الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الدرس بشرح حديث المسيء في صلاته للنبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أهمية هذا الحديث في تعلم صفة الصلاة الصحيحة. يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الرجل كيفية الصلاة بشكل صحيح.
يشرح المقطع أركان الصلاة وكيفيتها، بدءًا من تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، ثم الركوع وكيفيته. يشير إلى أن تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة ركنان من أركان الصلاة.
يشرح الحديث كيفية أداء الركوع والسجود في الصلاة، مبينًا أهمية الطمأنينة في الأركان وذكر الأحكام المتعلقة بوضع اليدين والرأس أثناء الركوع والسجود.
يختتم الدرس بالإشارة إلى مسائل متعلقة بالحديث سيتم تناولها لاحقًا، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر، رحمه الله، في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري، وابن ماجة بإسناد مسلم: «حتى تطمئن قائمًا». هذا الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته، وفيه أن رجلًا دخل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تصلي»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: «والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني». فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام صفة الصلاة بقوله: «إذا قمت إلى الصلاة» إلى آخره. فهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في هذا الباب، في باب صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. والمسلم يجب أن يتحرى في هذا الباب كيف يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يؤدي هذه العبادة العظيمة على أكمل وجهها وعلى أتم أحوالها. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد أمر مالك بن الحويرث أن نصلي كما صلى عليه الصلاة والسلام. والصحابة رضوان الله عليهم قد نقلوا لنا صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، فوصل إلينا كيفية صلاته من قوله عليه الصلاة والسلام، ومن فعله. كذلك فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، في حديث سهل بن سعد الساعدي في الصحيح: قام عليه وركع وهو عليه، وسجد على أصله، ثم قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». فهكذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته هذه العبادة العظيمة التي هي من أوجب الواجبات وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وهو يعتبر أصلًا في هذا الباب، وكل ما فيه من الواجبات والفرائض، وما لم يذكر فيه، إن دل الدليل على أنه واجب من أركان الصلاة، عمل به وأخذ به. وإن لم يدل دليل على وجوبه، فإنه يكون مستحبًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا علمه إذا قام إلى الصلاة أن يسبغ الوضوء، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء». إسباغ الوضوء يعني إتمامه وإكماله، بأن يعطي كل عضو حقه من الغسل. قال: «ثم استقبل القبلة». إذا قمت للصلاة فتوجه إلى القبلة، إن كان يرى عين القبلة، كمن كان في الحرم ويرى الكعبة، يتوجه إلى الكعبة. ومن لا يرى الكعبة، يتوجه إلى جهتها. واستقبال القبلة في الصلاة شرط من شروطها، لا تصح الصلاة إلا بها، إلا لمن كان معذورًا، كمريض أو من كان في حال الخوف والقتال، أو إذا كان يصلي نافلة على الراحلة، فهنا لا يلزم استقبال القبلة. قال: «فكبر». يتوجه إلى جهة القبلة، ثم يكبر بقوله: «الله أكبر». وهذا ركن من أركان الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام التي لا تصح الصلاة إلا بها. لا تصح الصلاة إلا بها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». فلا يدخل المسلم في الصلاة إلا بهذا اللفظ: «الله أكبر». ولا يجزئ غيره من ألفاظ التعظيم. لو قال: «الله أجل» أو «الله أعظم»، لا يصح، لا تصح صلاته في قول جمهور أهل العلم، خلافًا للحنفية. وصح قول الجمهور لأمره عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، ولفعله، فلم يثبت عنه أنه دخل الصلاة بغير لفظ التكبير. ويتنبه المكبر إذا كبر ألا يرفع أو يمد همزة «الله» فيقول: «آه الله أكبر». فهنا تصير للمعنى الاستفهام: «آه الله أكبر»، كأنك تسأل، تستفهم: هل الله أكبر أو هناك من هو أكبر منه؟ هنا لا يصح، فلا تمد همزة «الله»، وهكذا أيضًا «أكبر» لا تمد الباء: «الله أكبببر»، بمعنى تطيل: «أكبر»، هذا خطأ يتنبه له المسلم، سواء كان في الصلاة عند دخوله في الصلاة، أو عند الأذان، المؤذن لما يؤذن ينتبه لمن مثل هذه الأخطاء. قال: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». ثم قرأ ما تيسر معك من القرآن، ما المراد بما تيسر معك من القرآن؟ جمهور أهل العلم على أن المراد به الفاتحة، المراد به الفاتحة، لأن قراءة الفاتحة في الصلاة ركن من أركان الصلاة، كما سيأتي في الأحاديث، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وقد جاء في رواية عند أبي داود في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «فاقرأ بأم الكتاب»، وما شئت. أقرأ بأم الكتاب أو بأم القرآن، يعني الفاتحة. والصحيح أنه يجب قراءة الفاتحة في الصلاة، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا: له أن يقرأ ما شاء، حتى لو كان يحفظ الفاتحة، لا يلزمه أن يقرأ بها، بل له أن يقرأ بما شاء من القرآن. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. واستدلوا بهذه الرواية: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن». وأجيب عن الاستدلال بالآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أن المراد به في صلاة الليل، يقرأ الإنسان ما يتيسر له من القرآن، قل ذلك أو كثر. وأما الحديث: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، بينته الروايات الأخرى أن المراد به الفاتحة. فإن كان لا يحسن الفاتحة، كما سيأتي، لم يحفظها لكبر سنة، مثلًا، أسلم متأخرًا، والفاتحة ثقيلة عليه، ما استطاع أن يحفظها، يقرأ ما يعني يذكر الله، يسبح ويهلل ويكبر. قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا». يعني بعد أن يقرأ الفاتحة وما يتيسر من القرآن بعد الفاتحة، يركع، يكبر للركوع، ويركع حتى يطمئن راكعًا، يعني ينحني حتى تصل راحة يديه إلى ركبتيه. تصل راحة يديه إلى ركبتيه للرجل المعتدل، يعني لا عبر بالطويل الذي قد تصل يديه إلى ركبتيه وما زال مرتفعًا، ولا بالقصير الذي لا تصل يديه إلا بالحنو الشديد، بل للرجل المعتدل أن تصل يديه إلى ركبتيه معتدلًا، فيكون هذا هو حد الركوع. والمستحب أن يكون جسمه مستقيما حال الركوع، لا يكون منخفضًا شيء جدًا، ولا مرتفعًا عن بقية الجسد، بل يكون مستويًا، يكون مستويًا في حال ركوعه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا». والإطمئنان في الركوع، وفي سائر الأركان، هو أيضًا ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، لابد أن يطمئن. ما هو حد هذا الإطمئنان؟ من أهل العلم من قال: هو السكون في هذا الفعل الذي انتقل إليه، أو الركن الذي انتقل إليه، فيسكن فيه، بحيث ترجع كل عظم إلى موضعه. ومن أهل العلم من قال: هو بقدر ذكر الذكر الواجب، أن يسكن ويستقر بقدر ذكر أن يذكر الذكر الواجب، يعني مثلًا في الركوع بقدر أن يقول: «سبحان ربي العظيم». وهكذا في الرفع من الركوع: «ربنا ولك الحمد»، في السجود: «سبحان ربي الأعلى»، استقراره في هذا الركن بقدر هذا الذكر الواجب، هذا هو الطمأنينة، هذا هو حد الطمأنينة التي تصح به الصلاة، وهو الأصح. إذن يطمئن بأن يأتي بالذكر الواجب في هذا الركن، وحينئذ يكون قد اطمئن فيه. قال: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا». المستحب في الركوع كذلك أن يكون الرأس مستويًا مع الظهر، يكون الرأس والظهر سواء، لا يرفع رأسه ولا يخفضه عن ظهره، بل يكون مستويًا. ويمكن يديه من ركبتيه كالقابض عليهما، مفرجة الأصابع، تكون الأصابع مفرقة، ويقبض على ركبتيه، ويبعد مرفقيه عن جنبيه في حال الركوع. قال: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا». يعني يرفع من الركوع حتى يعتدل قائمًا، فيرجع كل عظم إلى محله، ويأتي بالذكر الواجب الذي هو أقله: «ربنا لك الحمد». قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا». ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، يسجد على أعضاء السجود السبعة: الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأطراف القدمين، هذه أعضاء السجود السبعة كلها، لابد أن تصل إلى الأرض، ثم يطمئن في سجوده بأن يستقر في السجود قدر: «سبحان ربي الأعلى». ويجعل أصابعه مضمومة إلى جهة القبلة، وتكون حذو منكبيه أو أذنيه، ويرفع ذراعيه من الأرض، يرفع ذراعيه من الأرض، ويجافي بمرفقيه عن جنبيه، هذا إذا كان يعني يصلي وحده، كإمام أو منفرد. أما إذا كان مأمومًا، فلا يجافي أو يبالغ في المجافاة فيؤذي من بجانبه. قال: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». يعني بين السجدتين، يرفع من السجود فيطمئن جالسًا قدر قوله: «رب اغفر لي». قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». يعني في سائر ركعات الصلاة، يقرأ الفاتحة، وهذا دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، خلافًا لمن قال: يقرأها في الركعة الأولى فقط. والصحيح أنها تقرأ في كل ركعة، أن الفاتحة تقرأ في كل ركعة من ركعات الصلاة. وهكذا يفعل القيام والركوع والاطمئنان فيه، والرفع من الركوع، والسجود، والجلسة بين السجدتين، فإنه يفعل ذلك في سائر صلاته. ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث التشهد، وهكذا أيضًا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم. قال بعض أهل العلم: هذه الأمور كانت معلومة عنده، فلم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. قال في رواية: «حتى تطمئن قائمًا»، يعني بدل قوله: «حتى تعتدل قائمًا»، قال: «حتى تطمئن قائمًا». وهناك أيضًا مسائل متعلقة بهذا الحديث نذكرها إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.