الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع مفهوم عدم توفيق الله للمبتدع للتوبة، ويبين صعوبة توبة المبتدع خاصة الزعماء والرؤساء الذين يقودون البدع. يُبين أن الأتباع يمكنهم التوبة بسهولة إذا اقتنعوا بالأدلة.
يجب على المبتدع أن يقلع عن بدعته ويندم عليها ويعمل بالسنة، وأن يبين فساد ما كان عليه من البدعة للناس حتى تصح توبته. التوبة الصحيحة تتطلب العمل بالسنة وتحقيقها في كل حياته.
التوبة مفتوحة للجميع بشرط توافر الشروط التي وضعها العلماء. يُطلب من الله أن ينفعنا بما قيل ويُصلى على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة. ثم قال: هذا مروي من حديث أنس، ومن مراسيل الحسن، وقد شرحنا هذا في درس أمس ما يتعلق بصحة الأثر، وما يتعلق بمعناه، وما يتعلق بعلاقته بالباب. ثم قال رحمه الله: وقد ذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأيًا فتركه، فأتيت محمد بن سيرين فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا يتحول، إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه. قال: وسئل أحمد بن حنبل عن معنى ذلك، قال: لا يوفقون للتوبة. الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لما بوّب هذا الباب بقوله: باب ما جاء في أن الله احتجز التوبة على صاحب البدعة، ذكر لنا هذه الآثار التي توضح المعنى العام للمقصد لهذا الأثر والحديث المروي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فذكر لنا عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن هذا الحديث فقال: لا يوفقون للتوبة. وقد ذكرنا أن هذا الذي عليه العلماء من شراح الحديث، وأن معنى أن الله جل وعلا احتجز أو احتجب أو حجب التوبة عن المبتدع، بمعنى أنه لا يوفق إليها، وليس معنى أنه ما هناك توبة للمبتدع، لا، هذا ليس بصحيح. وقد غلط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من قال بهذا القول، ولهذا قال رحمه الله في مجموع الفتاوى: قال: ومن قال بأنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا فقد غلط غلطًا منكرًا. أي: هذا غلط قد مر معنا إلى أن باب التوبة مفتوح للمبتدع ولغيره إذا تابوا وأنابوا إلى الله سبحانه وتعالى. وأما أثر ابن سيرين والذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، وفيه كيف أن أيوب رحمه الله جاء يبشر محمد بن سيرين بقوله: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه؟ مبتدع كان على رأي، كان على بدعة على هوى، فإذا به ترك بدعته، فاستبشر أيوب رحمه الله تعالى بترك هذا المبتدع لبدعته. فذهب إلى محمد بن سيرين يخبره بخبره: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه؟ فقال ابن سيرين: انظر إلى ماذا يتحول، لا تستعجل عليه، لا تستبشر بهذا الاستبشار، انتظر، انظر إلى ماذا يتحول. قال: إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه. وهذا من ابن سيرين رحمه الله تعالى يعقين معنى من معالم كيف أن المبتدع لا يوفق للتوبة، فمن صور عدم التوفيق للتوبة أنه يتخبط يتخبط من بدعة إلى بدعة، من بدعة إلى بدعة، فلا يزال الأمر كذلك حتى يتوفاه الله على هذه الخاتمة السيئة، على هذه البدعة. هذا من عدم التوفيق للمبتدع للتوبة، وقد سلك المسيرين على فهم هذا بهذا الحديث المروع عن رسول الله، عندما ذكر نبينا الخوارج وهم من رؤوس المبتدع ومن أهل الأهواء، قال عليه الصلاة والسلام: إنهم يخرجون من الإسلام، يمرقون من الدين. هل هذا فقط؟ لا، ثم قال نبينا: ثم لا يعودون إليه، هنا الإشكال، هذه الداهية، هذه البلية التي يبتلى بها المبتدع، أنه إن خرج عن الجادة فإنه بالكاد أن يرجع، بالكاد أن يرجع، ثم لا يعودون إليه، ثم لا يعودون إليه. وبهذا استدل بن سيرين على أن هذا المبتدع الذي جاء خبره بأنه قد خرج عن البدعة، قال: لا تستعجب، بمعنى أنه سيخرج من بدعة وسيقع في بدعة أخرى، وسيتخبط، وسيتخبط. وفي هذه الإشارة إلى أن المبتدع لا يوفق للتوبة. وعلى هذا الفهم لهذه المسألة جاء عن سلفنا الصالح الكثير من الآثار التي تحمل هذا المعنى، فقد نقل عن عمر السيباني رحمه الله تعالى أنه قال: كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة، ومن تقل صاحب بدعة إلا إلى أشر منها. هذا كما قلنا من عدم توفيق الله للمبتدع، أنه ينتقل من بدعة إلى بدعة شر وأشد، فلا يوفق للتوبة، يضيع في هذه المتاهات. وجاء كذلك عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: إثنان لا تعاتبهما: صاحب طمع، وصاحب هوى، فإنهما لا ينزعان. أي: هذا لا تشتغل بمعاتبتهما، للحالة التي وصل إليهما، لا تذهب نفسك عليهم حسارات، لأنه ما ستغير شيئًا من طبيعتهما، ذكر من؟ ذكر صاحب طمع، وركن إلى الدنيا، فلا زال يأكل ويجري ويلهث خلفها، والآخر صاحب هوى. فإنهما لا ينزعان، لن يخرج من بدعته، تكاد تيأس منه، تكاد تيأس منه، ولهذا قل أن يتوب مبتدع. وجاء كذلك عن عبد الله بن القاسم رحمه الله تعالى أنه قال: ما كان عبد على هوى وتركه إلا إلى ما هو شر منه. فهذه الآثار إخواني في الله كلها جاءت على فهم هذا الحديث: ثم لا يعودون إليه. ومنه حينها تتعلم هذه اللفظة الذي جاءت بها صريح السنة أن الله حجب التوبة عن المبتدع، وذلك لأنه لا يوفق إليها، ليس أن الله سبحانه وتعالى ابتداءً حجب عنه التوبة، لا، باب التوبة مفتوح، لكن الذي أوصل المبتدع إليه نفسه أنه سيتخبط ولا بد يتخبط. ومن أعظم ما يجعله يتخبط أن البدع إخواني في الله ما هي البدع؟ هي هوى، هي هوى، شاء أصحابه أم لم يشاءوا، هي هوى في أنفسهم. ومن هنا جرى في عرف السلف على تسمية أهل البدع بأهل الأهواء، لأن المبتدع هو في الحقيقة هوى في نفسه، استحسن رأيًا، استحسن أمرًا، ثم بعد ذلك أحبه، ثم جعله في صدره، ثم مشى عليه، هوى يسير عليه. طيب هذا الهوى هل له معيار؟ لا، ليس له معيار، لأنه يعود إلى استحسانك، لا يعود إلى الشرع، لأن لو كان هناك شرع لما دخلت في هذه البدعة، لكن أنت تسير على هوى، فأنت رأيت هذا الهوى فأخذت به، وهو في الحقيقة بدعة. ثم إذ بك وجدته هوى آخر، فماذا ستفعل؟ ستترك الهوى الأول وتنتقل إلى الهوى الثاني، ثم مشيت، ثم رأيت هوى أعظم من الهوى الأول، فإذا بنفسك تؤذن إلى هذا الهوى الجديد، فماذا ستفعل؟ ستجري خلفًا، أهل الأهواء ما هناك شرع يردعه أصلًا. كحال أهل السنة هناك شرع يردعه، ما يستطيع أن يزيل ولو أن هواه ومشتهى مال إلى أمر ما زجرها، لا، هذا ليس من الدين، ليس من الدين. فلما كان هكذا المبتدع يسير خلف هوى، من أين ستأتيه التوبة؟ ولهذا قل من يتوب. وبالمقابل إخواني في الله، فنحن نقول: فإن باب التوبة مفتوح، وأن الله يتوب لكل من تاب، ولزال الناس من أهل البدع والأهواء يتوبون إلى الله قديمًا وحديثًا. انظر يا عبد الله إلى تاريخ الإسلام عندما خرجت الخوارج، فذهب إليهم ابن عباس حبر الأمة رضي الله تعالى عنهم، فناقشهم وجادلهم بالموعظة وبالتي هي أحسن، فأقنع الكثير حتى رجع معه بالآلاف. رجع معه بالآلاف، قيل: رجع ألفان، وقيل: أربعة آلاف، المهم رجعوا كثير، آلاف رجعت مع ابن عباس. فالمبتدع هو عرضة لتوبة الله عليه إن تابه، إن تابه، فالتوبة متمكنة ويمكن أن تقع من أهل البدع. لكن انتبه لأمر الباب، التوبة مفتوح للمبتدع، لكن بالمقابل سمعت من الأدلة ما تدل على أن التوبة تصعب عليهم، فكيف الجمع؟ الجمع في هذا الباب أن تعلم أن التوبة تصعب على الكبار، بمعنى الزعماء، بالأخص الرؤساء، من كان رأسًا في البدعة مستميتًا فيها داعيًا إليها، هؤلاء صعب، صعب جدًا أن يرجعوا إلى السنة، بخلاف الأتباع، بخلاف الهمج الرعاء. فهؤلاء يتوبون، يتوبون بكثرة، متى أحب أن يسمع الأدلة وأراد أن يقتنع بها، فإن الله يشرح صدره للسنة والإسلام، فيدخل إلى حضيرة السنة ويكون من أهلها، هذا في الأتباع كثير، لله الحمد، قديمًا وحديثًا. لكن على من تصعب التوبة؟ الكبار، الزعماء، الرؤساء، القادة الذي يقودون البدع، ما من جماعة إلا ولها رأس. لهذا انظر، انظر يا عبد الله إلى تاريخ الأمة، من من الكبار من زعماء الفرق الضالة رجع؟ لا تكاد تجد أحد، لا تكاد تجد أحد، الرأس يبقى رأسًا إلى أن يموت، وهو رأس في الضلالة، داعي إلى البدع في الدنيا، وداعي إلى النار في الآخرة، دعاة على أبواب جهنم. هذا في حق الكبراء، قال علماء: نعم، رجع بعض الرؤوس، لكنهم قليل جدًا، كما يذكر عن أبي حامد الغزالي رحمه الله: كان نعم رأس في الكلام في التصوف، إلا أن الله تغمده برحمته في آخر عمره. وذكر جماعة على أنه رجع، أبو الحسن الأشعري كان من الرؤوس في هذا الباب، إلا أن الله جل وعلا شرح صدره للسنة، فكان من أهل السنة. فهؤلاء يمكن أنك تعدد، لكن أشخاص ما تستطيع أن تكثر من أمثالهم، قليل جدًا. وبهذا تعلم خطورة يا عبد الله أن تكون رأسًا في الضلالة. وعلى هذا الصف تُحمل هذه الآثار بأنه أن المبتدع ينتقل من بدعة إلى بدعة شر وأشد، فهذا في حق الرؤوس يتخبط، أو أن الله حجب التوبة عن أمثال هؤلاء، أي: لا يوفق لها، لأنه استبسل وقاتل ونافح وناضل من أجلها، فاستحكمت فيه، فقل أن يرجع من أمثال هؤلاء. ومع ذلك فأمثال هؤلاء التوبة لا تزال متاحة لهم، لكن ذكر العلماء أن المبتدع إذا أراد أن يعود ويترك البدعة عليه أن يتقيد بشروط، وهي من صميم توبته. وأنتم تعلمون إخواني في الله أن الله سبحانه وتعالى عندما دعا عباده إلى التوبة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، هناك قيود ينبغي أن ينضبط بها التائب. من ذلك أن يقلع عن ذنبه، وأن يندم عليه، هذه شروط عامة لابد لكل عاصي ولكل فاسق أن يتمثل ويمتثل لهذه القيود. لكن في حق المبتدع هناك أمور إضافية بيّنها العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم. ومن أعظم ما ينبغي أن يكون من صميم توبة المبتدع أنه يقوم بتعظيم السنة، وذلك بالعمل بها، بتحقيقها والعمل بها عملًا وعلمًا واعتقادًا ومنهجًا وسلوكًا، هذا الذي ينبغي عليه. ينبغي عليه كما أنه في الماضي عندما كان في البدعة وكان نشطًا فيها وكان يتعبد الله بها، وقد أشغلت حاله وحياته ودخلت إلى صميم قلبه واستمسكت على روحه وصدره. إذا أراد أن يبعدها عليه أن يشتغل بالسنة كما يقول عنها، بتحقيق السنة علمًا وعملًا واعتقادًا في كل أحواله. ولهذا قال ربنا جل وعلا في حق التائب: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، فمن شروط توبة المبتدع أن يعمل عملًا صالحًا، وما هناك عمل صالح كمثل عمله بالسنة. يربي نفسه على السنة كما رباها بالأمس على البدعة، فهذا من صميم توبته ومن حسن توبته، بل هذا أدعى أن يستمر، لأنه للأسف نعم وجدنا ناس كانوا على البدعة ثم رجعوا، لكن الرجوع ما كان كليًا، ما كان كليًا، وإنما كان رجع في بعض الأمور، فترك العمل بالسنة في بعض الأمور، فكانت هذه رواسب نسميها العلماء بالشوائب موجودة فيه. فهذه تعمل به الأعمال، تعمل به الأعمال، فيكون دخوله إلى السنة ناقص لوجود هذه الشوائب الذي وجدت، إلى أنه ما تحول كلية من البدعة إلى السنة. فإذا أراد المبتدع أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة النصوح عليه أن يجاهد نفسه على أن يعمل بالسنة وأن يحققها في كل حياته، حتى يتخلص من هذا المرض الذي قد دب ودخل فيه. هذا الشرط الأول، الشرط الثاني هو الذي يطالب به المبتدع أن يتبين فساد ما كان عليه، يبين فساد ما كان عليه هو بالأمس، لما كان رأسًا في البدعة وكان داعيًا أثر على غيره، لربما كلم هذا أقنع ذاك، لربما خطب، لربما حاضر، لربما كتب، لربما ألف، لربما ناظر، لربما أثر على غيره، والله أعلم بالأشخاص الذين أثر عليهم من قرابته، من أرحامه، من زملائه، من طلابه، أثر. فإذا أراد أن يتوب، هل يأتي ويقول: أنا خلاص توبت إلى الله، ثم يأخذ بركن من أركان المسجد، يقول: أنا ما علي بالخلق، لا، كيف؟ ما عليك أنت السبب في إضلالهم، أنت السبب في إضلالهم، واجب عليك أن تبين، ليس عليك التأثير، التأثير من الله جل وعلا، بيّن فساد ما كنت عليه، أخبر الناس، أخبر الناس بأني كنت على ضلالة، وكنت أسير في هواء، ثم أبان الله لي الحق، وعلمت السنة، وأن السنة كذا وكذا، بين للناس. وقد أشار إلى هذا العلماء، قد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا هذا الشرط الذي ينبغي أن يتوفر في المبتدع، قال رحمه الله تعالى: حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة، إذ التوبة من الذنب هي بفعل ضده. ثم سدل رحمه الله تعالى على هذا الشرط، وأن المبتدع عليه أن يبين ما كان عليه، سدل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾. فهؤلاء الذين كتموا الحق، صنف من الناس، كتم الحق، فإذا أراد أن يتوب، ما الذي يفعل؟ يعمل بالضد، وهو أن يبين الحق، كتم في معصية، إذا الحق يبينه، يعمل بالضد. وأيهم أعظم: المبتدع أم الكاتم للحق؟ المبتدع أعظم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الآية بعدما أوردها: وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم، ذنب الكاتم، أي: الذي كتم الحق. قال: أن ذاك كتم الحق، وهذا أي: المبتدع كتمه ودعا إلى خلافه، ودعا إلى خلافه، بمعنى: إذا كان الذي يكتم الحق وجب عليه أن يبين الحق الذي أخفاه حتى تصح توبته، فما ظنك بالمبتدع؟ هو أعظم، لماذا أعظم؟ لأن المبتدع علم الحق فأخفاه، وفعل خلافه، فإن أمره في البيان أعظم وأشد. فإذا أراد أن يتوب فعليه أن يبين ما خفي، وما كان عليه من فساد، حتى تبرأ ذمته ويتوب إلى الله جل وعلا متابًا. فالحاصل إخواني في الله أن في هذه الآثار التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، في باب أن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة، فيه بيان على أن من صور عدم توفيق المبتدع أنه يتخبط ببدعته. وأنه إن تاب، فالتوبة مفتوحة للجميع، سواء من كان رأسًا أو من كان ذيلًا، أو من كان تابعًا أو كان متبوعًا، لكن بالشروط التي وضعها العلماء. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.