التعليق على الجواب الكافي 92

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم العقوبات وأثر إقامتها أو تعطيلها

يبيّن ابن القيم أن عقوبات الذنوب تنقسم إلى شرعية كالحُدود وقدرية يقدرها الله، وأن إقامة الحد الشرعي تكفّر الذنب أو تخفف العقوبة القدرية مع بقاء بعض الحقوق. ويحذر من تعطيل العقوبات الشرعية فيحل محلها عقوبات قدرية عامة وأشد، كما أن ترك إنكار المنكر يجلب العذاب الجماعي وحجب الإجابة.

عظم الزنا بحليلة الجار وتضاعف إثمها

يوضح المقطع أن الزنا من أعظم الذنوب بعد الشرك وقتل النفس، وأن الزنا بحليلة الجار أقبح أنواعه لانتهاك حرمة الجوار والأمانة. ويبين تضاعف الإثم باجتماع حرمة الرحم وغياب الجار في طاعة الله ومراعاة حرمة الزمان والمكان.

تحذير من الإلحاد في الحرم وحرمة الزمان والمكان

يؤكد المقطع أن مجرد نية ارتكاب المعاصي أو النظر إلى المحرمات داخل الحرم المكي يُعد إلحاداً يستوجب العذاب الأليم. ويُبين أن من ينوي الإثم في مكة حتى مع نية العمرة تصيبه آية الوعيد الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "فصل: عقوبات الذنوب شرعية وقدرية". قال رحمه الله: وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها. وقد ذكر رحمه الله العقوبات الشرعية وبعض أمثلتها، وهنا ذكر أراد أن يبين تلخيصاً لما سبق: أن هذه الذنوب أو هذه العقوبات تنقسم إلى قسمين: شرعية وقدرية. فالشرعية هي كالحدود وغيرها، والقدرية ما قدره الله عز وجل من عقوبات على العبد سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة. وبهذا أشار المؤلف رحمه الله إلى أنها إذا أقيمت الحدود الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، كما في حديث عبادة: «من أصاب حداً منها فأقيم عليه كانت كفارة له». فمن أصاب شيئاً من هذه الذنوب فأقيم عليه حد الله فيها كانت كفارة له. وبعض الأشياء يبقى عليها أمور، مثل القتل. القتل كما قال الله عز وجل: ﴿النَّفْسُ بِالنَّفْسِ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر النفس بالنفس. فهنا إذا قتل يقتل، لكن هل هي كفارة له؟ تبقى عليه أشياء يوم القيامة. ولهذا ذكر عن ابن عباس أنه كان يرى أن القتل لا توبة فيه، وأنه يحاسب يوم القيامة. لكن الظاهر أن القاتل كما قال شيخ الإسلام وغيره: أن عليه ثلاثة حقوق: حق للمقتول، وحق لله عز وجل، وحق للأولياء. فأما حق الأولياء فإما القصاص، وإما الدية، وإما العفو إذا كان متعمداً. وأما حق الله عز وجل فهو يغفره سبحانه وتعالى بالتوبة وإقامة الحد. إذا حصل القصاص كان كفارة له، لكن بقي حق المقتول، كما جاء بحديث ابن عباس، وجاء أيضاً عن ابن مسعود عند أحمد: «يجاء يوم القيامة بالمقتول ورأسه يشخب دماً، فيقول: يا رب، سل هذا لم قتلني». وهذا أيضاً يعتبر من العذاب والعقاب. قال رحمه الله: ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العبد بين العقوبتين إلا إذا لم يفي أحدهما برفع موجب الذنب، ولم يكف في زوال دائه، مثل ما ذكرنا. وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية. فلا يفرح العبد أنه ليست هناك عقوبة على الزنا أو عقوبة على السرقة، بل العقوبة خير له في الدنيا لأنها ستكون عليه يوم القيامة، إلا إن تاب. قالوا: ربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، لكنها تعم والشرعية تخص. فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعاً إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، تقع أحياناً عامة للناس جميعاً. فالعذاب يخسف بأولهم وآخرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجيش الذي يريد أن يغزو الكعبة: «حتى إذا كانوا ببيداء الأرض خسف بأولهم وآخرهم». فقالت عائشة رضي الله عنها: تلك المرأة الفقهة: «يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم»؟ عناء ناس دخلوا مكرهين، وناس فقط، معنى أنهم عبيد، وكذا لم يكونوا يريدون هذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم». فالعقوبة تعم. قال: فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة. وإذا رأى الناس المنكر فلم ينكروه، أو شكا، عمهم الله تعالى بعقابه. هذه نسخة صحيحة، بعض النسخ مكتوب فيها: «فاشتركوا في إنكاره»، وهذا خطأ، وإنما: «فاشتركوا في ترك إنكاره أو شكايته، عمهم الله تعالى بعقابه». هذا صح في حديث ثعلبة، وحديث أبي بكر الصديق، وجاء أيضاً عن أبي هريرة من الشواهد فهو صحيح: «إذا رأى الناس المنكر فلم ينكروه، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده، ثم يدعون فلا يستجاب لهم». فلا يعقبهم الله عز وجل عقوبتين: أولاً العذاب، ثم أيضاً أنه لا يستجيب لدعوتهم. مثل ما قال الله عز وجل في عموم العذاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فلا ينهي بعضهم بعضاً عن المنكر. وجاء في حديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود: أن الرجل يرى الرجل على المنكر ثم لا يكون هذا رادعاً له، بل يكون جليسه وأكيله وهو يرى أنه على منكر. فمعناه أنه لا ينكر هذا المنكر. قال عبد الله بن مسعود: فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم. قالوا: قد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله على قدر مفسدة الذنب، ومقابلة الطبع لها، وجعلها الله سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. أن العقوبات هذه الحدود التي حدها الله عز وجل، وجعل لبعض الجرائم حداً، فإما قتل، وإما قطع، وإما جلد. وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، على من ارتد يقتل، ومن قتل النفس يقتل. قال: وهو أيضاً المحصن الزاني، والذي يفعل فعل قوم لوط. قال: وهو الزنا واللواط، فإن هذا يفسد الأديان -أي الكفر- وهذا يفسد الأنساب، ونوع الإنسان عن طبيعة الإنسان تختلف بعد ذلك. إذا جاء لذكر من خلفه فإن هذا مفسد له وتغير لطباعه. قال الإمام محمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنباً أعظم من الزنا، واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». وهذا الحديث خرجه كما ذكر المؤلف، أو حديث عبد الله بن مسعود جاء من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود، وهو في الصحيحين. قال: فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من كل نوع أعلى، ليطابق جوابه سؤال السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها، وما هو أعظم كل نوع. فأعظم الشرك بالله عز وجل أن يجعل العبد لله نداً، وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعام وشراب، وأعظم أنواع الزنا أن يزني بحليلة جاره، عن زوجته أو أمه أو أخته. فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف من تهتك ومن الحرمة، فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم، ومثل ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ترون الزنا؟» قالوا: حرام حرمه الله ورسوله إلى يوم القيامة. فقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يزني الرجل بعشر أبيات خير له من أن يزني بحليلة جاره»، لأنه ينتهك حق الجار وحقه عظيم، فينتهكه بهذا. ولأن الناس غالباً الجيران قد تكون بينهم أشياء مشتركة، وقد يكون مثلاً بعض الأماكن يرى الشخص منها بعض ما يكون عند جاره، وكان الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وما بعده بيوتهم صغيرة ومتلاصقة، حتى عندنا قديماً كان هذا، فقد يرى الرجل شيئاً من بيت جاره. فلهذا فالأمانة هي التي تحكم بينهما، فإذا تعدى هذا الجار فإنه تعدى أمراً عظيماً كما سيأتي. قال: فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وعقوبة من الزنا بالتي لا زوج لها، إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، أن إذا جاءه قد تحمل المرأة وينسب هذا الحمل إلى زوجها لأنها فراشه، وغير ذلك من أنواع الضرر، فهو أعظم إثماً وجرماً من الزنا بغير ذات البعل. فالزنا بمئة امرأة لا زوج لها أهون عند الله من الزنا بامرأة الجار، مثل ما جاء في الحديث. لكن هنا قال: مئة امرأة، ممكن يريد أن الله عز وجل جاء أو النبي صلى الله عليه وسلم: عشر أبيات، معناها أنه قد يكون أكثر من عشر نساء. قال: فإذا كان زوجها جاراً له انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وآذى جاره بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». وهذا لفظ الإمام مسلم، حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. وجاء في البخاري: أخرجه الإمام البخاري من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قال: يا رسول الله، ومن ذلك؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». والبوائق هنا الشرور، وأعظمها الزنا: أن يزني بزوجة جاره أو بابنته أو كذا، هذا عظيم، من أشد البوائق والشرور التي تكون من الجار لجاره. فالحديث كما قلنا من حديث أبي شريح، ذكره البخاري من حديث أبي شريح، ثم ذكر أنهم اختلفوا فيه، أصحاب ابن أبي ذئب، فأكثرهم وأوثقهم: كيزيد بن هارون، وحجاج بن محمد، وكذلك علي بن عاصم وغيرهم، قالوا: الصحابي أبو شريح. وقال جماعة منهم: عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. وكأن البخاري يرجح رواية أبي شريح، والأمر سهل، سواء كان أبو شريح أو أبو هريرة، لأنه صحابي والصحابة كلهم عدول. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فإن كان الجار أخاً له أو قريباً من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيه تضاعف الإثم. وأي قطيعة أن يزني الرجل بحليلة قريبة؟ فهذه من القطيعة العظيمة. قال: فإن كان الجار غائباً في طاعة الله في الصلاة، وطلب العلم، والجهاد، تضاعف له الإثم. حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة، ويقال: خذ من حسناته ما شئت. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فما ظنكم؟». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم». فمن خلف غازياً في أهله يقام له يوم القيامة، فيقال له: خذ من حسناته ما شئت. معنى: إذا ذهب الغازي، انتهز هذا الرجل فرصته، لما ذهب الغازي وترك أهله وراءه لأنهم في أمان الله، فهو ذاهب في طاعة الله جل وعلا، أو في طلب العلم كما ذكر المؤلف. فهذا أمره عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما ظنكم؟» أي: ما ظنكم أنه يترك له من حسناته؟ لأنه يقاب فيقال له: خذ من حسناته ما شئت. وهذه من أعظم الأمور، لأن الإنسان يوم القيامة يحتاج للحسنات، فهذا يأخذ من حسناته. وهنا قال: يقول الله عز وجل له: خذ من حسناته ما شئت. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فما ظنكم؟» أي: هل سيبقي له شيئاً من حسناته؟ أي: ما ظنكم أنه يترك له من حسنات؟ قد حكم في أن يأخذ منها ما يشاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حتى لا يترك العبد لابنه، ولا الصديق لصديقه، حقاً يجب عليه. فإن اتفق أن تكون المرأة رحيماً منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، وهذا أيضاً عظيم. فإن اتفق أن يكون الزاني محصناً كان الإثم أعظم. فإن كان شيخاً كان أعظم إثماً، وقد جاء في الحديث: «وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان». فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة، تضاعف الإثم. وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة، وهذه والله المستعان. وهذه القاعدة قد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك قررها ابن القيم في زاد المعاد وفي غيره من كتبه، وهي أن الإثم يتضاعف بحرمة المكان، وحرمة الزمان، وكذلك حرمة ما يصاحبه، وأنه يزداد الإثم. وكما أن العقس -أي العقوبة- أيضاً، فإن الأجر يزداد في فعل هذا الفعل في مكان مقدس، أو في زمن مقدس، أو يصاحب أشياء مقدسة. فمثلاً الصلاة في الحرم بمئة ألف صلاة، الحرم مك... وهكذا. فأيضاً الإثم: الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. من يريد أن يلحد في الحرم، أن يعصي الله عز وجل في الحرم، فإن الله عز وجل قال عقوبته هذه. حتى قال أبو جابر: إذا هم العبد وهو بعدن أبين... إذا هم العبد وهو بعدن أبين أن يهم بالإثم في الحرم أصابته هذه الآية. أن لو كان في بلده يقول: أنا سأذهب العمرة، وهمه أنه ينظر إلى النساء، همه أن يفعل كذا وكذا، فهذا إلحاد في الحرم. ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.