الدرس في كتاب الصلاة 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
قصة وليدة سوداء أعتقت واتهمت بسرقة وشاح، لكن الله برأها بإختطاف طائر الحدأة للوشاح، فأسلمت وتحدثت مع عائشة في المسجد. هذا يدل على فضل الله في تبرئتها وإسلامها.
استدل الإمام ابن حجر على جواز السكن في المسجد بحديث، بشرط عدم التضييق على أهل المسجد وأمن الفتنة. هذا الجواز يشمل النوم والجلوس.
نهى النبي عن البصاق في المسجد لأنه يعتبر إثم، وأمر بدفن البصاق لتجنب أذية المسلمين. هذا الفعل يلوث المسجد ويؤذي المصلين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب المساجد: قال وعنها، أي عائشة رضي الله عنها، أن وليدة السوداء كان لها خباء في المسجد، فكانت تأتيني فتحدث عندي. الحديث متفق عليه. هذا الحديث فيه أن عائشة رضي الله عنها، والحديث بطوله في البخاري، أن وليدة السوداء، يعني أمة كانت لحي من العرب، فاعتقوها فكانت معهم. فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر، والوشاح يعني نسيج من جلد ظاهر مرصع بالجواهر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحها. فقالت عليها وشاح أحمر من سيور، يعني من جلد. قالت فوضعته أو وقع منها، فمرت حدأة، يعني طائر الحدأة، وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته. فقالت فلتمسوه، فلم يجدوه. تمسوه يعني بحثوا عنه فلم يجدوه، فاتهموني به، فجعلوا يفتشوني حتى فتشوا قبولها. قالت والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدأة فألقته، يعني ألقته بينهم. قالت فوقع بينهم، فقلت هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم يعني أني أخذته. قالت أنا بريئة منه وها هو ذا. قالت فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت. قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، فكانت تأتيني فتحدث عندي، يعني تتكلم معها. قالت فلا تجلس إلا قالت يوم الوشاح، من تعجيب ربنا ألا إنه من دارة الكفر نجاني، تقصد بذلك هذه القصة، قصة هذا الوشاح التي أخذته الحدأة واتهموها به، فبرأها الله سبحانه وتعالى من ذلك، فكان ذلك سببًا في إسلامها. ألا إنه من دارة الكفر نجاني، يعني أن هذا الوشاح كان سببًا في دخول الإسلام وتركي الكفر. قالت عائشة: فقلت لها ما شأنك لا تقعدين إلا قلت هذا، يعني ذكرت هذا البيت. قالت فحدثتني بهذا الحديث. فهذا الحديث أراد الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله أن يستدل به على جواز النوم في المسجد، والجلوس فيه، والسكن فيه. كان الإنسان ما عنده سكن، كان يكون فقيرًا معدما، كحال أولئك أهل الصفة الفقراء الذين كانوا يأتون إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فيسكنون في المسجد. وهكذا أيضًا كطلبة العلم، مثلا الذين يأتون إلى المسجد لطلب العلم، ليس لهم مسكن يؤوون إليه، فإنه يجوز لهم أن يسكنوا في المسجد. وهكذا أيضًا كذلك يجوز سكن المرأة في المسجد، وأن تضرب لها الخيمة، أو كذلك أيضًا للرجل، إذا كان ليس في ذلك تضييق على أهل المسجد، فلا بأس في ذلك. وهكذا المرأة، فإنه يجوز لها السكن في المسجد إذا أمنت الفتنة. أما إذا لم تؤمن الفتنة، فإنه لا يجوز في مثل هذه الأزمان، الفتنة حاصلة وواقعة، ولا تؤمن، فلا يجوز أن تأتي امرأة وتضع لها خباء وتسكن في المسجد، لأن الفتنة واقعة وحاصلة. قال رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، متفق عليه. البصاق في المسجد خطيئة، مر معنى أن البصاق والبزاق، وكذلك البصاق بالسين، كلها بمعنى واحد، وهو ماء الفم إذا خرج منه. يسمى بصاق وبزاق وبساق، بالصاد وبالزاي وبالسين. وإذا كان باقيًا في الفم، فهو الريق. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البصاق في المسجد خطيئة»، يعني كون الإنسان يبصق في المسجد، هذا يعتبر خطيئة، ومعنى خطيئة، يعني إثم وسيئة. وكفارتها، كفارة هذه الخطيئة وهذه السيئة، دفنها، أي دفن هذا البصاق. ومثله النخامة، وهي أشد من البصاق، كفارتها دفنها. فهذا الحديث يدل على تحريم البصاق في المسجد، وذلك أن المساجد أمر الشرع بتطهيرها وتنظيفها وتطييبها، وإزالة الأذى منها والأوساخ. والبصاق والنخامة، وإن كانت طاهرة، لكنها شيء مستقذر، يحصل منه التلويث والتأذي، فلأجل ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن فعل مثل ذلك في المسجد. «البصاق في المسجد خطيئة»، يعني ذنب وسيئة، لا يجوز للإنسان أن يبصق أو يتنخم في المسجد. إن احتاج إلى ذلك، فيستعمل المنديل أو طرف العمامة أو طرف الثوب أو نحو ذلك، فلا بأس. يضعه في الثوب ويدلكه، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين أرشد إلى ذلك، كما في صحيح الإمام مسلم. وإذا لم يكن عنده شيء، يعني ما عنده طرف ثوب مثلا يستطيع أن يبصق فيه أو يتنخم فيه، ولا عنده منديل أو شيء، والمسجد مفروش بالحصى أو بالرمل، فإنه حينئذ يبصق عن يساره، يبصق تحت قدمه ثم يدفنها، يدفن هذا البصاق، لا يجعله ظاهرا، لماذا؟ حتى لا يتأذى أحد من المسلمين. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه»، رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة. وأذية المسلم كما تعلمون محرمة. المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. ووضع النخامة والبصاق في المسجد، هذا مما يتأذى منه المسلم، ربما يأتي يمشي ويطأ هذه النخامة بقدمه، أو يجلس وما يدر إلا ولصقت في ثوبه، هذا فيه أذية. فخلاصة هذا الحديث أنه لا يجوز للمسلم أن يبصق أو يتنخم في المسجد، لأن ذلك سبب لتلويثه، وأيضًا سبب لأذية المسلمين الذين يصلون فيه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.