الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 67، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور النوع الثاني من التمييز وهو تمييز النسبة الذي يفسر جملة كاملة ويزيل الإبهام عن النسبة بين طرفيها. يقسمه المؤلف إلى محول عن الفاعل والمفعول والمبتدأ مع أمثلة قرآنية ونحوية، وغير محول، مبيناً أن التحويل فيه لفائدة بلاغية هي المبالغة والتوكيد.
يتناول المحور تمييز النسبة غير المحول بمثال "امتلأ الإناء ماءً"، ثم ينتقل لتعريف الحال المؤكدة والتمييز المؤكد بأنهما لا يفيدان معنى جديداً بل يؤكدان معنى الفعل أو الاسم السابق. يستشهد الشارح بآيات قرآنية وأمثلة نحوية لتوضيح الفرق بينهما.
يستعرض هذا المحور مفهوم التمييز المؤكد الذي يأتي لتوكيد المعنى لا لرفع الإبهام، مستشهداً بأبيات شعرية لأبي طالب وجرير وآيات قرآنية. يناقش خلاف سيبويه الذي منعه مع الفاعل الظاهر واعتبره حالاً، بينما يرى الشارحون جوازه لوروده في كلام العرب شعراً ونثراً.
يؤكد المتحدث أن كثرة الشواهد على جواز التمييز المؤكد تغني عن اللجوء إلى التأويلات التي اعتمدها المانعون ومنهم سيبويه. يختم الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر من أدلة وشواهد على صحة هذا المذهب النحوي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله: "ويكون التمييز مفسرًا للنسبة، محولًا، كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، و﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، وقوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا﴾، أو غير محول، نحو: امتلأ الإناء ماءً". هذا النوع الثاني من أنواع التمييز، وهو تمييز النسبة. وسُمِّيَ تمييز النسبة لأنه يفسر نسبة جملة كاملة، ليس مفردًا. فقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أنت فسرت الآن نسبة اشتعال الرأس، ليست كلمة الرأس وحدها، وإنما اشتعاله. واشتعال الرأس أخذ من جملة كاملة: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، فهذا يقال له: تمييز النسبة. وبعضهم يسميه: تمييز الجملة؛ لأنه يميز جملة كاملة لا مفردًا، بخلاف تمييز الذات، فيسمى أيضًا: تمييز المفرد؛ لأنه يميز مفردًا لا جملة. فلما تقول مثلًا: "رأيت أحد عشر كوكبًا"، فكوكبًا ميز أحد عشر فقط، دون نسبته إلى شيء، دون نسبته إلى شيء، فهذا يسمى تمييز مفرد. وأما ما ميز أو ما رفع إبهام جملة كاملة، فهذا يسمى تمييز نسبة، يسمى تمييز نسبة. ثم تمييز النسبة قد يكون محولًا من الفاعل، وقد يكون محولًا من المفعول، وقد يكون محولًا من المبتدأ، وقد يكون ليس محولًا من شيء في بعض المواضع. طيب، قد يقول قائل: لماذا حولوه؟ يجعلونه على الأصل؟ لأنهم قالوا: معناها ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. بأصلها، أصل هذا المثال ماذا؟ أصل هذا المثال ماذا؟ ها، نعم: اشتعل شيءٌ بشيب. هذا أصله. طيب، لماذا ما نجعل على هذا الأصل، ولا نغير، ولا نأتي بالتحويل؟ هذا قالوا: لفائدة بلاغية، وهي المبالغة والتوكيد. الغرض من هذا التحويل هو المبالغة والتأكيد، فكأنه يؤكد اشتعال شعره. فرق بين أن يقول: اشتعل شيب الرأس، واشتعل الرأس شيبًا. يقولون: ذكر الشيء مجملًا ثم مفسرًا يكون أوقع في النفس من ذكره مجردًا دون تفسير، أو دون تمييز، دون تمييز. هكذا يقولون. قال: هذا النوع الثاني من نوعي التمييز. وتمييز النسبة هو التمييز الذي يزيل الإبهام عن المعنى العام بين طرفي الجملة، بين طرفي الجملة، يعني: الفعل مع فاعله مثلًا، أو الفعل مع فاعله ومفعوله، فهذا كلها من أطراف الجملة، وهو المعنى المنسوب إلى شيء من الأشياء. مثاله: إذا قلت: "طاب المكان"، نجد أن في الجملة إبهامًا. طاب المكان: ماذا؟ علما أو خلقا أو أدبا أو ماذا؟ أو هواء أو ماذا؟ فلما تأتي بالتمييز ترفع إبهام هذه الجملة، ترفع إبهام هذه الجملة. فقال هنا: إذا قلت: "طاب المكان"، نجد أن في الجملة إبهامًا، ولكنه لا يقع على كلمة واحدة كما في تمييز المفرد أو تمييز الذات، وإنما ينصب على الجملة كلها، ينصب على الجملة كلها. قال: وهو نسبة الطيب إلى المكان. إذا لا ندري ما المراد به، ما المراد بهذا الطيب؟ أهو هواء أم ماء أم تربته؟ فإذا قلنا: "طاب المكان هواء"، تعين المراد، واتضحت نسبة الطيب إلى المكان. فما نسبة الطيب إلى المكان؟ أي: الهواء. ولذلك يسمى لفظ "هواء" تمييزًا؛ لأنه أزال إبهامًا في نسبة شيء إلى شيء، في نسبة شيء إلى شيء. قال: وتمييز النسبة نوعان: الأول: تمييز محول، وهو ثلاثة أقسام: الأول: محول عن الفاعل، نحو: "حسن الشاب خلقًا". فخلقًا تمييز نسبة؛ لأنه أزال الإبهام في نسبة الحسن إلى الشاب، وهو محول عن الفاعل. إذا الأصل: "حسن خلق الشاب". فما التغيير الذي حصل؟ أتينا بالمضاف إليه وأقمناه مقام المضاف، وهو "خلق"، وجعلنا المضاف الذي هو الفاعل تمييزًا، فقلنا: "حسن الشاب خلقًا". هذا هو التغيير الذي حدث. أين المضاف إليه؟ الشاب. أين المضاف؟ خلق، وهو الفاعل. حولنا، جعلنا المضاف إليه فاعلًا بدلًا من المضاف، وجعلنا المضاف الذي هو الفاعل تمييزًا. قالوا: من قول تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. أصل للمثال: ﴿وَاشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ﴾. نفس المثال المتقدم. أتينا بـ "شيب"، المضاف إليه أو المضاف، وأقمناه مقام المضاف إليه، فجعلناه تمييزًا، وأتينا بالمضاف إليه وجعلناه فاعلًا محل المضاف. قال: فشيبًا تمييز نسبة محول عن الفاعل؛ لأن أصله: ﴿وَاشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ﴾، ﴿وَاشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ﴾. الثاني: محول عن المفعول، نحو: "وفيت العمال أجورًا". وهو نفس الشيء: أخذنا المضاف إليه فأقمناه مقام المضاف الذي هو المفعول هنا. وأصل المثال: "وفيت أجور العمال"، "وفيت أجور العمال". وصار هناك تبديل. قال: فأجورًا تمييز نسبة؛ لأنه أزال الإبهام في نسبة التوفية إلى العمال، وهو منقول عن المفعول. والأصل: "وفيت أجور العمال". ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. فعُيونًا تمييز نسبة محول عن المفعول؛ لأن تقديره: "وفجرنا عيون الأرض". فعُيون هنا الذي أصبح تمييزًا أصله مفعولًا به، أصله مفعول به. ثالثًا: محول عن غيره، ما كالمحول عن المبتدأ، وذلك بعد اسم التفضيل الصالح للإخبار به عن التمييز، نحو: "الحرير أغلى من القطن قيمة". قالوا: هذا محول عن المبتدأ. أصل المثال: "قيمة الحرير أغلى من القطن". هكذا الأصل: "قيمة الحرير أغلى من القطن". فالمبتدأ هذا المضاف جعل تمييزًا، فصار: "الحرير أغلى من القطن قيمة". أصل: "قيمة الحرير". هكذا قال. فقيمة ميز محول عن المبتدأ. الأصل: "قيمة الحرير أغلى من قيمة القطن". ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا﴾. فأصل، فأصل: "مالي أكثر من مالك". مالك، فالضمير في "مالي" هنا المتصل، فصل، فجعل "أنا ومالًا" هذا المبتدأ نصب على التمييز، فصرت: "أنا أكثر منك مالًا". قال: فمالًا تمييز محول عن المبتدأ، وأصله: "مالي أكثر من مالك". القسم الثاني من تمييز النسبة: تمييز غير محول، نحو: "امتلأ الإناء ماءً". فما أن تمييز غير محول عن شيء، يعني: لو بحث عن محول كمبتدأ أو فاعل أو مفعول، ما تجد، ما تجد أن ما أن هنا حول عن شيء. فقال: هذا تمييز غير محول، وإنما سمع كذلك في بعض الأمثلة، مثل هذا المثال: "امتلأ الإناء ماءً". قال: فما أن تمييز غير محول عن شيء، بل هو تركيب وضع ابتداء هكذا، وضع ابتداء هكذا، دون تحويله عن شيء. ومنه قولهم: "لله دره فارسًا". فهنا "فارسًا" قالوا: تمييز جملة؛ لأنه فسر إبهام الجملة الكاملة المكونة من المبتدأ والخبر. المبتدأ: "دره"، والخبر: لفظ الجلالة المجرور "لله". وتقدم معنا أن هذا المثال يؤتى به للتعجب، للتعجب، فيكون "دره" خبرًا، ولله: لام الجلالة، جار ومجرور، متعلق بخبر. و"فارسًا" تمييز نسبة غير محول عن شيء، غير محول عن شيء. قال: قوله: "وقد يؤكدان"، نحو: ومعنى "قد يؤكدان" يعني: الحال والتمييز. الآن يتكلم على توكيد الحال والتمييز. فقوله: "يؤكدان"، الألف الدالة على المثنى ترجع إلى الحال وإلى التمييز، ترجع إلى الحال وإلى التمييز. قال: "وقد يؤكدان نحو: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا﴾، ومنه: ﴿بِئْسَ الْفَحْلُ فَحْلُهُمْ فَحْلًا﴾، خلافًا لسيبويه". الحال المؤكدة: هي الحال التي تأتي بمعنى العامل، بمعنى الفعل، فيستغنى عنها في المعنى لفهم المعنى من العامل. يستغنى عن الحال لأننا نستفيد معناها من الفعل؛ لأنها تأتي بمعنى الفعل. مثل هذا المثال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. العثو بمعنى الفساد، العثو بمعنى الفساد، فمفسدين هنا يؤتى به للتوكيد، يؤتى به للتوكيد، فهذا تسمى حال مؤكدة، حال مؤكدة. وعن قول: وقوله: ﴿مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا﴾، هذا مثال للتمييز المؤكدة، للتمييز المؤكدة؛ لأن قوله: "من خير أديان البرية"، "أديان" تدل عليه لفظة "دينًا"، فهي بمعنى: فما أتي بلفظة "دينًا" إلا للتمييز المؤكدة، وإلا ما سيكون هناك تمييز آخر. "من خير أديان البرية" ماذا؟ "دينًا". ليس شيء آخر، فهو يؤكد معنى "أديان" الموجودة في الجملة السابقة، الموجودة في الجملة السابقة. فهذا يسمى تمييز ماذا؟ مؤكد، تمييز مؤكد. ومنه: "بئس الفحل فحله مو فحلا". فحلا هنا تمييز للفحل، فهو بمعنى: طيب، قد يقول: "طيب، إذا كان بمعنى أيش، الفائدة من وجوده ومن ذكره؟" يقال: التوكيد، مثل ما تقول في التوكيد للفظ: "جاء جاء زيد"، أو "رأيت محمدًا محمدًا". أيش الفائدة من "محمد" الثاني؟ التوكيد. وهذا أيش الفائدة الآن من وجود التمييز؟ التوكيد. فهمتم هذا الآن؟ فهذه هي الحال والتمييز المؤكدة، الحال والتمييز المؤكدة. قال: أي: قضيتا الحال والتمييز مؤكدين، فلا تكون الحال لبيان الهيئة هنا، ما تؤكد الهيئة، ولا يزيل التمييز بهاما، لا لذات ولا لجملة، بل يفيدان مجرد التأكيد. فالحال المؤكدة هي التي لا تفيد معنى جديدًا سوى التوكيد، ليس لها معنى جديد، وإنما هو التوكيد فقط. نحو: "لا تظلم الناس باغيًا". فالباغي هو بمعنى الظلم، هو بمعنى الظلم. فلو قلت: "لا تظلم الناس"، يكفي، ما يحتاج أن نميز نوع الظلم هذا، وما رفع "باغيًا" إبهام الجملة ولا شيء. فهنا إنما أتي به للتوكيد. قال: فباغيًا حال من الفاعل، وهو "لا تظلم أنت"، كون حالك باغيًا، وهي مؤكدة لقوله: "لا تظلم"، لأن الظلم هو البغي. ولو حذفت لفهم معناها مما بقي من الجملة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فمفسدين حال من الواو، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْتَعْثُوا أَنتُمْ﴾، ﴿وَلَا تَعْثُوا أَنتُمْ﴾، الواو مفسدين: أي كون حالكم مفسدين. فالعثو بمعنى الفساد، فهي من الحال المؤكدة. فمفسدين حال من العثو، مؤكدة لقوله: "لا تعتو"، لأن العثو هو الفساد معنا، يعني: بمعنى الفساد. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فجميعًا حال من "ما"، وهي مؤكدة لأن العموم مستفاد من لفظ "ما". لأن "ما" هنا اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، يفيد العموم. فقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: كل ما في الأرض. فجميعًا هنا أيش فائدتها؟ وهي بمعنى "كل". جميعًا: أي جميع ما في الأرض، كل ما في الأرض. أيش فائدتها؟ التوكيد. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قولي: حال من "ما"، وهي مؤكدة؛ لأن العموم مستفاد من لفظ "ما". فما اسم موصول يفيد العموم. نعم. قالوا: أما التمييز المؤكد، فكقول أبي طالب فيما ينقل عنه من هذه الأبيات في نصرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا". فدينا هنا تمييز لأديان، فهو مؤكد له. فدينا تمييز مؤكد لما سبق، إذ لو حذفت لفهم معنى مما بقي من الكلام. ومنه أيضًا قول جرير، وهو وهو يذم وكذلك يهجو التغلبيين، طبيلة، يقول: "والتغلبيون بئس الفحل فحلهم وبئسة من أفعال الذنب ويريد بالفحل هنا جدهم، يعني: بئسة الجد جدهم جدًا. فحلا يعني: جدًا. وأمهم زلاء من طيق. ومعنى زلاء: يعني قليلة لحم الإليتين، يعني: ما عندها سمنة، إليتاها لاصقتان في ظهرها، ما عندها إليا. وهذا يعد عيبًا في المرأة خصوصًا، يعد عيبًا في المرأة خصوصًا. فيقول: الفحل يعني جدهم، بئسة الجد، وأمهم ما فيها لحم في إليتيها. ومعنى "من طيق": أي أنها حتى تظهر أن فيها شيء من اللحم، تغطي هذه الإليتين، أو تحشو هذه الإليتين بالخرق، تجعل فيها خرق حتى يبدو أنها وافرة باللحم، وهو ليس بلحم، وإنما خرق، وإنما هي خرق. والمراد من هذا البيت: هذا دليل على شدة فقرهم وسوء حالهم، أو بخلهم، فهم لا يأكلون، حتى تسمى النساءهم، حتى تسمى النساءهم عندهم بخل، وعندهم شدة وفقر، وكأنهم يعيشون في مجاعة. هذا هو معنى البيت، وهو يرثيهم أو يذمهم ويهجوهم: التغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا، وأمهم زلاء من طيق. فالشاهد من هذا: فحلا. ففحلا هنا تمييز مؤكد لما سبق. قال: فحلا تمييز مؤكد لما سبق. وإذا لو حذفت، فلا فهم معنى مما بقي من الكلام. وقول المصنف: "خلافًا لسيبويه"، يعني: في قوله: "فحلا" في هذا الشاهد فقط. يعني أن سيبويه مرتضى أن يعرب "فحلا" تمييزًا، مرتضى ذلك، إلا ماذا؟ ارتضى؟ قال: فإن سيبويه وأتباعه لا يجيزون الجمع بين فاعل "نعم" إذا كان إثما ظاهرا، وبين التمييز. قال سيبويه ومن تبعه: أن "نعم" و"بئس" إذا كان فاعلها ظاهرا، وهنا فاعلها ظاهرا لأن فاعلها "الفحل": "بئس الفحل"، فيقول سيبويه: إذا كان فاعلها ظاهرا لا يكون تمييزها، يعني: من لفظها، لا يكون تمييزها من لفظها، فلا تقول: "بئس الفحل فحلهم فحلا"، وهكذا: "نعم الرجل رجلا"، "إبراهيم" مثلًا. لماذا قال؟ لأن التمييز لرفع الإبهام، ولا إبهام مع ظهور الفعل، الفاعل هنا موجود، فكيف هنا تمييز وهو ليس يعني يحتاج إلى تمييز؟ إبهام لا يحتاج إلى تمييز. قال: وعنده: منه حال مؤكدة، يعرب "فحلا" حالًا، و"رجلا" حالًا. وهذا يخالف شروط الحال. لماذا؟ لماذا؟ لأن الحال أن يكون مشتقًّا، وهذا جامد. "رجل" مشتق أو جامد؟ و"فحل" مشتق أو جامد؟ جامد، ليس بمشتق. فهنا يخالف قواعد الحال. سيبويه، سيبويه في هذا والله أعلم أخفق. لكن ما ياتي بمعاد في آخر الزمان ويفتي سيبويه، سيبويه هذا عالم كبير، لكنه يعني حسب ما هو موجود في قواعد اللغة، فالله أعلم، يبعد أن يعرب "رجلا" أو "فحلا" حالًا لأنه جامد. والأقرب أن يعرب مثل ما أعرب في غير موضع أنها يعني: تمييز مؤكدة، ليس لرفع إبهام. هو سيبويه ماذا قال هنا؟ قال: لأن التمييز لرفع الإبهام. هل نوافق على ذلك؟ لا، نقول: نعم هو لرفع الإبهام، لكن قد يأتي لتوكيد، قد يأتي للتوكيد، وهذا منه، وهذا منه. مثل قول طالب: "ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دين". دين هنا تمييز، هل رفع إبهام؟ ها، هل رفع إبهامًا؟ ما رفع إبهامًا، بل أكد. وهذا مثله. نقول: هو مؤكد. ولذلك حتى الشارح مرتضى قول سيبويه، قال: والصحيح الجواز لوروده عن العرب شعرًا ونثرًا. أما الشعر فالشاهد المذكور وغيره، يعني: "بئس الفحل فحلهم". وأما النثر، فقول الحارث بن عباد لما بلغه قتل ابنيه في حرب البسوس، والبسوس هذه حرب وقعت بين بكر وتغلب من ربيعة في الجاهلية. قال: "نعم القتيل قتيلا، أصلح بين بكر وتغلب". الشاهد: "نعم القتيل قتيلا". فقطيلا هنا تمييز، تمييز مؤكدة. قال: فقطيلا تمييز، والفاعل "القتيل"، ولا يلزم أن يكون التمييز رفع الإبهام، فقد يكون للتوكيد. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. فقالوا: "شهرًا" هنا تمييز، لكن ليس تمييز نسبة، وإنما تمييز مؤكدة؛ لأن شيء معلوم أن عدة الشهور 12، ماذا؟ هل يكون يومًا؟ هل يكون سنة؟ لا، هو قد ذكر الشهور في أول الآية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾. فقوله: "شهرًا" هنا تمييز مؤكد؛ لأنه لا يرفع نسبة إبهام. فهمتم هذا الآن؟ فشهرًا تمييز مؤكد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾. كقولك: "عندي من الرجال عشرون رجلا". فماذا لو قلت: "عندي من الرجال عشرون"؟ هل أحد يفهم أن عندك من الرجال عشرون ماذا؟ امرأة؟ لا، يأبى المعنى ذلك. فالمعنى ظاهر أنك تريد عشرين ماذا؟ رجلا. فهو تمييز ماذا؟ مؤكد. فرجلا تمييز مؤكد لقولك: "من الرجال". وإذا كانت الشواهد على الجواز كثيرة، فلا حاجة إلى التأويل الذي لجأ إليه المانعون، ومنه سيبه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.