الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإمام البربهاري كان قويًا في الحق واشتهر بإنكاره على أهل البدع، بينما أهل البدع ذموا رسالته 'شرح السنة'. كان البربهاري معروفًا بصفاته الحسنة ومواقفه القوية.
تم الرد على شبهة عدم ثناء الأئمة على البربهاري، حيث بين أن سكوت الأئمة قد يدل على الرضا، وذكر ثناء بعض الأئمة عليه. كما تم الرد على شبهة نسبة الكتاب للبربهاري.
تم ختام درس مقدمة الرسالة مع التأكيد على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله، وسيتم الانتقال إلى شرح أصل المتن في دروس قادمة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن شاء الله من هذا اليوم وفي كل أسبوع من ثلاثة أيام فيه نتعرف إليكم، إخواني في الله، على هذه الرسالة والموسومة بشرح السنة للإمام البربهاري رحمه الله تعالى. وقبل الخوض في متن الرسالة، نقف وقفة سريعة حول ما يتعلق بالترجمة للمؤلف رحمه الله تعالى، وكذلك تبيان لما في رسالته من أمور. أولًا، المؤلف هو المشهور البربهاري رحمه الله تعالى، واسمه أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري. والبربهاري نسبة إلى بيع البربهار، والبربهار هو شيء يؤتى به من بلاد الهند، فلبيعه أو لبيع أسرته لهذا النوع سمي بالبربهاري. والعلماء القدماء كانوا يذكرون أن بربهار عبارة عن أدوية يؤتى بها من الهند، وكان في نفسي يتعجب من هذا البهار الموجود في هذه الأيام، لكن لم أجد أحدًا من المتقدمين صرح بهذا. حيث وقفت مؤخرًا على كلام الزركشي رحمه الله تعالى في الأعلام، قال الزركشي لما ذكر البربهاري: "ولعله الآن هو البهارات". قد يكون قديمًا البربهار يستخدم كدواء، ثم أصبح عند الشعوب وعند الناس من المحسنات للطعام، فلا يستبعد هذا. فالحاصل أنهم كانوا يبيعون البربهار وهو البهار، فنسبوا إليه، وهو من علماء أواخر القرن الثالث من أوائل القرن الرابع. وتشير المصادر بأنه بغدادي النشأة والموطن، وكان رحمه الله تعالى قويًا للحق، شديد الإنكار على أهل البدع بيده ولسانه، وكان ورعًا زاهدًا داعيًا إلى السنة. ومن تأمل في التراجم التي ترجمت له يسمع من هذا الشيء الكثير، وله مواقف عظيمة ومقالات مشهورة، وله كذلك امتحانات وابتلاءات، ومع ذلك له كرامات وفضائل ومناقب، ورحمه الله رحمة واسعة. واشتهر صيته في زمنه، كانت العامة والخاصة تعظمه، ومما يدل على ذلك تلك القصة التي وقعت منه رحمه الله تعالى، أنه كان في الجانب الغربي من بغداد فعطس عطس رحمه الله، فتخيل من الذي شمته، ومن ذا الذي قاله: "يرحمك الله"، كل من كان في مجلسه شمته، ثم من عداه، ثم من بعدهم، حتى ضجت بغداد بتشميت البربهاري، حتى وصلت هذه الضجة إلى قصر الرئاسة إلى قصر الأمير، فسأل عن هذه الضجة، ما هذا؟ فقالوا: عطس البربهاري فشمته الناس، أي ماذا ردوا عليه؟ وقالوا: "يرحمك الله". وأدلك على عظم الصيت الذي بلغه هذا الإمام، وهذا الصيت الذي بلغه الإمام هو الذي أوغر قلوب المبتدعة والحساد. حتى أنهم تقربوا إلى حاكم والخليفة ذاك الزمان، وهو الراضي، تقربوا إليه ووشوا إليه بالبربهاري وأنه كذا وأنه كذا، فلا زالوا بالخليفة يغيرون صدره على الإمام حتى وقع الذي أرادوا، فتصور الخليفة عن البربهاري أشياء سيئة، فأمر بحبسه وأمر بإلقاء القبض عليه، فأمر صاحب الشرطة أن ينادي في الناس أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، لا تجتمع بدعة، كان معهم مئات، طلاب العلم منعوا من الاجتماع، ولو كان من طريق شخصين فلا اجتمعان، فألقي القبض على كثير من طلابه، وأما البربهاري رحمه الله تعالى فاختفى واستتر في منزل، بداية أمره كان في الجانب الغربي من بغداد، ثم خرج منه، ثم تحول إلى الجانب الشرقي من بغداد، ثم جاءته المنية وهو في الاستتار، جاءته المنية في الاستتار رحمه الله تعالى. فهذا خلاصة، إخواني، فيما يتعلق بالبربهاري، وهذا طبعًا أمر موجز في حقه، وإلا الفضائل والمناقب ذكرت كثيرة جدًا. يهمنا في هذا الباب، إخواني في الله، كذلك مقدمة للرسالة أن نعلم موقف المخالفين من المؤلف ومن رسالته، من المصنف. أهل البدع تباينت أفكارهم ومعايبهم في ضحض الرسالة وضحض المؤلف، إلا أنهم اتفقوا، أهل بدعة اتفقوا جميعًا على ذم المؤلف وعلى ذم الرسالة، لكن بماذا يذمون؟ ذاك أتى بقول، وذاك أتى بآخر. وأنا في هذا المقام المختصر نأتي بأعظم عيب قام المبتدع بعيب المؤلف وبعيب الرسالة. أما أعظم عيب ظفر به المبتدع في انتقادهم وانتقاصهم للمؤلف رحمه الله تعالى، قالوا: إن هذا البربهاري وجد في زمن كان فيه أئمة، ومع ذلك لم يذكر عنهم أنهم أثنوا عليه أو أنهم مدحوه أو أنهم أشاروا إليه، من أمثال القطيعي رحمه الله تعالى، ومن أمثال كذلك الخلال. بل منهم من ذكر أن عبد الله بن إمام أحمد كان موجودًا في ذاك الزمن وينظر. فالشاهد أن أئمة الزمان كالقطيعي والخلال، وكفى بهم علماء وأئمة ومرجع للأمة، وخاصة في المذهب الحنبلي، أنهم أشاروا للبربهاري، فقالوا: هذا يدلكم على أن هذا الرجل ليس بذاك في العلم، ليس بذاك في العلم. رد العلماء ورد أهل التراجم على هذه الشبهة الضاحكة بأمور، منها: أولًا ينظر في هذا، لأن خاصة هذه الشبهة التي أثارها أهل البدع، فيثبت هل لم يصح عن أولئك الأئمة مقالة عنهم أثنوا عليه ولا ذكروا بخير؟ ينظر. ثانيًا، قال العلماء: وما يدريكم أن عدم النقل عنهم لا يستلزم عدم الثناء، لا يستلزم. فكون هذا لم يشتهر بين الناس بين القاصر والداني، ليس معنى هذا أنه لم يذكره البتة، قد يذكره في مجلس خاص، ذكره في مجلس خاص، لكن لم يتدارس على بثه ونشره. والأمر الآخر، لو افترضنا فرضًا أنه ما أخرجوا حرفًا فيه، هذا لا يؤثر فيه، ليس بلازم. قد يكون إمام الأئمة عنده عشرات ممن مع السنة، صعب أن يعطي لكل واحد كلمة، لقب، لقب، لقب، بفاضل، صاحب سنة، قوي، حفظه الله، جزاك الله. من يحصي ومن يعد؟ فالإشكال ما يقع مثل يقع الإشكال إذا صدرت كلمات من الأئمة في الطعن في حق البربهاري، هنا الإشكال. نعم، لو جاءت عبارة على خلاف أن القطيعي تكلم في البربهاري، هنا الإشكال، أو أن الخلال تكلم في البربهاري، هنا إشكال أعظم. لكن إذا ما تكلموا، هذا ليس بهذا، هذا لا يعتبر قدحًا، بل قد يعكس هذا القول على المبتدعة، ونقول: إن سكوت الأئمة يدل على أنه ماذا؟ قد أقروا هذا الرجل، قد أقروا هذا الرجل. وكما في الحديث، قال الراوي يحكي عن رسول الله ﷺ: "وكنا نرى سكوته رضا"، وكنا نرى سكوته رضا. والسكوت على المعلمات الرضا، فكون أن هذا الإمام موجود في عصرهم وله أتباع وله نفوذ، وما تكلموا عليه وسكتوا عنه، إذن دل ذلك على إقرارهم بماذا؟ بمنهجه. وهذا على خلاف ما أراد المبتدعة أن يبثوه وماذا يعيب به الإمام. زد على ذلك، على أن هناك من الأئمة من ذكر الإمام بخير وثناء عطر، مما قد يوجد عندكم في مقدمة الكتاب، وهي نماذج عن بعض الأئمة. كما قال ابن أبي يعلى رحمه الله تعالى واصفًا ومترجمًا للبربهاري قائلًا: "شيخ الطائفة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين والحفاظ للأصول المتقنين والثقات المؤمنين". ذكر ذلك في طبقات الحنابلة. وأيضًا ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في العبر مترجمًا للبربهاري قائلًا: "الفقيه القدوة شيخ الحنابلة بالعراق"، قال: "وكان له صيت عظيم وحرمة تامة". وذكر كذلك في موضع آخر، قال رحمه الله تعالى، أي الذهبي: "شيخ الحنابلة الفقيه، كان قويًا بالحق، داعيًا إلى الله، لا يقاف في الله لومة لائم". وهكذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى واصفًا هذا الإمام بقوله: "العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ، وكان شديدًا على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر، تعظمه الخاصة والعامة". وهكذا جماعات من الأئمة والحفاظ والعلماء الأفذاذ مدحوا هذا الإمام وعطوه حقه وقدره، ماذا من العلم والديانة والوجاهة، وفي المعتقد، فإذا عرفنا، أخواني في الله، أن ما يذكر من أن الإمام ليس له قدم صدق أو قدم صدق عند العلماء، فهذا كلام باطل. فعلماء كثيرون كثر قد مدحوه وأثنوا عليه. والرد الثاني، كذلك مما يدل على علو قدم الإمام، ما أنتجه وما خلفه للأمة من ثمرة ظاهرة واضحة على يديه، وهو ما خلفه للأمة من طلاب، فقد ربى البربهاري رحمه الله تعالى طلبة نجباء أخذوا العلم منه، ثم وبعد ذلك انطلقوا إلى الناس وإلى المسلمين وأصبحوا مرجعًا من مراجع الأمة. وهذا ما يقع إلا لمن كان له قدم في العلم وكذا قدم في الخير. فممن أنتجهم البربهاري وممن رباهم الإمام ابن بطة العكبري المعروف، صاحب الشرح والإبانة، ويعتبر من طلاب البربهاري، بل قد لازم البربهاري، بل إن ابن بطة رحمه الله تعالى تأثر تأثرًا عظيمًا بشيخه البربهاري. البربهاري ألف هذه الرسالة شرح السنة، فتأثر ابن بطة فألف رسالته على نسق رسالة شيخه، سماها الشرح والإبانة، والذي اشتهر بعد ذلك بالإبانة الصغرى. فابن بطة من هو؟ ما أحد من أهل السنة إلا ويعرف قدره وحقه فيما يتعلق بالمعتقد. فإن علمت أن هذا الإمام عبارة عن ثمرة من ثمارات البربهاري رحمه الله تعالى، تعرف قدر هذا الإمام وهذا الرجل. كذلك هذا عن أهم مسألة، يعني حاول المبتدعة أن يدوروا حولها حول إسقاط البربهاري. المسألة الثانية وهو الطعن في الرسالة، وأعظم مطعن وجدوه في الرسالة أنهم دندنوا على مسألة مفادها أن هذا الكتاب ليس للبربهاري أصلا، وإنما هذا الكتاب لغيره. ومن هو هذا الغير؟ قالوا: رجل اسمه مشهور بغلام خليل، واسمه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب الباهلي. قالوا: إن هذا الرجل غلام خليل هو الذي ألف هذه الرسالة. بماذا توصلوا إلى هذا الحكم؟ توصلوا إليه قالوا: وجد في بعض النسخ في طرته وفي غلافه: كتبه وألفه ونحو ذلك من عبارات التأليف والتصنيف غلام خليل أحمد بن محمد بن غالب الباهلي. قالوا: إذن دل هذا على أنه هذا هو صاحب الكتاب الحقيقي، وليس البربهاري. فطاروا بهذه شبهة أي مطار لإسقاط هيبة الكتاب. لكن رد العلماء عليهم بردود، الرد الأول: أولًا ننظر من هو هذا الرجل الباهلي، هو غلام خليل، ما هو وما كنيته وما كنه حتى نعلم مستواه. من راجع ترجمة هذا الرجل علم أنه لا يخرج عن كونه كذابًا وضاعًا، كذابًا وضاعًا. وكلام الأئمة في هذا مشهور منقول عنه. فمن ذلك ما قاله أبو داود رحمه الله تعالى: "أخشى أن يكون كدجال بغداد". وقال الدارقطني رحمه الله تعالى: "متروك". وهكذا جماعة حكموا عليه أنه بالكذب. فإذا كان هذا حاله، أن رجل كذاب وأنه لا يرتدع وأنه يكذب عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فما ظنك، ما عباد الله، بأمر أنه سهل ميسور يأتي إلى كتاب البربهاري فيمسح اسم البربهاري ويكتب اسمه الباهلي وينشره بين الناس؟ هذا سهل إذا تجاسر على كلام رسول الله بالتكذيب والتصحيف والتحريف، في غيره من باب أولى وأولى أن يحرف وأن يصحف. والأمر الثاني، قال علماء: إن غلام خليل هذا والباهلي، أن كل من ترجم له لم يذكر في ترجمته أنه ألف هذه الرسالة، الموافق والمخالف ما أحد ذكر أن هذا الرجل الباهلي ألف هذه الرسالة. بخلاف البربهاري، فإن البربهاري رحمه الله تعالى كل من ألف له من المتقدمين ومن المتأخرين ومن المعاصرين، كلهم على وتيرة واحدة إذا ترجموا للبربهاري أشادوا وذكروا أن من تصانيفه شرح السنة. ومن من صرح بهذا، مثلا ابن أبي يعلى الحنبلي كما في طبقات الحنابلة، وهكذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بغية المرتاد، وهكذا الذهبي رحمه الله تعالى في رسالته العلو، وهكذا ابن مفلح، وجماعة، كما ابن عبد الهادي، وجماعة من العلماء، وهكذا الزركشي، وصاحب معجم المؤلفين، كثير من العلماء من المعاصرين ومن المتأخرين كذلك ذكروا أن هذا الكتاب هو ماذا مما ألفه البربهاري رحمه الله تعالى. إذن علمنا أن ما يذاع وما يشاع من أن البربهاري لم يؤلف هذا الكتاب، فهذا كذب، مختلق، وإنما هو صاحبه الحقيقي. وهناك كذلك مسألة يقول بعض العلماء من الشراح: إن لعل الذي غير اسم البربهاري ومسح البربهاري وكتب الباهلي، لعل ذلك من فعله بعض النساخ. لعل ذلك من فعل بعض النساخ. وهذا قد يتوقع، وخاصة كما سمعنا من بعض الإلماحات: أن البربهاري ضغط عليه ضغطًا، بل حتى أن الشرطة تبحث عنه، فأصبح في ستر مما كان إلى مكان حتى مات وهو في الستر، لا أحد يدري عنه. فهل يمكن أن يأتي بعض النساخ ويكتب البربهاري وينشره أمام القارئين الناس؟ صعب. فلعل بعض النساخ ما استطاع أن يذكر اسم البربهاري، ولا أراد أن يحرم الأمة من هذا الكتاب وما فيه من مبادئ ومعتقدات ومسائل، فماذا فرأى أن من الأهون أن ينسبه لغيره، أن ينسبه لغيره، فكتب الباهلي ووزعه، وهو يعلم أنه للبربهاري، لكن لهذه المصلحة، خاف على نفسه من القبض ومن الحبس، فآثر أن يحرف وأن يصحف. فهذه، أخواني في الله، ما يتعلق بالطعن بالرسالة. فهذه، أخواني في الله، خلاصة سريعة لما يتعلق بمقدمة للمؤلف والمصنف، وللمؤلف، وعلمنا أنه ماذا؟ للبربهاري. وإن شاء الله في دروس قادمة سندخل في أصل المتن، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.