الدرس في شرح الرائد في علم الفرائض 42، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الشيخ محمد العيد الخطراوي مفهوم المناسخة لغةً بأنها الإزالة أو التغيير أو النقل، مرجحاً معنى النقل للأقرب للباب، ثم يعرفها اصطلاحاً بأنها موت واحد أو أكثر من ورثة الميت الأول قبل قسمة التركة، مبيناً كثرة وقوع هذا الباب في الواقع حيث تبقى تركات غير مقسمة لعقود طويلة.
تُذكر الحالة الأولى التي يكون فيها ورثة الميت الثاني هم أنفسهم ورثة الميت الأول مع تساوي إرثهم منهما، فيُعتبر من مات بعد الأول كأنهم لم يوجدوا، ويُقسَّم التركة على الورثة الباقين حال القسم، كما في مثال العشرة بنين الذين تعاقبوا موتًا حتى بقي اثنان فقط.
يشرح المقطع حالة "الاختصار قبل العمل" التي تحدث عندما يكون ورثة الميت الثاني هم أنفسهم ورثة الميت الأول دون زيادة، فيُكتفى بجعل الباقين أحياء ورثةً للأول مباشرة، وتختصر المسائل الحسابية الطويلة في مسألة واحدة من عدد الباقين، كما في مثال الهالك عن زوجة وخمسة بنين ماتوا تعاقبًا.
المتحدث ينهي الجلسة الحالية ويعلن أن الدرس سيستكمل غداً بالحالة الثانية التي وصفها بالسهلة، ويختتم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في كتاب «الرائد في علم الفرائض»، وهو من الكتب النافعة المشهورة المتداولة، ولعل الله علم صدق مؤلفه فبارك في كتابه؛ فإنه كان مذكرة لطلاب معهد انتشرت، وها نحن اليوم نقرؤها وقرأناها، ويقرؤها غيرنا، فهذه البركة أمارة على توفيق الله عز وجل لمؤلفها وعلى إخلاصه، إن شاء الله تعالى. يقول الشيخ محمد العيد الخطراوي: «باب المناسخة». هذا باب من الأبواب المهمة، باب المناسخة. قال: «تعريفها: المناسخة مفاعلة من النسخ، وهو لغة: الإزالة، كنسخة الشمس الظلة أي أزالته، أو التغيير، كنسخة الريح آثار الديار، ومنه قوله تعالى: ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾، أو النقل، كنسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه». وهذا المعنى الثالث هو أقرب المعاني إلى باب المناسخة، وهو: انتقال الإرث قبل القسمة إلى مورث آخر، لكون الوارث قد مات، وإذا تعددوا تعددت المسائل في الحل. قال: «واصطلاحًا: هو أن يموت واحد فأكثر من ورثة الميت الأول قبل قسمة التركة». هذا الباب موجود -للأسف- عند كثير من الناس، ربما توجد بعض التركات لها أكثر من مئة وخمسين سنة لم تقسم، من الجد الأول أو الثاني، لم تقسم بسبب كونها أرضًا كبيرة أو عقارًا منوعًا، ووجود إناث في التركة، ووجود شيء من المشاكل، فلا يقسمون تركة الرجل على أبنائه، ثم يموت بعض أبنائه، ثم يأتي أبناؤهم، وهكذا. أحيانًا يكون السبب أن بعضهم يكون عاملًا في الأرض، أرض كبيرة، كل واحد يعمل في جانب معين منها، زراعته، فيتهاونون في القسم حتى يموت الأول والثاني، وأحيانًا تنتقل إلى ثلاثة أجيال: الجيل الأول لم يقسمها ثم ماتوا، ثم جاء الجيل الثاني ولم يقسمها ثم ماتوا، ثم جاء الجيل الثالث، ثلاثة أجيال والتركة على ما هي عليه لم تتغير. هذا موجود، هذا موجود. وقفت على بعض ذلك في بعض المناطق، رأيت ذلك في بعض الحالات، يأتون بأوراق، وإذا بالتركة -سبحان الله- في باب المناسخة متعددة بسبب تأخر قسمة التركة حتى مات الورثة الأول، ثم مات ورثة الآخرين، وهكذا إلى هذا الزمان. قال: «واصطلاحًا: هو أن يموت واحد فأكثر من ورثة الميت الأول قبل قسمة التركة». حالات المناسخة ثلاث حالات. الحالة الأولى -لو قال: الحال الأولى كان أولى وأفصح-: الحال الأولى أن يكون ورثة الميت الثاني هم ورثة الميت الأول مع تساوي إرثهم منهما، كأن يرثوا من الاثنين بالتعصيب. يعتبر الميت أو الأموات بعد الأول لاغية، وكأنهم لم يوجدوا أصلًا، بمعنى أن الهالك الأول كأنه لم يمت إلا على الورثة الموجودين حين القسم. كهالك عن عشرة بنين تعاقبوا موتًا إلى اثنين: هالك، هالك، هالك، عن عشرة بنين تعاقبوا موتًا حتى بقي كم؟ بقي اثنان. وهؤلاء لا يوجد لهم ورثة إلا إخوانهم. هالك، هلك امرؤ، هلك عن عشرة بنين لم يتزوجوا وليس لهم ورثة إلا إخوانهم. مات الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن، وبقي اثنان فقط، أبناء الميت الأول. نسأل: هل هؤلاء الذين ماتوا لهم أناس يورثونهم؟ قالوا: ليس لهم أحد. هل لهم أمهات؟ قالوا: ليس لهم أحد. هل لهم جدات؟ قالوا: ليس لهم أحد. طيب، ماتوا عن أبيهم؟ قالوا: نعم. من ورثهم؟ قالوا: إخوانهم. يقول المؤلف: «تختصر المسألة كأن الهالك الأول لم يمت إلا عن ابنين». وهذا اختصار قبل العمل، من غير ما تعمل جامعة لكل واحد، فتعمل عشر جوامع أو إحدى عشرة جامعة، لا داعي لذلك. يقول رحمه الله: «فالمسألة من اثنين، ولا اعتبار لمن ماتوا بعد الأب». فتقول: أصل المسألة من رؤوسها، كم عدد الباقين؟ قالوا: عددهم اثنان. أصل المسألة من اثنين، لكل واحد واحد، انتهت المسألة. هذه المسألة إذا كانوا لا يريد... إذا كان الورثة له هم نفس الموجودين من غير زيادة. قال رحمه الله: «ولا بأس أن يكون فيهم صاحب فرض واحد، بشرط أن يكون من ضمن الأموات ثانيًا». كهالك من ضمن الأموات ثانيًا، كهالك عن زوجة وخمسة بنين، هي أمهم، ثم توفيت الزوجة، وتعاقب الأبناء بالموت إلى أن بقي منهم اثنان. نفس المسألة: الزوجة أمهم ماتت بعد أن ورثت أباهم، وهم ورثوا أمهم. كهالك عن زوجة وخمسة بنين، زوجة وخمسة بنين، ورثوا من ورثوا أباهم. هذه الزوجة هي أم الخمسة، ثم توفيت الزوجة، وتعاقب الأبناء بالموت إلى أن بقي منهم اثنان، فالاثنان هؤلاء يرثون أمهم ويرثون أباهم، فالتركة كلها نصيب هذين الاثنين. قال: «فمسألتهم كذلك من اثنين، وتسمى هذه الحالة بالاختصار قبل العمل؛ لأنك لو رحت تعملها بطريق غير هذا، وجعلت لكل ميت مسألة، لصحت من عدد كثير، ثم ترجع بالاختصار إلى هذا العدد القليل». إذن، أول حالة من حالات المناسخة: تنظر، هل ورثة الثاني هم ورثة الأول أم يختلفون؟ فإن كانوا نفس الورثة، لا داعي لجعل المسائل، اجعل الموجودين هم ورثة الأول الذي مات، واختصر المسائل قبل العمل، اختصر المسائل قبل العمل. طيب، نقف هنا إن شاء الله تعالى، ونقرأ غدًا الحالة الثانية، وهي سهلة. هذا باب سهل يسير، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.