الدرس في شرح الباعث الحثيث 52، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع أن من قرأ على شيخ عرضاً يقول «أخبرنا» ولا يقول «حدثنا» لأن الأخير يوهم السماع المباشر، وهذا مذهب الشافعي ومسلم والنسائي وجمهور المشارقة. ويُذكر أن أول من فرّق بينهما ابن وهب، وسبقه ابن جريج والأوزاعي، ويُستحب أن يكون القارئ حافظاً أو النسخة بيد ثقة.
يذكر المقطع ثلاث درجات للقراءة: حفظ الشيخ للكتاب وتصحيح القارئ، الأصل بيد الشيخ والمنسوخة بيد الطالب للمتابعة نظراً، والنسخة مع طالب آخر للمعارضة والراجح جوازها للتيسير. كما يُنقل خلاف العلماء في اشتراط نطق الشيخ بالإقرار أو كفاية سكوت الجمهور.
يقرر جمهور المحدثين جواز الرواية عن الشيخ إذا قرأ عليه الطلبة وسكت، لأن سكوته يُعد إقراراً لا إنكاراً، والساكت المقر كالناطق في الأحكام. ويشبه ذلك بالبيع بالمعاطاة الذي يجيزه جمهور الفقهاء دون تلفظ بالإيجاب والقبول.
إذا قرأ الطلاب كتاباً على الشيخ وسكت عنهم دون نفي، عد ذلك إجازةً لهم بالرواية عنه، ولا يشترط تلفظه بالإذن أو الإجازة الصريحة. ويعمل المحدثون بالرواية عن الشيخ الساكت بعد قراءة الصحيحين عليه دون حاجة لصيغ إجازة لفظية.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام الحافظ المفسر أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي القرشي، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. فرغنا من العرض، القسم الثالث: أن يجوز «أَخْبَرَنَا» ولا يجوز «حَدَّثَنَا»، يعني القراءة على الشيخ، والراوي يذكر صيغة أخذه للرواية عن شيخه عرضًا، أي قراءة على الشيخ، فيقول حينها «أَخْبَرَنَا»؛ يقول «أَخْبَرَنَا» ولا يجوز أن يقول «حَدَّثَنَا» لأنه يوهم السماع، وإنما هو عرض على الشيخ وقراءة عليه، والشيخ لم ينطق، ساكت. فظهر أنه يجوز «أَخْبَرَنَا» ولا يجوز «حَدَّثَنَا»، وبه قال الشافعي ومسلم والنسائي أيضًا، وجمهور المشارقة، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين. هذا هو المعمول به الآن، وهو المشهور عند المحدثين، وهو المعتمد: أن من عرض على شيخ فليقل «أَخْبَرَنَا»، لا يقول «حَدَّثَنَا» لأنه يوهم السماع من لفظ الشيخ، والواقع أنه قرأه من كتابه والشيخ يسمع، أو قرأ على الشيخ من كتابه والشيخ يسمع. قال الشيخ: وقد قيل إن أول من فرق بينهم ابن وهب، عبد الله بن وهب، صاحب الإمام مالك، رحمه الله تعالى وغفر له، أحد الأئمة المعروفين. قال: كان الإمام مالك يزوره في بيته، رحمه الله، وكان يعظمه الإمام مالك، ويقول: هو ممن إذا رُؤي دل على الله سبحانه وتعالى، أو كما قال بهذا المعنى. قال الشيخ أبو عمر: وقد سبقه إلى ذلك ابن جريج، عبد الملك بن عبد العزيز، أحد الأئمة، والأوزاعي، أبو عمر الأوزاعي، إمام أهل الشام، وابن جريج إمام أهل مكة. قال: وهو الشائع الغالب على أهل الحديث، هذا الذي تقدم، عليه العمل. قال: فرع: إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك، فجيد قوي. وإن لم يحفظ، والنسخة بيد موثوق به، فكذلك على الصحيح المختار الراجح. ومنع من ذلك مانعون، وهو عسر. فإن لم تكن نسخة إلا التي بيد القارئ وهو موثوق به، فصحيح أيضًا. صورة المسألة: أن يقرأ على الشيخ كتابه الذي جمعه، والشيخ يحفظ ذلك الكتاب، فيسمع ما يحفظ ويصوب فيما يغلط فيه القارئ. إذا قرأ هذا، جيد، هذا شيء عظيم. طيب. إذا لم يكن الشيخ يحفظ الكتاب: الحالة الثانية، إذا كان في يده النسخة الأصلية، وعند الطالب النسخة المنسوخة عنها، فهو يقرأ، والطالب يتابعه نظرًا في كتابه. هذه درجة أيضًا جيدة، جيدة وقوية. الدرجة الثالثة: إذا كانت النسخة بيد أحد الطلاب ينظر فيها، يعارض هذا الطالب الآخر أيضًا، على الراجح الصحيح أن هذا مجزئ؛ لأن الطالب إذا رأى خطأ نبه، وهذا الغالب. ومع هذا وجد من المحدثين من يتشدد فيمنع هذه الصورة، هو يقول: لا بد أن يكون الشيخ يحمل الكتاب أو يحفظ الكتاب حتى لا يقع الغلط. يقول ابن الصلاح: وهو عسر، يعني الكتب كثيرة، أحيانًا صحيح البخاري، صحيح مسلم، يقرأ وهو كتاب معروف. فإذا قلنا للشيخ: لا تترك الكتاب إذا لم تكن تحفظه، كان فيه مشقة، كان فيه تعب، لا سيما إذا كان الشيخ كبيرًا في السن، طاعنًا في العمر، قد لا يستطيع أن يتابع مدة طويلة، فيناول بعض الناس ويقول لهم: يعني قصوا مع هذا القارئ أو انتبهوا إليه، وهو يسمع هذه المسألة. فالراجح أن المنع فيه عسر ومشقة، والذي عليه عمل أهل الحديث كما أشار ابن الصلاح رحمه الله إلى أنهم يتجوزون في مثل هذا. قال: فرع: ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قرأ عليه نطقًا، بل يكفي سكوته وإقراره عليه عند الجمهور. وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم، وكذلك الشافعية أيضًا يقولون بهذا. وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم: لا بد من استنطاقه بذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من رؤوس الأئمة الشافعية، صاحب المهذب والتنبيه واللمع ونحوها، وابن الصباغ، وسليم الرازي. قال ابن الصباغ: إن لم يتلفظ لم تجز الرواية، ويجوز العمل بما سمع عليه. صورة المسألة: إذا جاء الطالب أو الطلبة إلى ذلك الشيخ فقرأوا عليه، هل يشترط أن يقول الشيخ: نعم، هذا الذي قرأتموه سمعته من شيخنا فلان وفلان وفلان، وقد أجزتكموه أو أذنت لكم بالرواية عني فيما قرأتموه علي؟ هذا إن فعله شيء حسن، لكن إن سكت ولم يتكلم، ونحن نعلم علم اليقين أن هذا الكتاب هو كتاب ذلك الشيخ، فالذي عليه جماهير المحدثين أنه يجوز الرواية عنه؛ لأن سكوته عن إقرار لا عن إنكار، والساكت المقر كالناطق المتكلم في الأحكام، الساكت المقر كالناطق المتكلم في الأحكام. ولهذا في باب البيوع تقدم معنا في دورة سابقة في كتاب البيوع تجويز المعاطاة، وبعض الفقهاء في المذاهب يمنع منه. ما معنى المعاطاة؟ هل يشترط في البيع التلفظ؟ أقول: أشتري منك كذا، فتقول: بعتك كذا، إيجاب وقبول. الجواب ليس بشرط، المعاطاة مجزية. يأتي الإنسان إلى المخبز فيمد مئة ريال، طبعًا بعد أن يسلم، يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيقول صاحب المخبز: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يعطيه مئة ريال، يحط له خمس حبات رغيف ويناوله الكيس، هذا يأخذ الكيس ويتوكل على الله يتعشى أو يفطر. هل جرى بينهم: أطلب منك بمئة ريال رغيف رغيف من عندك؟ فيقول: أعطيتك الرغيف، بعتك الرغيف، فيقول: قبلت، فيقول: أخ، ما في داعي لهذا، الجماعة وهم بالصمت، كل واحد يناول الثاني، هذا يناوله بالصمت وهذا يأخذ بالصمت، كل أمور تمشي. كذلك في باب الرواية: هل يقول الشيخ: هذا كتابي قد أقررت وأجزتكموه، فيقولون: قبلنا روايتك، قبلنا إجازتك؟ هكذا في بعض، بعض الفقهاء يقولون مثل هذا، يقول: قبلنا، قبلنا، قبلنا روايتك، قبل، وهو قد أجازهم. مثل هذا جمهور المحدثين على تركه، هذا لعله من صنيع الفقه، أما المحدثون: إذا قرأوا البخاري على الشيخ وسكت، أرووه عنه، أرووه عنه. قرأوا كتابًا على الشيخ، قالوا: قرأنا عليه كذلك، ولا يشترط أن يقول الشيخ: أذنت لكم، نعم هذا الذي قرأتموه كتابي، فيتلفظ بالرواية أو بالإذن أو بالإجازة، ليس بشرط، مجرد سكوته