شرح رسالة فضل الإسلام 42

شرح رسالة فضل الإسلام 42

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من التفرق في الدين

يناقش المقطع الأول وجوب التمسك بالدين كله وتحذير من التفرق، ويستدل بالآية الكريمة على أهمية الدخول في الإسلام كاملاً. يبين المقطع الثالث التحذير الإلهي من التفرق في الدين وأهمية الاعتصام بحبل الله.

أسباب التفرق بين الأمم

يتناول المقطع الثاني أسباب التفرق بين الأمم، حيث يعود التفرق إلى فساد النية والجهل، ويشير إلى أن الله جمع هذين الأمرين في قوله: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا﴾.

أثر العصمة في دين الله على الوحدة

يناقش المقطع الرابع أثر العصمة في دين الله على تحقيق الوحدة الشاملة تحت حكم الله وكتابه وسنة نبيه، ويتمنى المتحدث أن ينفع الله بهذا الكلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في بيان وجوب الدخول والتمسك بالدين كله، كما مر معنا آنفًا. فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا الأدلة على هذا التضويب في وجوب الدخول في الإسلام كله، وها هو رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الآية: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾. وقد جاء عن بعض السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، وعن غير واحد أنهم قالوا: هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى، أي في أهل الكتاب، فهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا. ومن أهل العلم من يرى أن الآية تبقى على عمومها، كما ذكر ذلك الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث قال في تفسيره: "والظاهر أن هذه الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق". وهذا الذي نريده إخواني في الله، أن الشرع الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وسلم هو شرع واحد، فما ينبغي أن نختلف فيه وأن نفترق فيه. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر هذه الآية، أنه لا يجوز لنا أن نفترق في دين الله سبحانه وتعالى، وأن يكون حالنا كحال من كان قبلنا. فقد كان من أمرهم كما حكى ذلك ربنا عنهم: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، فكان أهل الكتاب يؤمنون ببعض ما جاء من الأحكام في كتبهم، بالمقابل يكفرون ويجحدون أحكامًا أخرى وهي في نفس الكتاب. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى أن لا يصل من الحال إلى هذا الحال. إذن، فمما يستفاد من هذه الآية إخواني في الله عدة مسائل. أولاها: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾، فيه أنه يجب على كل مسلم إذا دخل في الإسلام أن يستمسك وأن يستسلم للشرع كله، فلا يؤمن ببعض الأحكام دون بعض، هذا لا يجوز. وقد ابتلينا في هذه الأزمان بطوائف من الناس لربما يقبل بشيء من الدين، فلربما يؤمن بالماديات والظواهر، أما في البواطن وأمور الغيب فهو في تردد عن الإيمان بها. أو من الناس من يقول: نعم، بعض أحكام الشريعة هي تابعة للشرع، لكن بعضها ينبغي أن يرجع إلى العقل، فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. وهكذا قس إخواني في الله ما مضى معنا من مسائل عدة في ذكر طوائف من الناس هم على هذا الباب، يؤمنون ببعض الشرائع ويأخذون ببعضها. وهؤلاء قد توعدهم ربنا سبحانه وتعالى في نفس الآية بقوله: ﴿لست منهم في شيء﴾. فإن التفرق في تلكم الأديان تارة يكون تفرقًا في معبوداتهم، إن كان حديثنا عن الوثنية وعن الجاهلية وعن أهل عباد الأصنام من المشركين، فكانوا يختلفون متفرقين في معبوداتهم. وإن كان حديثنا عن التفرق في الذي حصل بين أهل الكتاب، فنجد أن تفرقهم قد وقع في تعاملهم فيما بينهم، مع أنهم على الصحيح كلهم على ملة واحدة، كلهم على دين واحد، لكن وقع فيهم التفرق بعد ذلك. فأصبح كل منهم يؤمن بشريعته، بالمقابل يكفر بشريعة الآخر، كما قال سبحانه: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾. كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، من الذين لا يعلمون؟ أهل الشرك. فاليهود يقول عن النصراني: أنت لست على شيء، والنصراني بالمقابل يقول عن اليهودي: أنت لست على شيء. وهكذا الذي لا يعلم، وهم أهل الشرك، هم لا يعلمون لأن الله ما أنزل عليهم كتابًا، فهم ليسوا من أهل دين سماوي، فهم جهل، ولهذا سمي ما كانوا عليه بالجاهلية، فهم أهل جاهلية، وهم كذلك على هذا المنوال من تضليل غيرهم. فكان أهل الكفر إخواني في الله على تفرق عظيم في دينهم. وقد ذكر العلماء فائدة عظيمة تذكر في هذا الباب، وهو أن ما حصل من التفرق ومن الاختلاف بين الفرق والملل والأديان والنحل، قس على ذلك ما وقع في أمتنا من انقسام الناس إلى فرق وملل وأحزاب، أن ذلك يعود إلى أمرين اثنين، يعود إلى فساد النية، وإما إلى الجهل. فإذا كانت النية فاسدة، إما بسبب بغي أو حسد أو تنافس أو إرادة العلو في الأرض، يقع هذا بين الناس بين من كان قد مضى وبين من لا يزال يبقى. وإذا كانت النية سليمة، لكن هناك جهل بحقيقة ما تنازع فيه، أو جهل بالدليل، أو جهل بالدلالة، أو جهل حتى بالمدلول، فهذا كله يعود إلى الجهل. فكان من أعظم أسباب التفرق التي حصلت في الأمم السابقة، والذي يحصل في هذه الأمة، يعود إلى أمرين اثنين، كما ذكرهم العلماء، ألا وهما الجهل والظلم. وقد جمعها الله في قوله: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا﴾، الظلم والجهل، وهما أصل كل شر وقع في هذه الأمة وفي الأمم السابقة. ومن ذلك ما وقع من التناحر والاختلاف، وهذا الذي أدى من كان قبل إلى أن يفرقوا دينهم، إما أن يعود إلى ظلم، وهو فساد النية، أو يعود إلى الجهل. وفائدة ثالثة كذلك من هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر لنا أحوال من كان قبلنا أنهم تفرقوا في دينهم، ما كان المراد من ذلك أن لا نقع في الذي وقعوا به. إذن، وجب علينا أن لا نفترق، وما هو ضد الافتراق؟ الاعتصام. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، فالمسلم والمؤمن أمر أن يعتصم بدين الله. وقد فسر حبل الله في هذه الآية كما جاء عن بعض السلف، أن فسر الحبل هنا بدينه وشرائعه، واعتصموا بحبل الله، أي واعتصموا بدينه وشرائعه. فكل الدين نحن مأمورون أن نتمسك به إخواني في الله، فلا نفرق شيئًا دون شيء. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمر دينكم". فالشاهد أن الله أمر بعد التوحيد الاعتصام بدينه، والمقصود بالدين بكل ما جاء به نبينا الأمين عليه الصلاة وأفضل التسليم، صلاة ربي وسلامه عليه. والفائدة الرابعة من هذه الآية إخواني في الله، في قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾، فيه بيان إلى مسألة قد مرت معنا في دروس خلت، وتتعلق أيضًا بمسألة الافتراق. وأن الافتراق إخواني في الله يكون تارة في الأديان وتارة يكون في الأبدان، يكون التفرق في الدين وتارة يكون التفرق في الأبدان. وإن بينهم تلازمًا، فإذا وجد التفرق في الدين فإنه سيؤدي بالضرورة إلى التفرق في الأبدان. خذها قاعدة: إذا حصل أن الناس تفرقوا في دينهم، تفرقوا كما قلنا، بعضهم يؤمن ببعض الكتاب وآخر يكفر ببعضه، بعضهم يأخذ شيئًا من الأحكام الشرعية وبالمقابل لا يتمسك بالأمور العقائدية. أو كبعض الفرق الضالة ممن تأخذ شيئًا من دين الله، كالوعيدية أو كالقدرية، تؤمن بباب وتكفر بباب. وهكذا قس باقي التفرقات، هذه التفرقات لما دبت في أمتنا، ما الذي كان مردودها؟ مردودها أن ما وجدنا من هذه الحالة من المهانة والذل والهوان من شدة التفرق بين المسلمين. فتفرق الأديان يؤدي بالضرورة إلى تفرق الأبدان. ولعل هذه الآية التي بين أيدينا تؤيد هذا المعنى، إذ أن ربنا سبحانه وتعالى قال أولًا: ﴿إن الذين فرقوا دينهم﴾، أين بدأ التفرق؟ في الدين، ما الذي حصل بعده؟ ﴿وكانوا شيعًا﴾، شيعًا، فسرت عند العلماء بالطوائف والملل والنحل. إذن، لما وقع التفرق في الدين حصل ظهور هذه الظاهرة، وهي من باب العقوبة، من باب العقوبة أن عاقبهم الله أن تفرقوا في دينهم، فكان التفرق في أبدانهم. فإذا أرادت المجتمعات وأرادت الجماعات وأراد أهل الإصلاح أن يصلحوا في مجتمعات المسلمين، فعليهم أن يبدأوا بالاعتصام بالدين. إن تمت العصمة في دين الله جل وعلا، حينها أبشر يا عبد الله بالوحدة الذي ستنشمل كل أحد، إذ أن الجميع سيخضع لدين الله، لكتاب ربنا ولسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.