الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 34، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يجمع الله تعالى في وصف نفسه بين نفي صفات النقص كالتعب والعجز والظلم، وإثبات صفات الكمال. يُفرق بين ما يُنفى مطلقاً كالظلم والعجز، وما يُثبت مقيداً بالجزاء والمقابلة كالمكر والاستهزاء والنسيان.
الله منزه عن الظلم والخيانة وسائر صفات النقص مطلقاً، بينما تُثبت له صفات الكمال إما ذاتية ثابتة أزلياً أو فعلية متعلقة بمشيئته. يُبين الفرق بين ما نُفي عنه مطلقاً وما ثبت على سبيل الجزاء والمقابلة.
يتصف الله بصفات فعلية يفعلها متى شاء بحكمته، وأصلها ثابت له أزلا وأبدا لكونه فعالا لما يريد، مثل صفة الكلام. تُستعرض صفات الكمال كالحيا، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام، والعزة، والحكمة، والمغفرة، والرحمة مع الاستدلال بآيات قرآنية.
الله موصوف بالحياة الكاملة الأبدية التي لا تسبقها عدمية ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوقات المسبوقة بالعدم والمنتهية بالموت. يستشهد بدعاء النبي ﷺ: «فأنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون».
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فنواصل في ذكر القاعدة الأولى التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى في هذه الخاتمة. وهي: قال رحمه الله: «إن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات»، يعني أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص وإثبات صفات الكمال. وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص، كالإعياء واللغوب والعجز والظلم ومماثلة المخلوقين. فالله سبحانه وتعالى نفى عن نفسه صفات النقص، وأثبت لنفسه صفات الكمال، وبهذا يتم الكمال للموصوف حين يثبت له صفات الكمال وينفى عنه صفات النقص. ففي الجمع بين هذين يحصل ويتم ويكمل الكمال. ولذلك جمع الله جل وعلا بين النفي والإثبات في وصفه سبحانه وتعالى. وذكر هنا رحمه الله أن الله جل وعلا نفى عن نفسه صفات النقص كالإعياء، كما قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والعي هو النصب أو الصعوبة والمشقة. فالله جل وعلا لم يعي بخلق السماوات والأرض، بمعنى لم يكرثه ذلك ويشق عليه، وما استصعب عليه ذلك جل وعلا، وذلك لكمال قدرته سبحانه وتعالى. وكذلك اللغوب، وهو النصب والتعب، قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي من نصب ومن تعب. فلا يتوهم أحد أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام لعدم قدرته على خلق السماوات والأرض في أقل من ذلك، لا، ولكن حكمته سبحانه وتعالى اقتضت أن يكون خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وله الحكمة البالغة في ذلك جل وعلا، لأن أفعاله جل وعلا أفعال حكمة. لن يكون خلق السماوات والأرض في ستة أيام لأن ذلك لا يمكن أن يكون بأقل من هذا، لا، الله جل وعلا على كل شيء قدير، لكن لحكمة تليق به جل وعلا وأرادها، جعل خلق السماوات والأرض في ستة أيام. ولذلك لما زعم اليهود كما نقل عنهم أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، رد الله جل وعلا عليهم: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي من نصب ومن تعب. فقوله جل وعلا هنا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ لدفع أي توهم، ربما يتوهم الإنسان شيئا من هذه التوهمات الباطلة: لماذا في ستة أيام؟ لماذا لم يكن في أقل من ذلك؟ فربما يأتي الشيطان فيقول: هذا يدل على عجز أو كذا. فالله جل وعلا قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. يعني: اعلم أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فاعلم أنه سبحانه وتعالى منزه عن النصب والتعب. لذلك لماذا في ستة أيام؟ الجواب: لحكمة. الجواب: لحكمة. جعل ذلك قد تعلم منها شيئا، وقد لا تعلم منها شيئا. وقد استنبط أهل العلم حكمة من ذلك، قالوا: في هذا تعليم الرب جل وعلا على عباده التدرج في الأمور، وأن الأمور يعني يتدرج فيها. هذا من الحكم التي تستنبط، ولا شك أن الحكم أعظم وأعظم من ذلك، وربما لا يستطيع الناس إدراك هذه الحكمة، ويعجز الناس عن إدراكها، لأن من الحكم ما منّ ربنا عز وجل على عباده بفهمها وعقلها، ومنها ربما ما يستطيع الإنسان... ما يستطيع الإنسان أن يعقل الحكمة ويدرك الحكمة من هذا الشيء. وهذا واضح في أمور قضاها وقدرها، وأمور كذلك شرعها سبحانه وتعالى. وتنظر ما الحكمة، فربما لا تصل إلى شيء، لا تصل إلى شيء، لأن أفعال الله جل وعلا أفعال عظمة، وحكمته سبحانه وتعالى عظيمة، لا يمكن للناس حصرها وإحاطة بها، وإن علموا شيئا، وإنما علموا شيئا مما أعلمهم الله جل وعلا به، وفتح الله سبحانه وتعالى به عليهم. وكذلك نفى عن نفسه جل وعلا صفة العجز: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، لماذا؟ لكمال قدرته وقوته سبحانه وتعالى. فنزه نفسه عن العجز جل وعلا. وكذلك الظلم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه، حديث قدسي عند مسلم، قال جل وعلا: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا». فالله جل وعلا نفى عن نفسه صفة الظلم، نفى عن نفسه هذه الصفة، صفة النقص، صفة العيب، وهي الظلم. وهذه من الصفات المنفية مطلقا، وهذه من الصفات المنفية مطلقا عن الله جل وعلا. وكذلك العجز من الصفات المنفية مطلقا عن الله جل وعلا، وكذلك التعب، وكذلك الإعياء. الصفات المنفية عن الله جل وعلا صفات منفية نفيا مطلقا، صفات منفية وهي صفات نقص نفيا مطلقا، كالظلم والتعب والعجز. نعم، وغير ذلك من هذه الصفات. وهناك صفات نقص نعم منفية تنفى عن الله جل وعلا إذا نفيت... إذا نفيت وأثبتت بغير جزاء ومقابلة. فمثل المكر والاستهزاء والسخرية والنسيان، هذه صفات نقص، هذه صفات نقص: السخرية والاستهزاء والنسيان والمكر، هذه صفات نقص. لكن لم تنفَ عن الله جل وعلا مطلقا، ولم تثبت لله جل وعلا مطلقا. لم تثبت مطلقا لله جل وعلا أنهم متصفون بها، ولم تنفَ عن الله جل وعلا مطلقا، بل ثبتت لله جل وعلا بقيد، ثبتت مقيدة، ولم تثبت مطلقة، ثبتت مقيدة. وهكذا لم تنفَ عن الله جل وعلا لأنها أثبتت له سبحانه وتعالى مقيدة. فالمكر: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. نسوا الله فنسيهم. وهكذا قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وهكذا كذلك الصفات الأخرى التي وصف بها جل وعلا، وقابل بها من قابله بها، قابل بها من قابله بها، ومن عامله بها، أو عامل عباده المؤمنين بها، المتقين الذين سخروا من أهل الإيمان، سخر الله جل وعلا منهم، والذين استهزؤوا بأهل الإيمان، استهزأ الله جل وعلا بهم، والذين نسوه جل وعلا، نسيهم سبحانه وتعالى. فهذه الصفات ثبتت لله جل وعلا، لكن لم تثبت مطلقا، وإنما ثبتت على سبيل الجزاء والمقابلة. لكن هناك الصفات نُفيت مطلقا، نُفيت مطلقا، لم تثبت لله جل وعلا أبدا، ولا على سبيل الجزاء والمقابلة، وهي: الظلم والتعب والعجز والضعف، وكذلك النصب. نعم، فهذه الصفات نُفيت عن الله جل وعلا نفيا مطلقا. فلا يجوز لشخص أن يقول: الله يظلم من ظلم، لا يجوز. لكن يجوز أن تقول: الله يمكر بمن مكر، نعم هذا صحيح. الله يستهزئ بمن يستهزئ، الله يسخر بمن يسخر، نعم. وهكذا الله يخدع من يخدعه جل وعلا، أو يخادع عباده. لكن لا تقول: الله يظلم من ظلم. شخص ظلمك وتقول له: الله يظلمك، ما يجوز. لأن الظلم لم يثبت لله جل وعلا أبدا، بل هي صفة نُفيت مطلقا عن الله جل وعلا. إذا خانك شخص يعني من الناس، لا تقول له: خانك الله، يا خايل، خانك الله يا خايل، ما يجوز أن تقول: خانك الله يا خايل. لماذا؟ لأن صفة الخيانة من الصفات المنفية مطلقا عن الله جل وعلا. ولذلك يجب على العبد أن يتنزه، يجب على العبد أن يتنزه منها، لا يخون من خانه، ولا يظلم من ظلمه. لكن يمكر بمن مكر به، ويخدع من خادعه، ويستهزئ بمن استهزأ به، إذا كان في محله. ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾، قال الله جل وعلا في القرآن: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾. لكن لا نظلمكم كما ظلمتمونا، لا. وهكذا نخونكم كما خنتمونا، لا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. وهكذا لا تظلم من ظلمك، من ظلمك لا تظلمه، أن تتعاقب وتتبادله بالظلم، لا، لا تكون ظالما. كما قيل: يا ظالم، لك ظالم. يا ظالم، لك ظالم. طيب. فالشاهد، بارك الله فيكم، أن ما كان من صفة عيب ونقص، نعم، يعني ليس فيه كمال أبدا، فيتنزه عنها المخلوق، يتنزه عنها المخلوق، وربنا عز وجل له المثل الأعلى. فالتنزه عن هذه الصفات، كم ظلمه من العباد، ومع هذا لم يظلمهم سبحانه وتعالى. عاملوه بالظلم، أشركوا به جل وعلا، وهو من أعظم الظلم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فالعباد قابلوا ربهم جل وعلا بالظلم والعياذ بالله، ظلموا ربهم سبحانه وتعالى حين أشركوا به جل وعلا، فصرفوا خالص حقه جل وعلا من العبادة وغيرها لغيره جل وعلا من المخلوقات. أي ظلم أعظم من هذا الظلم؟ أن يؤخذ حقك ويصرف لغيرك. نعم. فالله سبحانه وتعالى... أخذ حقه جل وعلا وصرف لغيره سبحانه وتعالى، ومع هذا ما عاملهم الله جل وعلا بالظلم أبدا، بل حرم الله جل وعلا على نفسه الظلم، وإنما عاقبهم، عاقبهم بما يستحقون، عقوبة يعني لشيء استحقوه، ما ظلمهم الله جل وعلا، وما ظلمهم الله، ولكن أنفسهم كانوا يظلمون. وكذلك كم من الناس من خان الله جل وعلا في عهده، وفي أمانته التي استودعه إياها، التي استودعه إياها. خان الله جل وعلا في الأمانة، قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. فكم من الناس من خان في هذه الأمانة؟ كثير من الناس قد خان هذه الأمانة، وخان الله سبحانه وتعالى، ومع هذا ربنا عز وجل لم يعاملهم بالخيانة، لأن الخيانة صفة نقص، نعم، وصفة عيب، لا كمال فيها أبدا. فنفرق بين الصفات المنفية التي نُفيت عن الله جل وعلا مطلقا، وبين الصفات التي ما ثبتت... التي ثبتت لله جل وعلا على سبيل الجزاء والمقابلة، فلم تثبت لله جل وعلا مطلقا، ولم تنفَ عن الله جل وعلا مطلقا، وإنما نُفيت عن الله جل وعلا إذا لم تكن على سبيل الجزاء والمقابلة. فهذا من كمال رب العالمين جل وعلا. أين الله جل وعلا عامل عباده بالمكر يعني كلهم وجميعا؟ وإنما عامل بمن عامله. وهكذا ما يتعلق بالنسيان، وهكذا ما يتعلق بالاستهزاء، وهكذا ما يتعلق بالخداع: ﴿خَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، خادعون الله وهو خادعهم. قال رحمه الله تعالى. طيب، والظلم ومماثلة المخلوقين، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قال: «وكل ما يثبته الله تعالى لنفسه فهو صفات كمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ﴾، يعني الوصف الأعلى. فله جل وعلا الوصف الأعلى والكمال المطلق من كل الوجوه. قال: «سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلا وأبدا». الصفات الذاتية قد تقدمت معنا، فالواجب إثبات هذه الصفات، صفات الذات، لله جل وعلا، وهي الصفات اللازمة لله جل وعلا، والتي هو متصف بها أزلا وأبدا، متصف بها أزلا وأبدا، كصفة الوجه واليدين، وكذلك غيرها من الصفات: صفة الساق، وصفة الأصابع، وغيرها من الصفات الذاتية التي يعني نقول فيها بالنسبة لنا نحن المخلوقين، التي هي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض منا، التي هي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض منا. لا نقول ذلك في الله عز وجل، لا يجوز هذا. فالله جل وعلا لا يتجزأ ولا يتبعض، هذا باطل. وإنما نقول على التقريب وعلى الفهم، كما يعبر بها للعلم، نقول: هي التي بالنسبة لنا، التي مسمىها بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض منا، حتى يفهم المراد بالصفات الذاتية التي ثبتت لله جل وعلا. والصفات الذاتية سوى كانت معنوية أو خبرية، لأنه قد تقدم معنا أن الصفات الذاتية خبرية، وصفات معنوية. الذاتية الخبرية التي ما علمناها إلا عن طريق الخبر، ولا يمكن أن تدرك إلا عن طريق الخبر، بخلاف الصفات الذاتية المعنوية كالحكمة والعظمة والعزة. نعم، هذه الصفات ذاتية، أي أن الله جل وعلا متصف بها أزلا وأبدا، لكن يمكن هذه أن تدرك، لأنها صفات معاني تدرك بالعقل، لمن نظر في ملكوت الله جل وعلا، رأى ما فيه من عظمته، رأى ما فيه من تدبير الأمور بدقة يدل على حكمته، وهكذا يدل على عزته، يدل على قوته، يدل على قدرته. ومع أن الخبر قد جاء بهذه الصفات، الخبر في كتاب السنة جاء بذكر هذه الصفات، لكن أيضا للعقل مجال في إدراكها بالتأمل والنظر، ولذلك سميت معنوية، لأنها يعني تدرك بالعقل، أي هذه الصفات المعنوية، بخلاف الصفات الذاتية الخبرية. فكل ما ثبت من الصفات لله جل وعلا، سواء كانت الصفات الذاتية الخبرية أو الذاتية المعنوية، تثبت لله جل وعلا كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: «أم من الصفات الفعلية». هكذا أيضا الصفات الفعلية التي ثبتت لله جل وعلا، صفات الفعلية التي يتصف ربنا عز وجل بها متى ما شاء، متى ما شاء، يتصف بها، كصفة النزول، وتتعلق بمشيئته جل وعلا، وكذلك صفة الإتيان، صفة المجيء، صفة الفرح، صفة الغضب، صفة الرضا. هذه الصفات فعلية، أين الله جل وعلا يتصف بها متى ما شاء، متى ما شاء يتصف بها سبحانه وتعالى. لما شاء أن يأتي يوم القيامة، هو يجيء، يتصف بها. قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. هذه الصفة متى؟ يعني أخبر الله جل وعلا أنه يفعلها يوم القيامة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يعني يوم القيامة. وهكذا يأتي ربنا عز وجل يوم القيامة لفصل القضاء. وهكذا ينزل في الثلث الأخير من الليل. صفات فعلية تعلقت بمشيئة الله جل وعلا متى شاء فعلها. هو متصف بها جل وعلا أزلا، كل الصفات الفعلية. ولذلك نبه هنا رحمه الله تعالى بقوله: قال: «أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتا له أزلا وأبدا، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد». نعم، أو: «لم يزل ولا يزال فعالا». نعم. الصفات الفعلية التي اقتضت اتصافه جل وعلا بها، اقتضت حكمته اتصافه بها جل وعلا متى ما شاء. أصل هذه الصفات أزلي وأبدي. أين الله جل وعلا موصوف... موصوف بأوصاف الأفعال، وبصفة فعل هذه الأفعال، لماذا؟ لأنه فعال لما يريد، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. فهو فعال لما يريد جل وعلا، متصف بأنه متى ما شاء أن يفعل شيئا فعله. متصف أزلا وأبدا بأنه متى أراد أن يفعل شيئا فعله. إذا أراد أن ينزل فعل، إذا أراد أن يأتي فعل، إذا أراد أن يجيء فعل، إذا أراد أن يرضى فعل، إذا أراد أن يغضب فعل، إذا أراد... وهكذا. أصل هذه الصفات الفعلية هو متصف بها جل وعلا أزلا وأبدا، لأنه جل وعلا فعال لما يريد. فله سبحانه وتعالى وصف القدرة على ذلك، وهو كذلك سبحانه وتعالى موصوف بفعل أي شيء ما شاء أن يفعل، فهو يعني متصف بذلك متى ما شاء أن يفعل. ولذلك متى ما شاء أن يفعل، يعني هذه الأفعال فعلها متى ما شاء أن يفعل هذه الأفعال فعلها. مثل الكلام كذلك، كلام صفات ذاتية وهي فعلية، صفات ذاتية لأن الله جل وعلا موصوف بصفة الكلام، بل من لازم الإله والرب أن يكون متكلما. ومن صفات... ومن دلائل... براهين عدم استحقاق الألوهية أن يكون الإله والرب يعني غير متكلم، كما قال جل وعلا: ﴿فَلَا يَرْجُونَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، أنه لا يكلمهم. فهذا أكبر دليل، البرهان: كيف يكون إلها وكيف يكون ربا؟ يعني هذه الآلهة التي عبدوها مع عدم اتصافها بهذه الصفة. الله جل وعلا له صفة الكلام، وأنه متكلم جل وعلا. صفة ذاتية، وأيضا هي فعلية، هي فعلية لأنه متى شاء تكلم، متى شاء، وفي أي وقت تكلم، تكلم. متى شاء وكيف شاء، وفي أي وقت شاء. كلم آدم في وقت، وكلم نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام في وقت، ليس هو الوقت الذي كلم فيه آدم، ليس في الوقت الذي كلم فيه آدم، بل بعد موت آدم، بعد موت آدم بأعوام كثيرة، كلم الله جل وعلا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام. كلم موسى عليه الصلاة والسلام في وقت ليس هو الوقت الذي كلم فيه نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام. وسيكلمنا يوم القيامة، وسيكلمنا يوم القيامة في ذلكم اليوم العظيم. سيكلمنا ربنا عز وجل كما جاء في البخاري من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». متى هذا يكون؟ هذا الكلام متى سيتكلم به جل وعلا؟ متى سيكلمنا؟ سيكلمنا يوم القيامة، كلاما نسمعه، وكلاما نفهمه ونعيه. نعم، وهذا يكون يوم القيامة. فدل هذا على أن الله جل وعلا متصف بصفة الكلام أزلا وأبدا، وهو جل وعلا كذلك متى ما شاء تكلم. وعلى سبيل المثال، ولله جل وعلا المثل الأعلى: أنت يا عبد الله الآن موصوف بأوصاف الأفعال، موصوف بأوصاف الأفعال. فأنت يعني إذا أردت أن تفعل فعلا فعلته، إذا أردت أن تفعل فعلا فعلته. فأنت إذا أردت أن تذهب ذهبت، وإذا أردت أن تأتي أتيت، وإذا أردت أن تصعد صعدت، وإذا أردت أن تنزل نزلت. موصوف هذه الأفعال، لكنها من ذاتك، موصوف بها أنت ذاتا. ومع هذا متى شئت فعلت هذه الأفعال، فعلت هذه الأفعال. ولله المثل الأعلى. فالله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، موصوف بأنه متى شاء يفعل شيئا فعله. ولذلك متى ما شاء فعل ما أراد فعله. ولذلك جل وعلا متى ما شاء أن يفعل فعلا فعله سبحانه وتعالى، وتقدس وتعاظم جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «فصل: فمن صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام، والعزة، والحكمة، والمغفرة، والرحمة. فحياته تعالى حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. وقال: «وعلمه تعالى كامل شامل لكل صغير وكبير، وقريب وبعيد، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال: «وقدرته تعالى كاملة، لم تسبق بعجز، ولا يلحقها تعب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قالوا: «وحكمته تعالى بالغة، منزهة عن العبث، شاملة لخلقه وشرعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال: ﴿ذَٰلِكَ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قالوا: «وحكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق، فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا. وعلى هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه». ذكر رحمه الله تعالى هذا الفصل الذي فيه ذكر ما أثبت الله جل وعلا لنفسه من صفات الكمال، وهذه بعض الصفات، وإلا فصفات الكمال التي أثبتت لله جل وعلا في الكتاب والسنة كثيرة، لا يستطيع أحد حصرها وعدها لكثرتها. فمن هذه الصفات التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه: صفة الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، إلى آخر ما ذكر من هذه الصفات. ثم ذكر رحمه الله تعالى الأدلة، الأدلة من كتاب الله جل وعلا، اقتصر على ذكر الآيات في القرآن الدالة على اتصاف الرب جل وعلا بهذه الصفات. فالأية الأولى: قوله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. ففي هذه الآية إثبات اسم من أسماء الله جل وعلا وهو الحي، وفيه كذلك إثبات صفة من صفات الله جل وعلا وهي الحياة. قال: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. فحياته جل وعلا حياة كاملة، حياة كاملة لا يلحقها نقص، ولا يلحقها موت. المخلوق حياته تنتهي بعد أمد وبعد أجل. فالله سبحانه وتعالى هو الحي الذي لا يموت، فحياته سبحانه وتعالى حياة مستمرة، وحياة أبدية، لا يلحقها فناء، ولا يلحقها كذلك زوال، وهي كذلك حياة غير مسبوقة بعدم، غير مسبوقة بعدم، بخلاف حياة المخلوقات. حياة المخلوقات كانت مسبوقة بعدم، فهذه يعني الحيوانات كانت مسبوقة بعدم، الإنس والجن، وهكذا السماوات والأرضون، وكل هذه المخلوقات كانت عدما، كانت عدما، أوجدها الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان من دعائه عليه الصلاة والسلام إذا خرج من بيته يقول عليه الصلاة والسلام: «فأنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون». أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون. فالله جل وعلا موصوف بصفة الحياة، واسمه جل وعلا الحي، الحياة الكاملة المستلزمة لكل صفات الكمال، التي لم تسبق بعدم، ولا كذلك تلحق بفناء. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.