الدرس في شرح الباعث الحثيث 16، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع تعريف الإمام الترمذي للحديث الحسن في علله مقيداً بثلاثة شروط: سلامة الإسناد من متهم بالكذب أو من في حكمهم، وعدم الشذوذ، وتعدد طرق الرواية. كما يوضح أن الحسن لغيره يتحقق بتقوية الطرق الضعيفة بعضها ببعض حتى تصح للاحتجاج.
يناقش المقطع اعتراض ابن كثير على نسبة تعريف الحسن للترمذي بسبب عدم اطلاعه على نسخة العلل، ويرد العراقي بثبوت النص في سماعاتهم، مع التأكيد أن مناقشة أقوال الأئمة ليست طعناً فيهم، وينبه على عبارة «وجب العمل به» في سياق ابن الصلاح.
يذكر المقطع أن ابن حزم يشترط للعلم جواز العمل مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ويشير إلى موافقة ابن الصلاح له في هذه الحجة في كتابه الإحكام.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في مبحث الحديث الحسن من كتاب شرح اختصار علوم الحديث للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. وكنا قرأنا الكلام حول تعريف الخطابي للحديث الحسن بأنه: «معروف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء». وننقل عن ابن القيم هاهنا فائدة في مسألة استعمال الفقهاء للأحاديث الحسنة وعنايتهم بها. يقول ابن القيم في إعلام الموقعين، في المجلد الأول، الصفحة الثامنة والسبعين: «أبو طاهر السلف له كلمة، يقول: لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يكون فيه ثلاث: سرعة الأكل، وسرعة المشي، وسرعة الكتابة». لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يكون فيه ثلاث: سرعة الأكل، تجري الساعات، تأكل ساعة، تأكل... هذا، وسرعة المشي، وسرعة الكتابة. والشاهد: سرعة الكتابة. طيب، يقول ابن القيم رحمه الله: «وقد احتج أئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده». قلنا: هذه الصحيفة، إسنادها حسن. قلنا: هذه الصحيفة، إسنادها حسب... هذا مثال الحديث الحسن. إسناد هذه الصحيفة حسب... يقول ابن القيم رحمه الله: «وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يُعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى». انتهى كلامه. «فإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى»، انتهى كلامه. ثم ذكر ابن حزم، وذكر ابن حبان رحمه الله، طعن فيها، وشاهد أنه احتاج إليها كما قال الخطابي: «وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء»؛ يحتاجونه. ومن اعتنى بصناعة الفتوى والفقه يرى أن كثيرا من المسائل تحتاج إلى باب الحديث الحسن. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «عنوان: الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، تعريف الترمذي للحديث الحسن». قال ابن الصلاح: «وروينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثا شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك». قال رحمه الله: «وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله، ففي أي كتاب له قاله، وأين إسناده عنه؟» هذا من ابن كثير رحمه الله، هذا الإنكار من ابن كثير رحمه الله. ابن الصلاح يروي هذا بإسناده. يقول الشيخ أحمد شاكر: «قوله: ففي أي كتاب قاله إلى آخره، رده العراقي في شرحه، فقال: وهذا الإنكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع، وهي داخلة في سماعنا وسماع من أنكر لذلك وسماع الناس». ثم ذكر اتصالها للناس من طريق عبد الجبار بن محمد الجراحي، وهذا يدور عليه إسناد سنن الترمذي. عبد الجبار بن محمد يدور عليه إسناد الترمذي عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي، وأنها لم تقع لكثير من المغاربة من المغاربة الذين اتصلت إليهم رواية المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وليست في روايته عن أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد، وليست في روايته عن أبي علي السنجي، وليست في روايته عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي. قال: «ثم اتصلت يعني رواية عبد الجبار بن محمد الجراحي التي في العلل عنه بالسماع إلى زماننا بمصر والشام وغيرهما من البلاد الإسلامية». يقول العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: «أقول: وكلام الترمذي ثابت في سننه المطبوعة، ونصه: ‹وذكرنا في هذا الكتاب حديثا حسنا، فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن›». وقال العراقي بعد نقل عبارة الترمذي: «فقيد الترمذي تفسير الحسن بما ذكره في كتابه الجامع، فلذلك قال أبو الفتح اليعمري في شرح الترمذي: إنه لو قال قائل: إن هذا إنما اصطلح عليه الترمذي في كتابه هذا، ولم يقله اصطلاحا عاما، كان له ذلك». فعلى هذا لا ينقل عن الترمذي حد الحديث الحسن بذلك مطلقا في الاصطلاح العام. الحاصل من هذا أن الكتاب موجود، وفيه كلام الترمذي بنصه وفصه، فلا داعي للإطالة. هذا تعريف الترمذي للحسن، وهو قائم على ثلاثة أمور: الأول: أن لا يكون في إسناده من يتهم، أي يتهم بالكذب. فإذا كان في الإسناد راوٍ قيل فيه: متهم بالكذب، فهل يكون حديثه حسنا عند الترمذي أم لا؟ عندك يا أخي: إذا كان في إسناده من يتهم بالكذب، هل يكون الحديث حسنا عند الترمذي؟ لا يكون حسنا. وينبغي فهم هذا الكلام فهما واسعا. فقوله رحمه الله: «أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب» يشمل الطبقة كلها، فلا يكون في إسناده من هو في طبقة من يتهم بالكذب، سواء كان ضعيفا جدا أو سيء الحفظ أو نحو ذلك. فكل من كان حديثه ضعيفا جدا فلا يصلح أن يكون حديثه حسنا عند الترمذي، سواء اتهم بالكذب أو لم يتهم بالكذب. فهل فهمنا هذا؟ قول الترمذي رحمه الله: «أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب»، فهم هذه المسألة ليس على وجه التخصيص بحال المتهم بالكذب، إنما هذا عام في كل من يكون بمنزلة من يتهم بالكذب. فلو وجد شخص قيل فيه: ضعيف جدا، أو سيء الحفظ جدا، أو كثير الوهم جدا، فإنه لا يكون حديثه حسنا. هذا معنى كلام الترمذي رحمه الله. إنما ذكر هذا كمثال ليدل على غيره، فضرب المثال لا يعني التخصيص. هذا مثال: عندنا من يتهم بالكذب، عندنا من هو فاحش الغلط، عندنا من هو سيء الحفظ، عندنا من هو كثير الغلط. هذه كلها درجتها أن يسميها العلماء: حديثه ضعيف جدا. هل فهمنا هذا؟ هذا هو الفهم لكلام الترمذي رحمه الله. قال رحمه الله: «ولا يكون حديثا شاذا»، أي ولا منكرا، بأن خالف فيه الراوي من هو أولى منه ثقة وضبطا وصدقا وغير ذلك. فلا يكون هذا الحديث من الأحاديث المعلة، ولا يكون هذا الحديث من الأحاديث المنكرة، ولا يكون هذا الحديث من الأحاديث الشاذة. كل ذلك داخل في كلام الترمذي رحمه الله تعالى في قوله: «ولا يكون حديثا شاذا»، أي في منزلة الحديث الشاذ، وفي حكم الحديث الشاذ. وهذا يشمل الحديث المعل بعلة قادحة، ويشمل الحديث الشاذ الذي خالف فيه الثقة أو المقبول من هو أولى منه، ويشمل الحديث المنكر وهو الذي أنكر على الضعيف إما تفرده به وإما أن يكون ضعيفا خالف من هو أولى منه. كل هذا يكون داخلا تحت شرط: «ولا يكون حديثا شاذا». «ويروى من غير وجه نحو ذلك»، أي يعتضد بغيره، يعتضد بغيره: كمرسل مع مرسل، مرسل مع مرسل، ضعيف مع ضعيف، مع ضعيف مع مرسل، مع إسناد فيه جهالة، فيه إبهام، فيه تدليس، عنعنة مدلس. نظرنا: أربع طرق موجودة، خمس طرق، ما هي هذه الطرق؟ قلنا: هذا الإسناد علته الإرسال، طيب وماذا؟ وهذا الإسناد فيه مجهول، طيب وماذا؟ وهذا الإسناد فيه ضعيف، وماذا؟ وهذا الإسناد فيه عنعنة مدلس، وماذا؟ وهذا الإسناد فيه إبهام راوٍ، مراوٍ، ما شاء الله، خمس طرق. كل طريق فيها علة يضعف بها ذلك الطريق، لكن مجموعها يدل على أصل. مجموعها يدل على أصل. مثل هذا مثل الإنسان الذي عنده أعواد، جاء بالعود الأول فكسر، جاء بالعود الثاني فكسره، جاء بالعود الثالث فكسره، جاء بالعود الرابع فكسره، جاء بالعود الخامس فكسره. جاء في حالة أخرى جاء بالخمسة الأعواد فربطها معا، أراد كسرها فعجز، لماذا؟ لأن كل عود تقوى بأخيه، كل عود تقوى بأخيه، فتعاضدت فصعب كسره. وهكذا: مرسل مع مرسل مع مجهول مع كذا مع كذا مع كذا اجتمعت، قالوا: هذا حديث حسن لغيره. ما معنى «لغيره»؟ أي ليس لذاته، وإنما بسبب اجتماع الطرق. طيب، هذا الرجل مجهول، هل هو متهم بالكذب؟ قلنا: لا، هذا مجهول. طيب، هذا الإسناد الثاني فيه عنعنة مدلس، هل هذا شاذ؟ قالوا: لا. هل هذا منكر؟ قالوا: لا. هل هذا معل؟ قالوا: لا. ما شاء الله. ولهذا تعريف الترمذي هو للحديث الحسن لغيره، تعريف الترمذي هو للحديث الحسن لغيره أو بغيره. وهذا باب من الأبواب العظيمة: باب الحسن لغيره. هل فهمنا هذا؟ هذا باب الحسن لغيره، وهذا موجود، وكلام الترمذي في غاية الدقة، كلام الترمذي في غاية الدقة والإفادة، رحمه الله تعالى وغفر له. إذا فهمنا هذا نرجع إلى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله. قالوا: «وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله، ففي أي كتاب له قاله، وأين إسناده عنه؟» وهذا بسبب أن ابن كثير لم يطلع على نسخة من علل الترمذي، لم يطلع عليه رحمه الله، وربما الرواية التي سمعها ليس فيها كما أبان العلامة أحمد شاكر رحمه الله. قال: «وإن كان فهم من اصطلاحه في كتابه الجامع فليس ذلك بصحيح، فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وهذا يمكن أن يجاب عنه بأن يقال: لا بد من ضبط ما يصطلح عليه في الترمذي. حين عرف لم يعرف الحسن الغريب، وإنما عرف الحسن دون لفظ الغرابة، فالاعتراض عليه بالحسن الغريب كالاعتراض عليه بالحسن الصحيح، وهما خارجان عن محل البحث، والكلام كثير. يقول: «وإن كان فهم من اصطلاحه في كتابه الجامع فليس ذلك بصحيح، فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». هذا غير هذا، فتعريف الحسن كلمة الحسن لحالها، هذا الذي فيه البحث. أما أن يقول: هذا حسن غريب، هذا ليس من الباب، هو قال: غريب. وكذلك إذا قال: حسن صحيح، هذا ليس من الباب، فلا تعارض، فلا تعارض. وسبحان من لا يخفى عليه شيء. المباحثات العلمية، هل هي طعن في الأئمة؟ عندما يناقش قول إمام، هل هذا طعن فيه؟ هذا ليس بطعن فيه، مناقشة الأقوال لا تعني القدحة في القائل، لا تعني القدحة في القائل. سبحان من لا يخفى عليه شيء، سبحان من لا يخفى عليه شيء. الكمال لله سبحانه وتعالى، والناس يؤخذ من قولهم ويترك. هناك نوع آخر من الحسن سيأتي الكلام عليه في كلام ابن الصلاح رحمه الله. فإذا كان لكم شيء وإلا وقفناها. هذا كلام العراقي رحمه الله في التقييد والإضاحة. «المنكر» يعني ابن كثير، «المنكر» يعني ابن كثير. ابن كثير رحمه الله طلع عليه، فاته رحمه الله. لا يعني لو نظر ابن كثير في مسموعاتهم للترمذي، فإن عادة أهل العلم يرغون هذه الكتب بالسماع وبالإجازة، فيأتون إلى شيخ سمع هذا الكتاب فيقولون: نقرأ عليك سنن الترمذي، فيجلسون ويقرؤون: «قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي»، ويسردون الترمذي، يقرؤونه كاملا، ثم يقول لهم الشيخ: أجزتكم بهذا، وتكتب السماع. هذه صفة السماع، هذا كان موجودا إلى أزمان ابن كثير، موجود في زمنه، موجود في زمن العراقي، موجود، موجود. يقول العراقي: «هذا داخل في سماعنا وسماع من أنكر»، يعني ابن كثير هو قبلي في الزمن. العراقي توفي سنة مئتين وأربع للهجرة فيما أذكر، أو مئتين وخمس، توفي، وابن كثير توفي سنة سبعمائة وأربع وسبعين، فالعراقي بعده. ويقول: «هذا في سماعنا نحن، ونحن جئنا بعدك، موجود في الكتب التي سمعناها من الشيوخ، نحن قرأنا سنن الترمذي على فلان وفلان وفلان، وفي سماعه موجود في الكتاب بنص كلام الترمذي وفصله». فيحتمل أن ابن كثير ذهل عن ذلك، ولهذا قال: «هذا داخل في سماعنا وسماع من أنكر»، يعني هذا موجود في أسانيد ابن كثير، لو نظر في أسانيده عن شيوخه وقلب كتاب الترمذي سيقف على الكلام، لكنه خانه حفظه أو سهى عنه نظره، قد يكون أمامه في الكتاب ضاعت تلك الورقة، أو انطوت الورقة، أو فقرأ ورقتين معا، يحصل، يحصل، أو نسي. يجوز أنه نسي، فتجد العالم قرأ كتابا وحفظه، يقال الحديث فيه، يقول: أنا أحفظ الكتاب، لا يوجد فيه الحديث، فيفتح الكتاب ويخرج، فيقول: سبحان الله، لقد نسيته. الإنسان ما سمي إنسانا إلا لأن طبعه النسيان، الإنسان ينسى، والله عز وجل لا يضل ولا ينسى، سبحانه وتعالى. هذا معنى كلام العراقي رحمه الله تعالى. إذا كان لكم شيء إلا وقفناها. أيضا ننبه على ما نبهني عليه الأخ، رزقه الله خيرا، ووجب العمل به. الواو ثابتة، نثبت الواو. أيش كتبنا ذا في اليوم؟ كتبنا أنها زائدة، لا نصوب الآن، نكتب أنها صواب. يعني في ظاهر الكلام: «وجب العمل به»، يعني ما وجب العمل به يكون صحيحا، ما تلقته الأمة بالقبول ووجب العمل به لا بد أن يكون صحيحا. هذا معنى هذه الحجة التي أوردها ابن الصلاح رحمه الله تعالى. وهذا الكلام سبق إليه ابن حزم، فابن حزم يقول: لا يجوز العمل إلا بما فيه علم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي تعمل ما ليس لك به علم، فلا يجوز لك العمل إلا بالعلم. ابن حزم في كتابه الإحكام كرر هذه الحجة أيضا، وهي ما أشار إليه ابن الصلاح بعد ابن حزم. طيب، هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.