الدرس في التعليق على أصول في التفسير 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الضمير هو ما يدل على متكلم أو مخاطب أو غائب ويستخدم للاختصار وتجنب تكرار الأسماء. يُستخدم الضمير الدال على الحضور بدون مرجع بينما يحتاج الضمير الدال على الغائب إلى مرجع.
يناقش كيفية عودة الضمير على مرجعه في اللغة العربية ويقدم أمثلة قرآنية لتوضيح القواعد النحوية. يعود الضمير على أقرب مذكور أو على المضاف في كثير من الأحيان.
الإظهار في موضع الإضمار يكون لأغراض بلاغية مثل توضيح المعنى أو بيان علة الحكم أو عموم الحكم. يفيد الإظهار في موضع الإضمار عدة فوائد مثل الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر.
يشرح سبب اختيار الإظهار بدل الإضمار في آية معينة لتجنب الإبهام والتوهم. استخدام الضمير قد يسبب إشكالا في الفهم في بعض السياقات.
بسم الله الرحمن الرحيم صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وعلى من بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الضمير لأن القرآن قد جمع ضمائر كثيرة، وتجد أن كثيرا من الآيات فيها ضمائر؛ لهذا اهتم العلماء بمسألة الضمير في القرآن وفي السنة كذلك، لأن لها أهمية من ناحية الاستدلال، وأيضا المدلول والفقه، فقه الآية وتفسيرها. لهذا ذكروا مسألة الضمير هذه، وغالب هذا البحث بحث نحو، أنه بحث في اللغة. قال: الضمير لغة من الضمور، وهو الهزال لقلة حروفه، أو من الإضمار، وهو الإخفاء لكثرة استتاره. وقيل: هذا وهذا، والظاهر الثاني. معنى الذي يذكره أكثر أنه من الإضمار. وفي الاصطلاح: ما كني به عن الظاهر اختصارا. وقيل: ما دل على حضور أو غيبة لا من مادتهما. ما كني به عن الظاهر اختصارا. بدلا من أن يقول: يذكر الإسم، أو يذكر أسماء، يذكر الضمير. يذكر الضمير مثلا «هم» اختصارا لذكر هذه الأسماء أو الجماعة؛ فلهذا يكن به عن الظاهر اختصارا. وأيضا لكثرة ذكر الإسم وتكراره، فيذكر الضمير. والضمير غالبا يكون أقوى حتى من الإسم أحيانا، ومن الشيء الذي يذكر. وكما ذكرنا قبلا أن النبي صلى الله عليه وسلم العرابي هو إمام من أئمة السنة واللغة. قيل له: إن الجهمية يقولون في قول الله عز وجل ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ ينصبون نعت الجلالة فيه، يقول: وكلم الله موسى تكليما؛ حتى يكون من الذي يكلم، تكلم هو من موسى. قال لهم: فكيف يفعلون في قول الله عز وجل ﴿ولما جاء موسى ميقاتنا وكلمه ربه﴾ كلمه ربه، ونجع بالضمير الذي لا يستطيع أن يحرفه، كلمه ربه. فصار هنا الضمير أصرح في المعنى، لا يستطيعون أن يحرفه. قال: فالدال على الحضور نوعان. أو قال: وقيل: ما دل على حضور أو غيبة لا من مادتهما. معنا: يدل على الحضور بهذا المعنى، معنى الحضور بدون ذكر الأسماء التي أو الأشياء التي تبين الحضور، فذكر الضمير يدل عليه. وأيضا ما دل على الغيبة، على إما حضور حاضر الذي يتكلم، إما المتكلم أو من يخاطب، وإما يكون غائبا. قال: أحدهما: ما وضع للمتكلم، مثل قوله جل وعلا ﴿وأفوض أمري إلى الله﴾. الثاني: ما وضع للمخاطب، مثل قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾. قال: وهذا لا يحتاجان إلى مرجع، اتفاء بدلالة الحضور عنه. والدال على الغائب: وما وضع للغائب، ولابد لهم من مرجع يعود عليه. قال: الأصل في المرجع أن يكون سابقا على الضمير لفظا ورتبة، وطابقا له لفظا ومعنى، مثل ﴿ونادى نوح ربه﴾. يعني الضمير هنا يرجع إلى ماذا؟ معنى الضمير راجع إلى نوح، هو الذي نادى. معنى يقول: ليش أن الآن الضمير الذي في الغائب لابد أن يرجع إلى شيء يعود إليه، إلى شيء في الكلام في نفس الجملة، بخلاف الضمير الذي يعود على الحضور أو الدال على الحضور، فإنه لا يحتاج إلى شيء يرجع إليه. قالوا: قد يكون مفهوما من مادة الفعل السابق، مثل ﴿عدلوه﴾ هو أقرب للتقوى مما تقدم من قبل. قالوا: قد يسبق لفظا لا رتبة، مثل ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه﴾. وقد يسبق رتبة لا لفظا، مثل ﴿حمل كتابه﴾. قد يسبق لفظا لا رتبة. معنا: أنه هو السابق، الضمير وإذا ابتلى إبراهيم ربه، عصر الكلام: إذا ابتلى الله إبراهيم. لكن جاء هنا بالضمير لعجل التصريح. وكذلك جعل اللفظ وهو إبراهيم سابق، لكن الرتبة لا شك أن الله عز وجل أعظم. لكن من ناحية قدمه لأجل أن يختمه بالضمير، قدمه لأجل أن يختمه بالضمير الذي يكون فيه صريحا. قال: قد يكون مفهوما من السياق، مثل ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾. أن الضمير له هنا تابع للميت، عرف بالسياق، لم يذكره لكن عرف بالسياق. فالضمير يعود على الميت المفهوم من قوله ﴿مما ترك﴾. قال: وقد لا يطابق الضمير معنا، مثل ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة﴾. فالضمير يعود على الإنسان باعتبار اللفظ؛ لأن المجعول نطفة ليس الإنسان الأول. فلقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة، جعلنا من جنس الإنسان، ليس آدم؛ لأن آدم خلقه من طين وليس من نطفة. قال: وإذا كان المرجع صالحا للمفرد والجمع، جاز عود الضمير عليه بأحدهما، مثل ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. قال: ﴿قد أحسن الله له رزقا﴾. معنى: الآن أعاد الضمير قد أحسن الله له، أي لمن يؤمن بالله ويعمل صالحا، وهذا ليس هو واحد، وإنما هو جمع. فهذا الضمير للجمع والمفرد معا. قال: الأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت، مثل ﴿علمه شديد القوة ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾. فضمائر الرفع في هذه لا تعود إلى شديد القوة، وهو جبريل. معنى: إذا كانت الضمائر متكافرة وهي في نفس السياق، فهي متحدة معنى، تدل على أو ترجع إلى أمر واحد. قال: لا يعود الضمير على أقرب مذكور إلا في المتضايفين أو المتضايفين، فيعود على المضاف. وهذا هو قول أكثر أهل اللغة: أن الضمير يعود على أقرب مذكور، إلا إن وجد في السياق ما يدل على أنه أراد الجميع، أنه أراد الجميع، فيكون الضمير عائدا للجميع. وإلا الأصل أن الضمير يكون لأقرب مذكور. قال: مثال الأول: عودة الضمير على أقرب مذكور، ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل﴾. أي شيء الذي جعله؟ جعل الكتاب؛ لأنه أقرب مذكور. ومثال الثاني: ﴿وإن تعد نعمة الله لا تحصوها﴾. معنى: أنه أعاده إلى المضاف. قال: وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق، بدليل يدل عليه. قال: الإظهار في موضع الإضمار. الإظهار في موضع الإضمار: هذه قاعدة عند النحويين أنها جاءت في اللغة ولها معاني أو لها فوائد كثيرة في لغة العرب. ومن أعظمها أنها تبين المعنى وتختصر اللفظ، أن اللفظ يكون مختصرا والمعنى يكون أبين وأوضح. ويدخل فيه هذا معنى كأنه مثل جوامع الكلم، معنى: أنه بدلا من أن يأتي بكلام كثير، يأتي بكلام قصير يدل على المعنى. قال: الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير؛ لأنه أبين للمعنى وأخصر للفظ. ولهذا ناب الضمير بقوله: ﴿أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ عن عشرين كلمة؛ أن أعد الله لهم، لهم هنا هي الضمير «هم»، فعن عشرين كلمة؛ لأن المعنى بدأ أن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات أعد الله لهم، هذا «هم» شملت كل العشرين، هذا معنى في كلمة واحدة. قال: وربما يؤتى مكان الضمير بالاسم الظاهر، وهو ما يسمى الإظهار في موضع الإضمار. فالأصل أنه يأتي بالضمير، لكن أحيانا لا يبين المعنى أكثر إلا إذا أتى بالاسم الظاهر، معنى: مكان الضمير. وهذا يسمى الإظهار في موضع الإضمار. قالوا: له فوائد كثيرة تظهر بحسب السياق. منها: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر. معنى: ما الذي يقتضيه الاسم الظاهر؟ يؤتى بالاسم الظاهر لعجل معرفة ما يقتضيه. الثاني: بيان علة الحكم. هنا أيضا من الفوائد في الإظهار في موضع الإضمار لعجل معرفة علة الحكم. وسيدكر المؤلف أمثلة لذلك. الثالث: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر. وهذا يستفاد منها في الوصول، أنا يستدل به في الوصول لعجل أخذ المسائل من الحكم أو من الآيات. الثالث: عموم الحكم لكل متصف من يقتضيه الاسم الظاهر. مثال ذلك قوله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾. فلم يقل هنا: فإن الله عدو له. فأفاد هذا الإظهار عدة فوائد. أولا: الحكم بالكفر على من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال. والثانية: أن الله عدو لهم بكفرهم. والثالث: أن كل كافر فالله عدو له. أنا لو كان مثلا قال: فإن الله عدو له، أفادت فائدة واحدة. لكن الآن أفادتنا أكثر من فائدة، وعرفنا أن هذا الذي يعادي الملائكة هو كافر، فتبينت علة الحكم هنا. قال: مثال آخر قوله جل وعلا: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾. قال: ولم يقل: إن لا نضيع أجرهم. لكن قال: إن لا نضيع أجر مصلحين. فأفادت ثلاثة أمور: الحكم بالإصلاح للذين يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة، أي من أراد أن يكون من أهل الصلاة فليتمسك بكتاب الله وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقيم الصلاة. الفائدة الثانية: أن الله يجزيهم لإصلاحهم. الفائدة الثالثة: أن كل مصلح فله أجر غير مضيع عند الله، إن الله لا يضيع أجر المصلحين، أي من تمسك بالكتاب وأقام الصلاة لأجل أيضا أن يصلح الناس، يعني يدعو إلى الله جل وعلا بهذه الأمور. قالوا: قد يتعين للإظهار كما لو تقدم الضمير مرجعان يصلح عوده إلى كل منهما، والمراد أحدهما، مثل: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم. يعني لو قالوا: بطانتهم، فممكن أن يشكل: هل بطانتهم أي بطانة المسلمين أو بطانة ولاة الأمور؟ وإن كان الأقرب هو عادة الضمير إلى أقرب مذكور، لكن هنا لأجل الإشكال والإبهام التوهم، فذكر بطانة ولاة أمورهم. قال: وإذ لو قيل: بطانتهم، لأوهم أن يكون مراد بطانة المسلمين. فهذا الإظهار في موضع الإضمار ترك هذا الدرس إلى الغد.