التعليق على الجواب الكافي 88

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات المعاصي وتأثيرها على النعم

المعاصي تزيل النعم وتجلب النقم، وتؤثر على حياة الإنسان وتسبب له الحرمان من النعم. الإنسان يجب أن يتقي المعاصي ليحافظ على النعم.

تحويل النعم إلى نقم بسبب سوء الاستخدام

النعم قد تتحول إلى نقم إذا لم تستخدم في طاعة الله، وطاعة الله تجلب المزيد من النعم وتجعلها باقية. يجب استغلال النعم في الخير.

دوام النعم بشكر الله وطاعته

النعم تدوم بطاعة الله وشكره، وزوالها يكون بسبب المعاصي وعدم الشكر. الإنسان يجب أن يشكر الله ويطيعه ليحافظ على النعم.

  • 11 جمادى الأولى 1442هـ - 25/12/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، إن شاء الله نقرأ في كتاب الداء والدواء للإمام ابن القيم رحمه الله. قال: «فصل: ومن عقوبات المعاصي أنها تزيل النعم». نقول: لابن القيم رحمه الله: إن من عقوبات المعاصي أنها تزيل النعم. وقد مر مثل هذا: أنها تجلب النقم، وزوال النعمة عقوبة عظيمة. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوذ من زوال النعمة، كما جاء في صحيح مسلم أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك». فزوال النعمة عقوبة من الله أن تكون عندك نعمة، والله عز وجل عليك بنعمة، ثم يمسكها عنك ويزيلها منك وتتحول إلى نقمة. هذا المال، هذا المال نعمة من نعم الله عز وجل، لكن أحيانا تكون هذه النعمة أو هذا المال نقمة على صاحبه، بل على صاحبه، تجد أنه لما كان فقيرا كان على الخير وعلى الجادة وعلى الطاعة، فلما جاءه المال انقلب، فصار هذا المال نقمة عليه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث عمر بن عوف، وكذلك في صحيح مسلم، لما قال له هذا الصحابي: يا رسول الله، أيأتي الخير بالشر؟ قال: «لا، لا يأتي الخير بالشر، لكن إذا البهيمة أكلت فإنها إذا أكلت تذريا وأكلت حطبا». معناه: أنت إذا أكثرت من شيء، إما أن يدخل أو يلوث أو يمرض، إما أن يأكلها معنى شبعة كثيرة، وإما أن يمرضها. إلا آكلة الخضر، إلا آكلة الخضر، أكلت الخضر التي تعلف الأخضر، الحشيش الأخضر. قال: «إلا آكلة الخضر، فإنها إذا أكلت انتفخت خاصة بطنها، فثقلت». وبالك على أن إذا أكلت الخضر ما تتحرك حتى ولو كان كثيرا، لأنها تخرج متى ما أرادت. وأيضا الخضر هذا يكون بولا يخرج مع البول. لكن الطعام الآخر الذي تأكله البهيمة، فإن أكلت كثيرا صارت فيها تخمة، والتخمة غالبا إما أن تقتلها، التخمة معناها الشبع الكثير، إما أن تقتلها وإما أن تمرضها. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين، ثم قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث يبين هذا: «وإن المال خلق خضر»، يعني مثل الحشيش على المثل الصراحة، وأيضا خضر نحو أنه مثل الخضرة يرتاح به الإنسان. فقال عليه الصلاة والسلام: «وإن المال خلق خضر، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن لم يأخذه بحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع». فخلاصة هذا الحديث أنه بين النبي عليه الصلاة والسلام أن النعمة تجلب النعمة، لكن إذا استخدمت في غير ما أرادها الله فإنها تجلب الشر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام مما قال له هذا الصحابي: وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: «لا، العكس، لأن الخير يأتي بالخير، لكن إذا استخدم هذا الخير في غير ما أراد الله وفي غير ما غرضه، فلا شك أنه يولد الشر». فهذا المال أول خضر، فمن أخذه بحقه، أن أخذه بما يرضي الله عز وجل، فبورك له فيه، صار خيرا له. وقد أيضا يصرف الله جل وعلا أشياء كثيرة بسبب إنفاقه من هذا المال وتصدقه به. لكن إذا أخذ هذا المال من حلال وحرام، وأيضا أخذه ووضعه في الحلال وحرام، فإنه غالبا يهلك. فلهذا فزوال النعمة عظيم، فقد تكون كما قلنا نعمة، لكن تتحول هذه النعمة إلى نقمة. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما استعاذ منه: «فجأة نقمتك»، أي أن تتحول هذه النعمة إلى نقمة. قال: «ومن عقوباتها أن تزيل النعمة الحاضرة وتقطع النعمة الواصلة». هذا أيضا شيء عظيم، عن النعمة التي تأتي تقطع، والنعمة الحاضرة أيضا تزول، تذهب هذه النعمة، فما يكون الشخص إلا في النقم، تحول عليه نقم. قال: «لو تقطع النعمة تزيل الحاصل وتمنع الواصل». فإن نعم الله ما تستجلب بمثل طاعته، كما قال الله عز وجل: «ولئن شكرتم لأزيدنكم». فحفظ هذه النعمة بطاعة الله تحفظ، إذا وضعت في موضعها الذي أراده الله. فإذا وضعت في موضعها الذي أراده الله، فإنه تزداد هذه النعمة، تتخرج هذه النعمة العظيمة. وإلا ما فائدة مثلا يكون الرجل عنده مال، وهذا المال لم يبارك له فيه، استخدمه في غير طاعة الله، هذا يولف أن يزيد هلاكا. قد يتمتع به في هذه الحياة، يتمتع بهذا المال في هذه الحياة في الحرام وغيره، لكن هذه المتعة متعة الدنيا، متعة الدنيا، كما قال الله عز وجل: «قل متاع الدنيا قليل». قال: «ولسوف تستجلب مفروضها بمثل طاعته». أيضا حتى النعمة المفروضة تستجلب بطاعة الله جل وعلا، فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعة. ومصداق هذا ما جاء في حديث جابر عند أحمد والترمذي، عن جابر قال: النبي عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس نفث في روحي أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها». فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بمعصية الله. فإن ما عند الله لا ينال بمعصية الله، العلم لا ينال بمعصية، بالكذب وبالزور، كذلك أيضا الخير الذي عند الله لا ينال بمعصية الله. وإن جاءك شيء من هذا فهو نقمة عليك، أنت ما تنتفع به. ولهذا فليس كل شيء أصله نعمة يكون نعمة للعبد. مثلا الولد نعمة من نعم الله، والزوجة نعمة من نعم الله، لكن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. فأخبر أن هل عدو معناه يحاربونهم؟ لا، وإنما يصرفونهم عن الخير. معناه يصرفك ولدك عن الخير. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الولد مبخلة مجبنة»، الولد مبخلة مجبنة، ليس مبخلة مجبنة معناه يجعلك في مواضع تجبن بسبب ولدك، في مواضع تبخل له. مثلا تريد أن تتصدق، تذكر ولدك كيف معناه عندي والإستطاعة. ولدي أم، ومع أنه معه وغيرها من هذه الإستطاعة. بل هناك من الناس من صده أولاده عن الخير وعن القربة. ومن الناس العكس، فلهذا كان كما قال ربنا جل وعلا في سورة الكهف: ﴿فَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. فأردنا أن يبدل لهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. فلهذا فالولد أصل أنه نعمة، لكن أحيانا يكون نعمة على صاحبه، على أبيه وعلى أمه. وكذلك إنه الزوجة تكون أحيانا نعمة على زوجها، تزوج امرأة فتجد بعدما كان من أهل الطاعة يكون من أهل المعاصي، يكون من أهل الدنيا، تشاغل عن الصلاة، يغفل عن أمور كثيرة، يكون عاقا لوالدته بعد أن كان بارا بها. هذا يخسره كثيرا، فهذا أيضا نعمة، لكنها لم يستخدمها صحيح، فتحولت عليه. فليس كل النعم تكون نعمة بذاتها، وإنما لو كانت معناه يكون أصلها نعمة، لكن قد يحولها الله عز وجل عليه على الشخص نقمة. فلهذا فإن النعم لا تدوم على دوام نعمتها إلا بطاعة الله، أنه يسلف بها طاعة. فلهذا فهنا أمر لا بد أن يفهم، وهذه كما يسميها بعض العلماء نكتة عظيمة، نكتة في هذا الباب. فوجود النعمة ليس غرض، وجودها، لكن هل يتنعم بها الإنسان؟ هل تنفعه في الدنيا أو لا تنفعه؟ فهذا الغرض. فالنعمة ما تكون إلا إذا نفعه، يكون نعمة، وإما إذا ضره فليس تدوم. وهذا المراد أن الخير لا يهدئ إلا بالخير، إذا كان هذا الخير استحمل على خيره، وكذلك على ما أراده الله. قال رحمه الله تعالى: «وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة»، سببا يجلبها وآفة تبطله. فجعل أسباب نعمة الجالبة لها طاعة، «ولئن شكرتم لأزيدنكم»، فالشكر والطاعة جالبة لها. والموانع من أمورك، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعة الله. فإذا رزق الله حب النعمة على عبده، ألهمه لشكرها بطاعته فيها. وإذا رزق زوالها عنه، خذل وعصى أعصاه بها. بل هناك ما هو شرك، أنه أحيانا يكون الإنسان على طاعة، على عبادة، هذه نعمة، أن الإنسان يوفق بالطاعة، لكن تجد أنه يتكاسل عن هذه الطاعة، يتكاسل عن هذه الطاعة. فهذا وإن كان أصل هذه نعمة، لكن حصلت فيها شيء من الضرب، حصلت فيها شيء من الضرب. فإذا فاتت عليه، فهذا أزيلت هذه النعمة التي معه. بعض الناس مثلا تجده يقوم الليل أو يصوم النهار في فترة من فترات، يقوم لا صيام ولا خيار. وهذا أيضا تجده ليس صحيح أن هذا طاعة أو سنة معنا، لا يأتم عليها الإنسان، لكن حدثت لأجل نقمة ما حصلت لك. وأيضا هذا الأمر هو زوال نعمة. فأعظم النعم أن الإنسان يكون على طاعة الله جل وعلا. قال: «وهم العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماع لما غاب عنه من أخبار من أزيلت النعم عنهم بمحاصيهم». أن الإنسان يسمع هذا، وكم في التاريخ، في القصص، أشياء عجيبة من هذا الباب. وانظر أيضا في سورة الكهف، فيها قصص من هذا الباب، وكذلك أيضا قصص القرآن فيها من هذا الباب، قصص التي جاءت على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «من أزيلت النعم عنهم بمعاصيهم»، بل في المواقع أيضا قال: «وهم مقيمون على معاصيك»، كأنه مستثنى من هذه الجملة أن الإنسان ينظر إلى غيره، لكن ما يعتبر، ما يعتبر. كأن هذا فقط بفلان هو الذي أزيلت عنه النعم وهو باق على معاصيه. كأنه يظن أن هذه النعم ما ستزيل عنه. قال: «هو مخصوص من هذا العموم»، كأن هذا أمر جار على الناس لا عليه، وواصل للخلق لا إليه. فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس موقع هذا؟ فالحكم لله العلم الكبير. فلهذا ينظر المسلم أن ينتمي لمثل هذه المزالق، فإنه لا ينظر فقط إلى أن العقوبة على الخلال لا، بل تكون حتى على النعم، أنت إذا تنعمت في هذه النعم، قد ربنا جل وعلا لأجل شيء يمهلك، شيء من الخير عندك. ومثلا أنت مخلص في بعض الأعمال، أو مثلا تنشق دين الله جل وعلا، قد يؤخر الله عز وجل عنك العقوبة، قد يؤخرها لأجل ما تقوم به في باب آخر. لكن استمرارك على هذه المعصية لا شك أنه سيأتي اليوم الذي تفقد الطاعة وتفقد أيضا النعمة التي أنت عليها. فهذا خلاص ما ذكره: «فمن عقوبات المعاصي أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة».