التعليق على مذكرة أصول الفقه 24

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في نسخ التلاوة والحكم

يناقش موضوع نسخ التلاوة والحكم في القرآن، موضحا أنواع النسخ الثلاثة مع تقديم أمثلة من القرآن والسنة. يبين آراء بعض الأئمة في هذه المسألة.

الاعتراضات والردود على النسخ

يتناول اعتراضات المعتزلة على نسخ الحكم دون التلاوة أو العكس، ويقدم إجابات على هذه الاعتراضات، موضحا أن النسخ لا يعني رفع الدليل بل رفع الحكم الذي دل عليه.

تتمة الكلام عن نسخ التلاوة والحكم

يوضح أن نسخ التلاوة لا يعني بالضرورة نسخ الحكم، ويشرح تعدد الأحكام المتعلقة بالآيات القرآنية وإمكانية نسخ بعضها دون الآخر.

ختام الدرس بالصلاة على النبي

ينهي الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرا عن الختام والتبرك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: فصل: يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معا. قال: معنى كلامه ظاهر. وهذا النوع من النسخ حكى جماعة من الحنفية والحنابلة عدم الجواز، حكاه جماعة من الحنفية والحنابلة عدم الجواز عن بعض أهل الأصول، قالوا: لأنه إذا انتفى الحكم فلا فائدة من التلاوة، إذا انتفى الحكم فلا فائدة من التلاوة. وهذا قصور عن معرفة أحكام الشريعة وجهل كبير بكتاب الله جل وعلا؛ لأن المنسوخ حكمه الباقية تلاوته -يعني الباقية تلاوته في كتاب الله- لا ينكره من له أدنى قدم في العلم. وسيأتي ذكر -يعني الحكم- من ذلك من كونه موجودا في المصحف؛ فإنه يستفاد منه التلاوة والقراءة. وكذلك أيضا معرفة فضل الله سبحانه وتعالى بنسخه بهذا الحكم خاصة، إذا كان من الأثقل إلى الأخف. سيأتي إن شاء الله بيان ذلك بموضعه. قال: ومثال نسخ التلاوة دون الحكم نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾. قيل: كانت هذه الآية من براءة -يعني التوبة-، وقيل: من الأحزاب. كما عند النسائي والحاكم من حديث أبي بن كعب، وفي حديث عمر في الصحيحين، في بعض الروايات حين ذكر حكم الرجم، قال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان -يعني فينكر الرجم-، ثم ذكر وقرأ: ﴿الشيخ والشيخة﴾ الآية. وفي رواية أخرى لم يذكر هذه الزيادة، لم يذكر لفظ الآية. قال الحافظ: ولعله تركها عمدا. قال: فقد أخرجها النسائي، ثم قال: ولا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث ﴿الشيخ والشيخة﴾ إلا سفيان -أحد السفيانين-، الثوري أو من عينه. قال: وينبغي أن يكون وهم في ذلك. ثم ذكر عدا من الأئمة رووه عن الزهري ولم يذكروها، لم يذكروا لفظ الآية. قال: ثم ذكر أنها وقعت في موطأ الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر. وأيضا من طريق علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس به. وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة. والشيخ الألباني رحمه الله يصحح هذه الروايات في الإرواء في المجلد الثامن صفحة أربعة. طيب، فعلى هذا -على تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله- تكون ثابتة هذه الآية أنها كانت -يعني أو هذا- هي لفظ آية الرجم، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها. قال: ومنه نسخ تلاوة آية خمس رضعات عند الشافعي ومن وافقه. ومنه -يعني من نسخ الحكم وبقاء اللفظ- نسخ تلاوة آية خمس رضعات عند الشافعي ومن وافقه. ومثال نسخ الحكم دون التلاوة، وشيء من ذلك الدليل بالنسبة لبقاء حكم إثبات الرضع بخمس رضعات. قال: ومثال نسخ الحكم دون التلاوة آية العدة المذكورة آنفا -يعني عدة المتوفى عنها زوجها-: ﴿والذين يوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾. نسخ هذا الحكم بقول الله: ﴿والذين يوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. فهذه نسخ حكمها وبقي لفظها، رسمها ما زال موجودا في المصحف، يتلوه ويقرأ، لكن الحكم منسوخ. قال: وهو أغلى ما في القرآن من النسخ -يعني أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ- هذا هو الأغلب. قال: ومثال نسخهما معا -يعني اللفظ والحكم- نسخ آية عشر رضعات. ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: فيما أنزل من القرآن فيما أنزل من القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات يحرمن﴾، ثم نسخنا بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن. فقولها: كان فيما أنزل من القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات يحرمن﴾، ثم نسخنا بخمس معلومات، نسخ حكم الرضاع -إثبات الرضاع بعشر رضعات-، نسخ لفظها ونسخ حكمها. ثم الناسخ هو خمس رضعات، كانت -كان لفظها موجودا- كان لفظ الآية التي فيها التحريم -رضع بخمس رضعات- موجودا، لكنه نسخ. ولهذا قالت: وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يتلى -فيما يقرأ من القرآن- يعني: كان بعض الصحابة يتلوها. وهذا لكون لم يبلغه النسخ، كما قال البيهقي رحمه الله: يتلوه من لم يبلغه نسخ تلاوته. بقيت تتلى حتى تركت بعد ذلك، لكن بقي الحكم وهو إثبات الرضاع بخمس رضعات. قال: تنبيه: يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا المبحث ثلاثة أسئلة. الأول: أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم؟ فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله؟ المدلول يعني ما دل عليه اللفظ من حكم، يقال لهذا اللفظ دليل، وما دل عليه مدلول. يعني مثلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، تقول: مدلول هذه الآية وجوب الصيام، والآية تسمى دليل. قال: لأن هذا يلزمه الدليل بلا مدلول -يعني أن يوجد الدليل لكن مدلوله منسخ- قال: وهو محال؛ إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول. طبعا هذه الاعتراضات من اعتراضات المعتزلة؛ أن المعتزلة أنكروا هذا النسخ -هذا النوع من النسخ- نسخ التلاوة ويبقى الحكم، أو نسخ الحكم ويبقى التلاوة. ووافقوا في الثالث وهو نسخ الحكم والتلاوة. قال: الثاني: أن يقال: تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؟ لأن الحكم فيه لم يرفع. هذا اعتراض آخر واضح مرة في تعريف النسخ أنه رفع -رفع الحكم- نعم. وفي نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، أو في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم هنا لم ينسخ الحكم، كيف نقول أن النسخ رفع للحكم؟ كان يقول هكذا -يعني كيف نقول أن النسخ رفع للحكم وهنا نسخ التلاوة وبقي الحكم- ومع ذلك سمي نسخا. الثالث: أن يقال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليتلى ويثاب عليه؟ فكيف يرفع إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته؟ هذا الاعتراض الثالث واضح. الجواب عن السؤال الأول هو أن لا نسلم كون اللفظ دليلا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنما يكون دليلا عليه عند انفكاكه عما يرفع حكمه. فإذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص. يعني يقول: بأن الدليل إذا نسخ حكمه فحينئذ لا يكون الدال على هذا الحكم، لا يكون دالا على هذا الحكم. فإذا كان الأمر كذلك فالاعتراض باطل، كون حكمه قد نسخ وبقاء لفظه؛ لأنه حينئذ لا حكم له، حكمه ملغي، حكمه ملغي ومرفوع لا يعمل به. قال: وإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقا، وتلاوة ذلك اللفظ وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكام شرعية من أحكام ذلك اللفظ. وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ. يعني أن الحكم ليس فقط فيما دلت عليه الآية، فيتعلق بالآية أحكام كثيرة: كونها -يعني مكتوبة في المصحف-، انعقاد الصلاة بها لو قرأها الإنسان في الصلاة أجزأته. طيب، هذه أحكام شرعية تتعلق بهذه الآية. فإذا نسخ حكمها ليس معناها نسخ كل ما يتعلق بها من أحكام، إنما يتعلق ما دلت عليه من حكم فقط، ويبقى ما دلت عليه من أحكام أخرى على أصلها: من تلاوتها وقراءتها في الصلاة، وصول الإجزاء بذلك، وكونها آية من المصحف، يجب الإيمان بأنها -يعني موجودة في كتاب الله- إلى آخره. قال: في المراقي: وكل حكم قابل له، وفي نفي الوقوع الاتفاق قد قفي -قفي خبر والاتفاق مبتدأ-، والمعنى: أن وقوع الاتفاق أن النسخ لم يقع على جميع الأحكام الشرعية. وكل حكم قابل -يعني النسخ له-، وفي نفي الوقوع -يعني وقوع الاتفاق على نسخ جميع الأحكام- قد قفي -يعني وقع الاتفاق على ذلك- أنه لا يمكن نسخ جميع الأحكام الشرعية. قالوا: إذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ: كالتحريم والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخرى من أحكامه لم تنسخ: كالصلاة والتعبد بتلاوته. فآية الاعتداد بحول -مثلا- نسخ ما دلت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أخرى من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة وكتابتها مع القرآن في المصحف. وهو واضح كما ترى. قالوا: الجواب عن السؤال الثاني هو أن نسخ التلاوة فقط معناه نسخ التعبد بلفظه، والصلاة به، وكتابته مع القرآن في المصحف. وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ. فآية الرجم -مثلا- لا مانع من نسخ التعبد بها، والصلاة بها -يعني قراءتها وتلاوتها- هذا نسخ، وكتبها في المصحف -وكتبها في المصحف- مع بقاء حكم آخر من أحكامه لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين -كما تقدم- مثله الزانيين المحصنين -يعني الذين قد تزوجا وحصل لهما الوط بنكاح صحيح-. قال: فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: هذا منسوخ تلاوة لا حكما؟ منسوخ تلاوة لا حكما؛ لأنه يفهم منه أن نسخ التلاوة مناف لنسخ الحكم. فالجواب: أن الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم: لا حكما، غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأنه أحكام قد نسخ بعضها دون بعض، كما تقدم قريبا. واضح الجواب: أن الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم: لا حكما -يعني في قولهم منسوخ تلاوة لا حكما- غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأن أحكام قد نسخ بعضها دون بعض. يعني الآن هذه الآية لها عدة أحكام. طيب، منها كونها آية في المصحف، ومنها التعبد بها، ومنها تلاوتها، قراءتها في الصلاة. طيب، منها ما دلت عليه من أحكام. فلما يقول: منسوخ تلاوة لا حكما -يعني نسخ تلاوته- أي: لا يقرأ لا في الصلاة ولا خارج الصلاة؛ لأن رسمها قد نسخ. لا حكما -يعني لا ما دلت عليه من حكم- حكمها ثابت. مثل آية الرجم، فآية الرجم منسوخ تلاوة لا حكما، حكمها باقي، لكن نسخ تلاوة هذه الآية وقراءتها والاعتماد عليها أو إجزاؤها في الصلاة هذا منسوخ. آية منسوخ تلاوة، وكان معروفا عند القراء جدا، ولكن كيف منسوخ تلاوة ما له؟ آية منسوخ تلاوة إذا كان معلوما عند القراء هذه الآية: ﴿الشيخ والشيخة﴾ تقرأها؟ لا، لا يسمى من القرآن، خلاص لا توجر، لا تدور من القرآن، النسخة خلاص رفعت، لا تعد قرآنا، لكن الحكم باق. قال: الجواب عن السؤال الثالث هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكما إنما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ معين ليثبت به الحكم ويستقر. والحال أنه هو المقصود، فلا مانع من نسخ اللفظ؛ لأن المقصود هو مجرد الحكم. فإن قيل: فإن جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكم معها؛ لأن الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟ فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلت عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلت عليه؛ لأن تعتبر هذه أحكام متعددة ومتفرقة. قال: فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة كالأحاديث؟ هل يستدل بالأحاديث؟ أدلة يستدل بها في إثبات الأحكام، وهل تقرأ في الصلاة؟ الجواب: لا. فنجعل هذه الآيات التي نسخ حكمها بقي حكمها، ونسخ لفظها كالأحاديث التي يؤخذ بحكمها ولا يؤخذ بلفظها -يعني تلاوة وقراءة وإجزاء في الصلاة- نقول: هذه الآيات كذلك نعم. قال: والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوة في القرآن. والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، النسخ لا يرفع ورودها ونزولها، وإنما يرفع حكمها أو يرفع لفظها. يرفع لفظها لكن كونها نزلت هذا لا شك فيه إذا ثبتت الآية أنها التي نسخ لفظها. قال المؤلف: فصل: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال إلى آخره. قال: حاصل إيضاح هذا المبحث باختصار: أن التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. فإن قيل: فما حكمة الأمر الأول إذا كان ينسخ قبل التمكن من الفعل؟ فالجواب: أن الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء: هل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أولا أو لا؟ هل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أو لا؟ أو لا يظهر الطاعة؟ ودليل هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه؛ فإنه نسخ عنه ذبحه قبل التمكن من فعله، وبين الله تعالى أن الحكمة في ذلك هي ابتلاءه: هل يتهيأ لذبح ولده؟ فتهيأ لذلك وتله للجبين. ولذا قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾، وفديناه بذبح عظيم. وهذا واضح كما يترى. وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلنطيل الكلام بها. نعم، المعتزلة أنكروا هذا النوع من النسخ -نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال- ماذا قالوا؟ لأن هذا خلاف ما يحسنه العقل على زعمهم. ولا شيء يظهر من -يعني من الحسن- من نسخ الأمر قبل التمكن من فعله. ولا شاعر أجاز لماذا؟ لأنهم ينفون الحكم والعلل. قال: يجوز ولو لحكمة؛ لأن أفعال الله ليس لها حكم أصلا، فيجوز أن -يعني ماذا- أن يأمر بالشرك وينهى عن التوحيد. وإذا جاز ذلك جاز أن ينسخ الأمر قبل التمكن من فعله. لكن كما سمعنا الصواب هو الثبوت، والحكمة منه الابتلاء. الحكمة منه الابتلاء. طيب، نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.