المحاضرة بعنوان التحذير من فتنة القبور، والتي كانت بعد صلاة المغرب بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17محرم 1445هـ الموافق 4 أغسطس 2023م ألقاها منوع
يستهل الخطيب بالحمد والثناء على الله ويشكر الداعمين، ثم يستعرض معاناة الأنبياء وخصوصاً النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة وما لاقاه من أذى وحبس ورمي بالحجارة. ويبرز ثبات الصحابة وصبرهم على التعذيب من أجل إقامة التوحيد.
يهاجر الصحابة تاركين أوطانهم وأموالهم لإقامة دعوة التوحيد، وفي سكرات الموت يحذر النبي ﷺ الأمة من اتخاذ القبور مساجد كما فعل اليهود والنصارى. يستدل بأحاديث صحيحة تنهى عن البناء على القبور وتأمر بتسويتها حمايةً للتوحيد ومنعاً للشرك.
يحذر المتحدث من بناء القباب والمساجد على القبور وتحويل زيارتها إلى مواسم أعياد، مستدلاً بأحاديث نبوية تُعدّ ذلك من شر الأعمال. ويؤكد أن الزيارة الشرعية تقتصر على السلام والدعاء للموتى، داعياً إلى نشر التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة لوقاية الناس من الشرك.
يختتم المتحدث كلمته بالدعاء إلى الله بالتوفيق والسداد للجميع بما يصلح حال البلاد والعباد، مع شكر الحضور على حسن الاستماع. ويؤكد أهمية التعاون المشترك في نشر دعوة التوحيد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزغ عنها إلا هالك. عباد الله، أيها الآباء، أيها الإخوة، أيها المشايخ والدعاة وطلاب العلم، جزاكم الله خيرًا على نصرتكم لإخوانكم، وعلى نصرة دعوة التوحيد وإظهارها ورفعها إلى هذا المستوى. جعل الله سبحانه وتعالى ذلك في ميزان حسناتكم. وجزى الله المشايخ القائمين على هذه الدار العامرة، الدار التي ترفع راية التوحيد وتحمي جناب التوحيد وتدافع عن التوحيد، زادكم الله شرفًا وقوةً، وأعانكم الله سبحانه وتعالى على ما تقومون به من هذه الجهود العظيمة الكبيرة لنصرة دعوة التوحيد. وهكذا ينبغي علينا أن نكون كذلك، ندافع عن دعوة التوحيد. كم لاقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقامة دعوة التوحيد! دعوا إلى الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار في إقامة هذه الدعوة، وفي الدفاع عنها، وفي نشرها بين الناس، لم ييأسوا. نعم، لم ييأسوا من هذه الدعوة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهط من الثلاثة إلى التسعة، ويأتي النبي ومعه الثلاثة، ومعه الاثنان، ومعه الواحد، ويأتي النبي وليس معه أحد». فبُعث في الدعوة إلى التوحيد، وفي إقامة التوحيد. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، أمره الله عز وجل بإقامة التوحيد، فدعا في مكة ثلاثة عشر سنة، وهو في مكة يدعو إلى التوحيد ويصارع عباد الأصنام والذين يتعلقون بغير الله سبحانه وتعالى. لاقى ما لاقى من أجل إثبات هذه الدعوة ومن أجل نشرها، وصبر. فكانوا قلة في بداية الدعوة، وهو ثابت، ويصيبه ما يصيبه من الحزن ومن التعب ومن العناء من قومه. رمي عليه الصلاة والسلام بالحجارة حتى دميت قدماه في سبيل دعوة التوحيد. حبس في الشعب ثلاث سنوات في سبيل هذه الدعوة، في سبيل دعوة التوحيد. وهكذا لم ييأس عليه الصلاة والسلام. ولاقى الصحابة ما لاقوا من التعب ومن العناء ومن التعذيب في سبيل دعوة التوحيد، وهم في ثبات ورسوخ، صبروا على الأذى من أجل دعوة التوحيد. تركوا أوطانهم، تركوا أموالهم، هاجروا إلى الحبشة. نعم، وهكذا بعد ذلك هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهاجر معه الصحابة، تركوا أموالهم في مكة، تركوا ديارهم، تركوا أهاليهم من أجل دعوة التوحيد. وهكذا هاجروا إلى المدينة، وأقاموا دعوة التوحيد، وأقاموا دولة الإسلام، وقامت الغزوات بين معسكر الكفر ومعسكر التوحيد، تطايرت الرقاب، تطايرت الرقاب من أجل إقامة دعوة التوحيد. وهكذا الدعوة مستمرة إلى توحيد الله عز وجل، حتى والنبي عليه الصلاة والسلام في اللحظات الأخيرة، وفي سكرات الموت، وهو يحمي حمى التوحيد، وهو يحوط بجناب التوحيد، وهو في سكرات الموت عليه الصلاة والسلام. جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، طفق يأخذ خميصة، خميصة ثوب له أعلام، ويضعها على وجهه عليه الصلاة والسلام، فإذا اغتم بها كشفها». اغتم بها، حبس نفسه لأنه تغطى بهذه الخميصة، غطى وجهه. قالت: «فإذا اغتم بها كشفها، وقال عليه الصلاة والسلام: لعنة الله على اليهود والنصارى، لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». انظروا إلى هذه الحماية في سكرات الموت! نعم، وهو يحمي حمى التوحيد، يخبرنا بهذا الخبر: «لعنة الله على اليهود والنصارى». لماذا لعنهم الله؟ لأنهم خالفوا دين الله، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. الأنبياء لا شك أنهم أولياء الله، فهؤلاء بدعوى المحبة لهؤلاء الأنبياء - وهم أنبياء - اتخذوا قبورهم مساجد، يعني بنوا على قبورهم مساجد، مشاهد وقبابًا، يعظمون هذه الأماكن. فعلم من هذا أن هذا الفعل هو من فعل اليهود والنصارى: بناء القباب والمساجد على القبور. دعوة الإسلام في القبور دعوة معروفة، بسطها الأئمة، وبسطها قبلهم الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحيحة. حديث جابر: «نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يُبنى على القبر»، كما جاء في مسلم. كما جاء أيضًا في مسلم: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». في حديث أبي سعيد: «نهى أن يُبنى على القبر». في حديث أبي الهياج الأسدي، حديث علي بن أبي طالب في مسلم: «قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». نعم، دعوة إلى تحطيم الأوثان، وأن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته. كل هذا حماية لحمى التوحيد، حتى لا يعبد غير الله سبحانه وتعالى. أمرنا بزيارتها، وإلا كانت زيارة القبور منهيًا عنها. لماذا؟ حماية لحمى التوحيد، لألا يفعل فيها ما يضاد التوحيد. لكن لما رسخ التوحيد، قال عليه الصلاة والسلام: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». نحن لا نمنع من زيارة القبور، لكن الزيارة الشرعية. جاء في مسلم من حديث أبي هريرة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». هذه السنة: السلام على أهل القبور والدعاء لهم. أما الآن، فشُيدت القبور، وبني عليها القباب، ورفعت. هذا ليس في الشريعة. نعم، هذا ليس في شريعتنا. هذه أحاديث يقرأها القوم وتمر عليهم في البخاري ومسلم، ولكن كأنهم لا يقرؤون شيئًا. جاء في حديث ابن مسعود: «أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن الساعة تقوم على من يبنون المساجد على القبور، وقال: شرار الخلق الذين يبنون المساجد على القبور». انظروا، هؤلاء شرار الخلق. فعلينا أن نعقل، وعلينا دائمًا أن نبين هذه الأمور للناس. والله تأتي النتيجة، تأتي النتيجة إذا كررنا هذه الأمور وذكرنا أقوال الأئمة: الشافعي وأحمد، والأئمة الأربعة، أقوالهم في هذه الأفعال. أعظم قبر على الإطلاق، لو قلنا: ما هو أعظم قبر على الإطلاق؟ قبر النبي عليه الصلاة والسلام. هل فعل الصحابة هذه الزيارات، وطلبوا منهم المدد، وصرفوا لهم العبادات؟ أعظم قبر على وجه الأرض قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن كما سمعنا في كلام المشايخ، دخل على هؤلاء عبادة هذه القبور من محبة الصالحين، كما حصل لقوم نوح. فعلينا أيها الرجال أن نهتم بدعوة التوحيد. هذه الزيارات لا بد أن ننكرها، نعم، بالتي هي أحسن، وبالحكمة، وبالموعظة الحسنة، وبالحجة والبرهان، وبالدعوة الفردية. الدعوة الفردية في أوساط الناس، والبيان بكل ما نستطيع: في المدارس، في الدوائر الحكومية، في المساجد، في المجامع العامة، في وسائل التواصل. لا بد من بيان، لكن بالحكمة. نحن نحب الخير لهؤلاء الناس، والله ما نتكلم بهذا الكلام إلا لأننا نخاف عليهم أن يقعوا في ما يضاد التوحيد، في اعتقاد الدعاء لأصحاب القبور. أما الآن، فأخذت هذه الزيارات مجرى آخر، بالعدة كما يقال، وجعلوا هذا اليوم كالعيد، كالعيد. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم لا تجعل قبري عيداً»، وقبر النبي أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف يجعل أعياد لهذه القبور ولأصحابها، تعود في الحول؟ هذا أمر خطير وأمر عظيم. ينبغي علينا أن نتعاون على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في هداية الناس. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح للبلاد والعباد. وجزاكم الله خيرًا. نتعاون.