التعليق على الجواب الكافي 91

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

العقوبات الشرعية وأهميتها في الإسلام

يتحدث الإمام ابن قيم عن أهمية العقوبات الشرعية في ردع المسلمين عن المعاصي وتقليل الجرائم، ويذكر أمثلة على هذه العقوبات مثل قطع يد السارق وجلد من قذف المحصن. يشير إلى أن تطبيق هذه العقوبات يقلل من الجرائم ويحافظ على النظام في المجتمع.

تفاصيل العقوبات الشرعية للجرائم المختلفة

يتناول المقطع شرحًا للعقوبات الشرعية في الإسلام، مثل حد شارب الخمر والزاني المحصن وغير المحصن، وتوضيحًا لعقوبة قتل المرتد وتارك الصلاة، مع الإشارة إلى آراء بعض الفقهاء في هذه المسائل الهامة.

أسرار الشريعة في تحديد العقوبات وربطها بالجرائم

يشرح الإمام ابن القيم أسرار الشريعة في تحديد العقوبات، مثل الرجم للزاني المحصن والجلد للزاني غير المحصن، وقطع اليد للسارق، ويربط بين نوع العقوبة ومفسدة الجناية ودور العضو في ارتكابها. يبين أن العقوبات تهدف إلى الردع والزجر وتكفير الذنوب.

دور التوبة في رفع العقوبات

يشير إلى أن الله عز وجل قد يصيب الإنسان بعقوبات قدرية نتيجة أفعاله، لكنه يرفع عنهم الكثير منها إذا تابوا ورجعوا إليه، مؤكدًا أهمية التوبة في حياة المسلم وتأثيرها الإيجابي في تخفيف العقوبات.

  • 24 جمادى الأولى 1442هـ - 07/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى: فصل العقوبات الشرعية على المعاصي. وهذه العناوين ليست من المؤلف، لكن وضعها بعض المحققين لأجل قراءة الكتاب ومعرفة مضمونه، أي فيما يتكلم فيه الإمام رحمه الله. فقال: فإن لم ترعك هذه العقوبات ولم تجد لها تأثيرًا في قلبك، فأحضر العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم. أنا أقول الآن: الإمام ابن قيم كأنه يخاطب قلب الإنسان، قلب المسلم، أنه إذا لم ترعه ولم تخف هذه العقوبات التي ذكرت -العقوبات القدرية التي يعاقب الله عز وجل بها أهل المعاصي والذنوب- فإن لم تخف هذه العقوبات ولم يجد لها تأثيرًا في قلبه، فقال: فينبغي أن يحضر في قلبه العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم. كما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، فقطع النبي عليه الصلاة والسلام في ثمن المجن، ثمن المجن قالوا: كان ثمنه ثلاثة دراهم، المجن هو الترس، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وهذا أيضًا يبين أن المسلم ينبغي أن يرتدع بمثل هذه الحدود التي حدها الله عز وجل على هذه المعاصي. وتجد معنا من الواقع -الحمد لله عز وجل- وما حصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ومن بعده، تجد أن هذه الجرائم لما كان تطبيق هذه الحدود موجودًا قلت هذه الجرائم، لكن لما اختفت هذه الحدود فتجد أنها كثرت. فلهذا فإن المسلم ينبغي عليه أن يجعل هذا تلقاء وجهه، وأيضًا يخوف به نفسه أنه إن سرق شيئًا من هذه الأمور ستقطع يده، إن لم تقطع في الدنيا فهي وبال عليه في الآخرة إن لم يتب إلى الله. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». فالسارق ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا قال: «يسرق البيضة وتقطع يده». يسرق البيضة بعض أهل العلم قال: البيضة التي توضح على الرأس بيضة الحديد، ومن أهل العلم من قال: أنها البيضة نفسها، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه البيضة التي سرقها وهذا الشيء القليل الذي سرقه هو الذي جرأه على السرقة. أن بعض الناس يسرق شيئًا يسيرًا أن نفسه قد تكون خبيثة فيسرق شيئًا يسيرًا، ثم أن هذا الشيء اليسير هو الذي يجعله بعد ذلك يتجرأ في حق أخيه فيأخذ ما يكون لأخيه من مال أو من غيره، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله السارق يسرق البيضة». أول ما تعلم السرق أنه سرق شيئًا يسيرًا، ثم تدرج بعد ذلك. قال: وقطع اليد والرجل من خلاف على قطع الطريق على معصوم المال والنفس. أنا من قطع طريقًا على معصوم المال والنفس -أنا سواء كان مسلمًا أو ذميًا أو معاهدًا أو مستأمنًا- أي كافرًا مستأمنًا أو ذميًا أو معاهدًا فهو أيضًا من معصوم المال والنفس، من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، فلهذا من قطع الطريق على هؤلاء فإنه تقطع يده ورجله من خلاف كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾. هذه عقوبات شرعية في الذي يقطع طريق الناس. قال: وشق الجلد بالسوط على كلمة قدف بها المحصن، شق الجلد يريد أنه يضرب بشيء من الجريد -جريد النخل- أو بعصا أخرى، حتى يتشقق جلده، لا شك أنه ثمانين جلدة سيتشقق جلده. فقال الحافظ رحمه الله -الإمام ابن قيم- وشق الجلد بالسوط على كلمة قدف بها المحصن. أنا في حد القذف قال: «فلان زان أو فلان زاني» فهذا عقوبته أنه يجلد ثمانين جلدة كما ذكر الله عز وجل. أو قطرة خمر يدخلها جوفه، أنا شق جلده أيضًا إذا شرب خمرًا ولو كان شيئًا يسيرًا فإنه يجلد، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلد أربعين، لكن كما قال أبو هريرة: من الضارب بيده ومن الضارب بنعله، فيضربونه بأي شيء، فلهذا بعض أهل العلم يقول: أنه لا حد لشارب الخمر وإنما يجلد ويضرب، لكن جلد كما جاء في حديث عمر: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر، فلما توسع الناس في هذا -أي في الخمر- جلد عمر ثمانين، وهذا ظاهر أنه اجتهاد لأنه رأى أن حد الخمر ليس له حد معين، ولهذا جعله على آخر حد وهو حد القذف. قال: وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج المحرم. أنا إذا كان محصنًا فزنا فإنه يقتل بالرجم إذا كان محصنًا، والمحصن هو الذي تزوج زواجًا صحيحًا أو وطئ وطئًا صحيحًا. قال: وخف، فهذه العقوبة لمن لم يتم له عليه نعمة الإحصان بمئة جلدة. أن إذا كان بكرًا أو المرأة بكرًا فإنها تجلد مئة جلدة، وينفى سنة عن وطنه وبلده إلى بلد الغربة. في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». قال: فالرجل بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات رحم محرم منه أنه يقتل. وهذا قول جمهور أهل العلم أنه إذا وقع على ذات محرم فإنه يقتل، وبعضهم قالوا: أنه يحد حد الزنا إلا إذا حلل، إذا حل هذا الأمر مثل ما جاء في حديث البراء أن رجلًا نكح زوجة أبيه على فعل الجاهلية -أن تزوج زوجة أبيه- وهذا لا يجوز، وخاصة إذا كان عقدة على العقد هذا يعتبر تحليلًا. فتزوج زوجة أبيه فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليه بعض الصحابة وهو مالك بن يزيد أو نيار فقتلوه، وكذلك خمس ماله. قال: أو ترك الصلاة المفروضة أيضًا عند جمهور أهل العلم أنه يقتل، واختلف هل يقتل حدًا أو يقتل كفرًا، فعند الإمام أحمد أنه يقتل كفرًا، وعند الشافعي ومالك أنه يقتل حدًا -أي أنه ليس بكافر- لكنه يقتل إذا ترك الصلاة المفروضة بعد الاستتابة. قال: أتكلم بكلمة كفر، أنا أتكلم بكلمة كفر إما استهزاء أو سب دين الله، سب أو استهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام أو طعن فيه صلى الله عليه وسلم أو طعن في دينه، كل هذا من الكفر ورد، فإنه يقتل لأنه مرتد، وهذا بعد قيام الحجة وتوفر الشروط وانتفاء الموانع. قال: وأمر بقتل من وطئ ذكرًا مثله، وقتل المفعول به، الحديث لم يصح فيه حديث في قتل من أتى ذكرًا، لكن قد أجمع الصحابة على قتله، قد أجمع الصحابة على قتله وهو قول جمهور أهل العلم، وخالف في ذلك أبو حنيفة، واستأنس بعضهم بهذه الأحاديث، وإلا الأحاديث جاءت منكرة. قال: وأمر بقتل من أتى بهيمة، وهو نفس الحديث، وقول الجمهور على أنه لا يقتل من أتى بهيمة، وأما حديث: «فاقتلوه وقتلوا البهيمة»، فهو مما لا يصح. قال: قتل البهيمة معه، وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، حديث أبي هريرة بالصحيح: «لقد هممت أن آمر رجلًا فيصلي بالناس ثم أخلف إلى أناس لم يحضروا الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم». قال: وغير ذلك من العقوبات التي رتبها على الجرائم وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم، حسب الوازع عنها، أن هذه العقوبات ينبغي أن تردع المسلم، فهي عقوبات شرعية تعالجها الله عز وجل مثل هذه الجرائم. قال: فما كان الوازع عنه طبيعيًا وما ليس في الطباع داع إليه اكتفي فيه بالتحريم مع التعزير، ولم يرتب عليه حدًا كأكل الرجيع وشرب الدم وأكل الميتة. وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته، أنه مثل هذه الأشياء لا يكون فيها شيء من التعزير، لكن هناك بعض الأشياء وإن لم يكن فيها حد مقدر لكن فيها تعزير. قال: وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داع الطبع إليه، ولهذا لما كان داع الطباع إلى الزنا من أقوى الدواعي كانت عقوبته الرجم -من أشنع القتلات وأعظمها- وعقوبته الشهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة التغريب. أنا هذه عقوبة الشهلة لأجل معنى البكر. قال: ولما كانت جريمة اللواط فيها الأمران كان حدها القتل بكل حال، ولما كان داعي السرقة قويًا ومفسدتها كذلك قطع فيها اليد. وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر العب به الجناية، كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه. أنا أتأمل هذا: أنه أفسد العضو الذي باشر العب به الجناية هو السرقة، فلأن هذا السارق أخذ بيده فلهذا كان عقوبته الشرعية أن تقطع يده، وهو رجل ظالم أخذ مال أخيه، فلهذا لا يخشى أيضًا أن يصيبه دعوة المسلم. وقد سطر لنا العلماء بعض هذه القصص، ومن ذلك مشهور في الحديث قصة سعيد بن زيد مع تلك المرأة التي ادعت أنه أخذ أرضها. فقال: «من أخذ شبرًا من أرض طوق عليه سبع أراضين يوم القيامة». فقال مروان: «والله لا أخذ حجة بعد هذه الحجة». أنت عظيم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما أصرت فقال سعيد رضي الله عنه: «إن كانت كاذبة فأعمى بصرها وأطل عمرها وأقتلها في أرضها». فأعمى الله عز وجل بصرها، وأيضًا أطال عمرها، ومرة كانت تمشي في أرضها فوقعت في حفرة من الحفر التي فيها فماتت، استجاب الله عز وجل لذلك العبد الصالح. كذلك أيضًا سعد بن وقاص لما افترى عليه ذاك الرجل الكوفي فدعا عليه: «إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن». فقال عبد الملك بن عمير: «قد رأيت ذلك الرجل قد سقط حاجباه على عينه -معناه من كبر سن- قال: وهو يمشي خلف الجواري يغمزهن ويقول: رجل مفتون». أصابته دعوة سعد، فلهذا فالظالم هذا الذي يسرق حق إخوانه ويأخذ المال الذي ليس له فهو إن ستر الله عز وجل عليه، لكنه قد لا ينجو من سهام الليل ومن دعوة المظلومين. صلى الله عليه وسلم. قال: ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى به إذ مفسدته تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد. أي هذا القاذف فإن قيل: فهل لا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل: لا لوجوه. هنا الآن الإمام ابن القيم يذكر حكمًا عظيمة وأسرار عظيمة في أسرار الشرع، فإذا الآن يقول: أن الله عز وجل أفسد يد السارق لأنها باشرت، والقاذف لأنه لم يباشر بشيء من هذا أو بلسان فترك لسانه وجعل العقوبة في جسده كله، لأن مفسدة قطع اللسان تزيد على مفسدة الجناية، فلهذا جعل الإيلام لجميع بدنه. قال: فإن قيل: فهل لا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل: لا لوجوه، أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك. والثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد. الثالث: أنه إذا قطعت يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها، بخلاف الفرج. الرابع: أن لذة الزنا عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببعضه. فهذه كلها حكم وأسرار لعل أن الله عز وجل لم يقطع عضو الرجل وإنما جعل العقوبة في بدنه كله، إن كان محصنًا قد تمتع فإنه يقتل بالرجم، وإن كان لم يتمتع بالحلال بعد فإنه يجلد مئة. قال: فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقول وأقومها بالمصلحة والمقصود. أن الذنوب إنما تترتب عليها العقوبات الشرعية أو القدرية أو يجمعهما الله على العبد، وقد يرفعهما عن من تاب وأحسن. وهذه الحدود كما جاء في حديث عبادة بن الصامت أنها كفارة، معنى من جاء بشيء من هذه فعوقب فهي كفارة له، كفارة له في الدنيا، لكن هذا قد ليس معنى أنه ترتفع عنه العقوبات الشرعية القدرية. أنا قد يصيب الله عز وجل هذا الرجل بعقوبات قدرية يميت قلبه، وإن مثلًا حد، لكن إن تاب ورجع فإن الله عز وجل يوفقه، وأيضًا كذلك قد يرفع عنه كثيرًا من العقوبات كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. الحمد لله تعالى شكرًا.