمال وجود شواهد له.

فوائد أثر ابن عباس في التفسير

يشرح المقطع فوائد أثر ابن عباس في تفسير آية يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، مبينًا أن السنة تدعو للاجتماع والائتلاف، والبدعة تؤدي للفرقة، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

تتمة الكلام عن فوائد الأثر وتفسيره

يعدد الفوائد المستفادة من أثر ابن عباس، منها فضيلة التمسك بالسنة وبيان أن البياض والسواد يوم القيامة حقيقي وليس مجازيًا، ويبين أن النبي لم يكفر الصحابي بل أراد تشبيه حاله بحال الكفار.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والبركة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته «فضل الإسلام»: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾، قال: «تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر المروي عن ابن عباس في باب وجوب التمسك بالإسلام كله. ومن أوائل مباحث هذا الأثر وما يتعلق بمسائله النظر في تخريجه وما يتعلق بصحته أولًا. إخواني في الله، هذا الأثر أورده بعض العلماء حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه قد جاء من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، ثم قال: «تبيض وجوه أهل السنة» إلى آخر المقال. وقد أورده كذلك الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في «الدر المنثور»، وهكذا الديلمي. لكن الصحيح خلافه، أن الأثر الذي جاء على صيغة الرفع لا يصح، بل هو ضعيف جدًا، بل حكم عليه العلماء المحدثون بالوضع، وأنه موضوع، كما فعل ذلك وحكم عليه الدارقطني رحمه الله بأنه موضوع، أي مكذوب على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما ذكره صاحب «التذكرة» تذكرة الموضوعات بأنه حديث موضوع، وهكذا السيوطي رحمه الله أورد هذا الأثر في كتابه «الإتقان» وضعفه. إذن، هذا الأثر لم يأت مرفوعًا عن رسول الله، بل هو مفترى عليه. لكن المشهور عند العلماء أن هذا الأثر قد جاء موقوفًا، أي من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ما أورده المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا: أن ابن عباس فسر هذه الآية بهذا التفسير «تبيض وجوه أهل السنة». إلا أن هذا الأثر كذلك مع وقفه على ابن عباس، إلا أن فيه علة. وقد ذكر جماعة من العلماء المحققين أن مداره على مجاشع بن عمرو، وهو راوي قد تكلم عليه العلماء، فقد ضعفه الإمام البخاري رحمه الله، وحكم عليه بالنكارة والجهالة، وهكذا أبو حاتم، وهكذا ابن معين، فضعف هذا الراوي. إلا أن أكثر العلماء يروون هذا الأثر عن ابن عباس محتجين به، مستشهدين به، مصححين لإسناده، فلعل هناك شواهد لهذا الأثر أسعفتهم للاحتجاج والاستشهاد بهذا الأثر. وذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرًا ما يستشهد به، وهكذا ابن القيم، وجماعة من العلماء، ومن علماء التوحيد، ومن علماء التفسير، يروون هذا الأثر عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أن ابن عباس فسر قول الله جل في علاه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ قال: «تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف». فعلى هذا، إخواني في الله، نذكر بعض الفوائد المستفادة من هذا الأثر المروي عن ابن عباس. ومن فوائد هذه الفوائد أولاها: ما أورده المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الأثر في هذا الباب، وهو وجوه الشاهد منه: كيف أن الله عز وجل ذم أهل البدع، وذلك لما اقترفوه، وما الذي فعلوه؟ أنهم خرجوا عن السنة، خرجوا عن السنة، إذن هم لم يستمسكوا بالدين كله، لأن الذي أخل بالسنة هو في الحقيقة أخل بشيء من أمر الدين. ومر معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب يؤصل لنا هذا الأصل العظيم: على أن المسلم يجب عليه أن يأخذ بالدين كله، من أوله إلى آخره، ومن ذلكم لزوم السنة. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى: كيف أن الله ذم المبتدعة لأنهم لم ينقادوا ولم يستسلموا ولم يخضعوا للدين كله، بدليل أنهم تركوا السنة. أما الفائدة الثانية من فوائد هذا الأثر: أن السنة تقابل البدعة، أن السنة تقابل البدعة. وقد أشار العلماء رحمهم الله تعالى، ونقل عن بعضهم أنهم قالوا: ثلاثة أمور، من لم يدخل فيها سيقع لابد في ضدها. ثلاثة أمور، من لم يقع فيها سيقع لابد في ضدها. فمن لم يدخل في التوحيد دخل في ضده، وهو الشرك، ومن لم يدخل في الطاعة سيدخل في ضدها، وهي المعصية، ومن لم يدخل في السنة سيدخل في ضدها، وهي البدعة. إذا فالسنة يقابلها البدعة، فإن لم تدخل في السنة وقعت يا عبد الله في البدعة، فتحر السنة. أما الفائدة الثالثة مما يستفاد كذلك من هذا الأثر: فيه أن السنة تدعو للاجتماع والائتلاف. ولهذا قال ابن عباس: «يوم تبيض وجوه» قال: «تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف»، جمع بين الوصفين. ولما ذكر أهل البدع قال: «وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف»، وصفهم بوصفين اثنين. وهذا قد دلت عليه الأدلة الكثيرة: على أن السنة هي من أعظم ما تأتي بالاجتماع. ومن هنا سمى أهل السنة أنفسهم بأهل السنة والجماعة، بوصفين اثنين، لأن في كل أحدهما عن الآخر. فالسنة تدعو للاجتماع، والاجتماع يتضمن التمسك بالسنة. والبدعة بالمقابل تدعو للفرقة والاختلاف. ومن هنا، إخواني، فلا تجد أن من تمسك بالسنة - بغض النظر عن زمانه، بغض النظر عن مكانه - تجدهم دائمًا يتفقون على المنهج الذي يسيرون عليه، منهجهم واحد، عقيدتهم واحدة. بخلاف المبتدعة، فهم مختلفون، ويتحالفون فيما بينهم، لربما هذه الفرقة هي هي التي كانت بالأمس تغير من منظومتها وتغير من أفكارها، فلا زالت الأفكار تطرح عليها، يغير ويبدل، يغير ويبدل هو في نفسها في جماعة واحدة، ناهيك عما يكون فيما بينهم من الاختلاف، بل ربما وقعت بينهم حروب طاحنة، كما حصل قديمًا وحديثًا بين المبتدعة. لأن البدعة تؤدي إلى الفرقة والاختلاف، وهذه من باب العقوبة. كذلك من فوائد هذا الأثر، وهو الفائدة الرابعة: أن نعلم أن مصطلح «أهل السنة» من المصطلحات القديمة. ابن عباس ماذا قال في هذه الآية؟ لما فسرها قال: «تبيض وجوه أهل السنة»، فذكر مصطلح «أهل السنة». وهذا المروي عن من؟ عن ابن عباس، وهو متى؟ في الصدر الأول. إذا نجد أن مصطلح ولقب «أهل السنة» ليست من الألقاب المبتكرة في القرون المتأخرة كما يزعم البعض، بل كان هذا مما قد عرف عنهم قديمًا أنهم كانوا يسمون بهذا الاسم، فهي ليست بدعة من الأقوال. وعلى هذا سار العلماء جيلًا بعد جيل، ساروا على ما سار عليه السلف الصالح. أما الفائدة الخامسة كذلك في هذا الأثر: فيه ذم الصحابة للبدع ولأهلها. فابن عباس الصحابي الجليل، وهو ترجمان القرآن، بماذا حكم على البدعة؟ بماذا حكم على أهلها؟ حكم عليها بسواد الوجوه، قال: «وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف». هذا يخرج على ماذا؟ على المدح؟ لا، على الذم. فهو يذمهم ويعيب عليهم ما اقترفوه من بدعة. وبهذا نعلم أن هذا هو الموقف الصحيح الذي وقفه الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنهم وقفوا ضد البدعة بالتحذير منها، بالتنفير عنها، وكذلك بالتبرء من أصحابها. وهذا الأثر بين أيدينا دلالة على موقف الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فلا يأتي آت في هذه الأزمان المتأخرة ويأخذ يلبس على الناس أن الصحابة كانوا ممن يقيمون البدع حاشا، بل هم يذمون البدع ويذمون أهلها. كذلك من فوائد هذا الأثر، وهي الفائدة السادسة: فيه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ هي نزلت أصالة في الكفار، في الكفار والمشركين. إلا أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنزلها في المبتدعة من أهل الإسلام. وهل أراد ابن عباس رضي الله تعالى عنه التكفير للمبتدع؟ الجواب: لا، ما أراد التكفير، وإنما أراد أنه يشبه المبتدع بالكفار، إذ أنهم تشابها بالفعل والعمل. فإن الكفار يفترقون في دينهم، قال: وهكذا المبتدعة مفترقون في دينهم. وهذا الأمر يعرفه العلماء: أن الآيات قد تنزل في الكفار، ولا بأس أن يخاطب بها أهل الإسلام إذا كان في ذلك نظر تشابه. يؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول الله جل وعلا ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، هذه الآية إن نزلت ونظرت وقرأت في كتب التفاسير تجد أنها تتكلم عن كافر من الكفار ممن يجادل في البعث. فماذا فعل نبينا؟ قام وتلا وأطلقها لبعض أصحابه، رماها لبعض أصحابه: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا»، خاطب بها بعض أصحابه. وهل أراد نبينا أن يكفر هذا الصحابي؟ لا، ما أراد هذا؟ بالإجماع، بالإجماع. لكن أراد النبي أن هذا الصحابي رأى منه النبي شيئًا من الجدل في سرعة الرد، فمثل نبينا حاله بحال أولئك، فقط للتشبيه. وهكذا فعل ابن عباس رضي الله تعالى عنه: هذه الآية، وإن كانت في الكفار «يوم تسود وجوه وتسود وجوه» جعلها في المبتدعة، لوجود الشبه، لأنهم قد افترقوا في دينهم كما افترق المبتدعة. ولهذا سار العلماء على هذا الفهم الذي سار عليه ابن عباس، فقد ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى عن ابن وهب أنه قال: سمعت مالكًا - الإمام مالك رحمه الله - سمعت مالكًا يقول: «ما من آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من هذه الآية»، ثم قرأ قول الله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾. إذا مالكًا أنزلها على المبتدعة، تأسيًا بابن عباس، فهذا مسلك لا غبار عليه. كذلك الفائدة السابعة من فوائد هذا الأثر: فيه فضيلة التمسك بالسنة. فمن تمسك بالسنة فله فضل عظيم في الدنيا، من الرفعة والعزة والنصر والظفر. كذلك له فضيلة في الآخرة، وذلك أن الله يبيض وجهه، لأن الآية تتكلم عن يوم القيامة، يوم أي يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، حينها يتميز أهل السنة بهذه الميزة الذي ميزهم الله بها، وهو البياض. وأما المبتدع فله الخزي والعار في الدنيا والآخرة، في الدنيا المذلة والمهانة، وجعل الصغار على من خالف أمري كما قال عليه الصلاة والسلام، هذا في الدنيا. وفي الآخرة كذلك يكون له السواد والمهانة. ومما يذكر كذلك من فوائد هذا الأثر، وهي الفائدة الثامنة: فيه أن هذا البياض والسواد هو بياض حقيقي وسواد حقيقي، فتغير البشرة. لأن بعض المفسرين جنحوا إلى التوسع في هذا المقام، وذكروا أن هذا البياض والسواد ليس على حقيقته، وإنما هو ضرب من المجاز. فقالوا بأن البياض كناية عن الفرح والسرور «يوم تبيض وجوه» أي تفرح القلوب، وأن السواد هنا كناية عن الهم والغم «وتسود وجوه» أي تصيبها من الهم والغم. فعلام هذا التأويل والخروج عن حقيقة اللفظ؟ هل هذا صعب على ربنا جل وعلا أن يغير الوجوه سبحانه؟ فنبقى على ظاهر الآية: بأن البياض بياض حقيقي، وأن السواد سواد حقيقي. أما الفائدة التاسعة كذلك من فوائد هذا الأثر: فيه أن حقيقة البياض الذي يعطاه العبد يوم القيامة إنما يكون مصدره إلى ما كان في قلبه وما كان من عمله، ما كان ما قام في قلبه وفي عمله من الإسلام، من السنة، من العمل الصالح، هذا الذي به ينبعث النور. ولو كان المسلم أسود، أسود، فإن الله سيجعل وجهه أبيض نورًا، يجعل وجهه أبيض، من أين إشعاع هذا النور؟ لما كان مما في قلبه من الإيمان، وفي عمله من الإسلام، ومن تمسكه بالسنة. وهكذا المبتدع والمخالف والمشرك والكافر الذي تسود وجوههم، من أين جاء هذا الانبعاث؟ إنما انبعاث هذا السواد إنما كان مما وقر في قلوبهم من الكفر والشرك، وبما كان من أفعالهم من المروق والخروج عن الجادة، وما كان من ابتداعهم. فكان هذا هو السبب في تغير وجوههم، ولو كان هذا الكافر أبيض ناصع البياض، لكن الله يجعله أسود، لانعكاس أعماله على وجهه. فإن العبد كلما خلص العمل لله، كلما خلص العمل لله جل وعلا، فإن هذا سيؤثر على بدنه وعلى وجهه وجماله. أما الفائدة العاشرة والأخيرة في هذا الأثر: كذلك مما يستفاد فيه الحرص على العناية بتفسير السلف. فهنا الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الآية مع تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو ترجمان القرآن. وهكذا يكون الرجل إذا أراد أن يفهم كتاب الله جل وعلا، فيعود إلى تفسير السلف، فإن القرآن يفسر بالقرآن، وإن القرآن يفسر بالسنة، وإن القرآن يفسر بتفسير السلف، إذ أنهم ممن أعلم الناس باللغة العربية وبالكتاب المنزل وبلغته، وأنهم ممن عاصروا التنزيل، وهم ممن حازوا على العلم والفهم بشهادة ربهم وبشهادة نبيهم. فلهذا كان التمسك بأقوالهم وتفسيرهم أولى من غيرهم. فهذه فوائد عشر، إخواني في الله، مما يذكر في هذا الأثر المروي عن ابن عباس. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.