أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 3

أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 3

الدرس في أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفات أهل البدع في التعامل مع النصوص

يتحدث عن صفات أهل البدع والأهواء في تعاملهم مع النصوص الشرعية، حيث يأخذون بالمتشابه دون المحكم ويبتكرون مصادر أخرى غير الكتاب والسنة. ينتقد أيضًا التقليد الأعمى لزعمائهم ورؤسائهم.

خطورة التقليد الأعمى والادعاءات الكشفية

يتناول خطورة التقليد الأعمى وأثره في انحراف الناس عن منهج الكتاب والسنة، وينتقد ادعاءات بعض المتصوفة بالكشف والإلهام كوسيلة للتشريع. يشير إلى أن بعض الجماعات تجعل من البيعة والتقليد أصولًا تزاحم الشريعة.

تقديم الشرع على العقل وتجنب الابتداع

يُناقش خطر تقديس العقل وتقديمه على نصوص الشرع، ويحذر من اتباع المبتدعة الذين يردون الأحكام الشرعية بحجة عدم توافقها مع العقل. يؤكد على وجوب تقديم الشرع على العقل عند التعارض ويحدد مقام العقل في التعامل مع الشرع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في الأمر الأول من سِمة وصفات أهل البدع والأهواء، ما يكون من أمر تعاملهم إزاء النصوص الشرعية. فكان من صورة ذلك ما كان من الجرأة في الرد، ومثلنا لبعضهم. وهكذا ما كان من عبثهم، ثم تطرقنا تحت بند العبث ما يكون من بعض صور ذلك، كأن يأخذ من بعض المصادر دون البعض، فيأخذ القرآن دون سنة، أو يأخذ من بعض السنة دون بعضها، أو أنه يأخذ ببعض النصوص دون بعضها، فيتخير ما شاء موافقًا لبدعته. وهكذا من عبثهم ما كان من تحريف النصوص، إما تحريفًا لفظيًا وإما تحريفًا معنويًا. وهكذا ما كان من أمرهم من كتمان النصوص التي ليست لصالحهم، يعلم أن هذا الحديث حجة عليه، فماذا يفعل؟ يجعله في الدرج، يفعله في الدرج، أهذا هو الإنصاف؟ أهذا هي التقوى؟ أهذا هو البحث عن الحق؟ هذا يا عبد الله فعل أهل بدع والأهواء، أنه لا يخرج للناس إلا الذي يريد أن يسمعوا، وأما ما كان فيه حجة عليه وإدماغ لبدعته، هذا كما أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، تكاتموا ذلك ولا يخرجونه، بل يبغضون إخراجه. كذلك مما يذكر في هذا الباب من باب عبثهم إزاء النصوص الشرعية ما يكون من أمر فعلهم، أنهم لربما يذكرون لنا الأدلة ليس من باب الاعتماد. نعم، يوجد قد يقول: قال يا أخي، أنت لربما تجحف في حق المبتدع، لأن بعضهم يأتي بأدلة القرآن والسنة. نقول: نعم، نعم، بعضهم يأتي بهذا الباب، لكن السؤال هو: هل الإتيان بالأدلة هنا من باب الاعتماد أم من باب الاعتضاد؟ فرق بين هذا وبين ذلك. أهل السنة يعتمدون اعتمادًا كليًا في باب الدين على الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك إذا وجدوا ما يعضد هذه الأدلة أتوا به، مثل أشياء حسية، أشياء واقعية، أشياء اجتماعية، يذكرون الأشياء هنا، وهنا تؤيد هذا الأصل، الأصل الاعتماد على الآية والحديث وما كان من معناه من مسألة الإجماع، ثم يكون الاعتضاد بغيره مما يقوي هذا الأمر. لكن فعل المبتدع على العكس، هو عنده قد اعتمد في بدعته وهواه وطريقته على أشياء في نفسه، فإن جاء بالقرآن أو السنة يأتي بهم من باب الاعتضاد، ويدل على ذلك ما جاء في قوله: وما جاء في سنة رسول الله اعتضادًا لا اعتمادًا عليها. فوجود الآية والحديث إن وجد فذاك، ما يضرني، ما يضرني. وعلى هذا أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على هذه الطريقة السيئة، قال: وأهل البدع سلكوا طريقًا آخر ابتدعوها واعتمدوا عليها، فلا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد. هذا مسلك أهل البدع، إذ أنه قد اعتنق فكرة أصلا مالت له نفسه وهواه ومشتهى، هذا هو الذي يعتمد عليه، فإن ظفر بآية فبها ونعمة، وإن لم يظفر بها فلا أضره. هذا يا عبد الله من فعل أهل البدع في عدم تعظيمهم وتوقيرهم لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. كذلك من عبث المبتدعة في نصوص الشرعية أنهم يأخذون بالمتشابه دون المحكم. القرآن منه ما هو محكم واضح الدلالة، ومنه ما هو متشابه مما خفيت دلالته على بعض الناس. فالمسلم أمر أن يعمل بالمحكم لأنه هو أم الكتاب، وهو الأصل الذي أنزله ربنا جل وعلا، وأسمه أم الكتاب. وأما المتشابه فلا يعمل به، وكما قال سلفنا: المتشابه تؤمن به ولا تعمل به. أي حال الاشتباه كيف تعمل بأمر لم تتضح دلالته؟ فتقف، أو قم بعمل الراسخين في العلم، أن تأخذ هذا المتشابه وتضعه على المحكم فيصير الكل محكمًا. هذا فعل الرسوخ، وهذا هو فعل أهل السنة والجماعة. لكن المبتدعة عكسوا، فهم في باب النصوص الشرعية من عدم توفيق الله لهم، تركوا الآيات المحكمة وأتوا إلى ما تشابه من القرآن فجعلوه أصلًا. وقد صرح ربنا سبحانه وتعالى وبين جل في علاه أن هذا من فعل أهل الزيغ، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فأخذوا التشابه من القرآن ومن النصوص الشرعية. ومن فعل المبتدعة وهم سلكوا هذا المسلك، فكان من فعل أهل البدعة أنهم أخذوا المتشابه من القرآن دون محكمه. وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام بعدما اتلى هذه الآية التي سمعتموها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، قال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. فكن يا عبد الله على حذر ممن يأخذ ما تشابه من القرآن دون الأخذ بمحكمه. هذا يا إخواني في الله شيء مما يذكر من عبث أهل البدع والزيغ في النصوص الشرعية. الأولى ما كان من الرد الصريح، الثاني من اللعب، وقد ذكرنا شيء من ذلك. ثالثًا مما يذكر من تعامل المبتدع إزاء النصوص الشرعية أنهم ابتكروا مصادر أخرى، ما اكتفوا بهذه المصادر الشرعية من الكتاب والسنة، ويلحق بذلك إجماع الأمة كما جاء بذلك الإشارة إليه في نصوص الشرعية. فاستعاضوا واستبدلوا بهذه النصوص الواضحة الصريحة البينة بنصوص أخرى، ترى أنها فيها الغنى عن الكتاب والسنة. وهم في ذلك أشكال وصور، من ذلك من أتى لنا بأمر التقليد، التقليد وجعله مصدرًا من المصادر الذي تتبع في الأمة. تقليد حالك بأن يكون حالك كحال الحيوان أو الدابة أو الشاه ممن تقلد بقلادة، ثم تجر، هذا حال الحيوان البهيمة، جعلها قيد قلادة ثم جرها، تشتري معك، إذا بها يمنى يمنى، يسرى يسرى، اصعد بها جبل فاصعد معك، انزل بها إلى بطن الواد تنزل، لا تخرج عن أمرك وطاعتك. فصنع المبتدعة من أمر التقليد أمرًا متبعًا بين أتباعهم، فطلب من التابع ومن الطالب ومن المريد أنه يستمع لكلام زعمائه ورؤسائه ومشائخه الذين يعظمونهم، بحيث لا يخرج عنهم قيد أنملة، ليس فقط لا تخرج، بل ولا تسأل، ولا تسأل. حتى من عباراتهم في هذا الباب أن قالوا في حق المريد: كن كالميت عند مغسله. رأيتم الميت إذا كان إذا قام المغسل يغسله، كيف يغسله؟ هل الميت يملك لنفسه نفعًا أو دفعًا؟ لا، يقلبه المغسل كيف شاء. قالوا: كن كذلك، دع شيخك يأمرك بما شاء، بما أراد، لا تتخلف عن أمره ولا عن نهيه. حتى قالوا في مسألة السؤال: قالوا: وهذا متبع عندهم في مدارسهم ومعاهد ومجالسهم، قالوا: من قال لشيخه: لم لم يفلح؟ من قال لشيخه: لم لم يفلح؟ إياك أن تتجرع على هذا السؤال، ليش يا شيخ؟ لا، لا تقول، خذ أمرك. فعل عقيدة، من حاجة سلوك. ولهذا تجد من أهل البدع من لو صبت له الأدلة صبًا لقال لك: أنا ما أستطيع أن آخذ بها، لماذا؟ قال: أنا ملزم بمذهب، أنا من الشافعية، يا أخي، لا تأتيني بهذا، أشياء ما نعرفها، أنا شافعي، هذا ديني. والحنبلي يقول كذلك، والحنفي يقول كذلك، وقس على ذلك باقي الطوائف والملل والنحل. فجعل من الأصول التي يسير عليها أهل البدع والأهواء والضلال مسألة التقليد، مسألة التقليد. وهذا الأمر ليس فقط يا إخواني في الله في مسائل المذهبية أو العقدية، بل حتى في مسألة منهجية. فأصحاب الجماعات والفرق والتنظيمات والتيارات أرادوا أن يولدوا هذا الخلق في أتباعهم. فماذا صنعوا لهم؟ صنعوا لهم البيعة، بيعة: حياك الله يا أبا فلان، يا أهلا يا مرحبا بك بين جماعتك وبين إخوانك، لكن نريدك في الغرفة الداخلية. نريدك بموضوع، لا أبد. فيدخل، فإذا بمجلس قد أعد، أحيانًا غرفة مظلمة، أو أحيانًا رجل ملثم، وإذا كان جريئًا كشف النقاب. ما المراد؟ بيعه، بيعنا يا رجل، هذا ماذا؟ على السمع والطاعة على الكتاب والسنة، وعلى فهم سلف الأمة، وعلى كل شيء، زخرف من القول في خاتمها الخاتمة، ولا تخرج عن الجماعة. بايعت؟ قال: بايعت على بركة الله. وعد ذلك يذكر أن هذه بيع في عنقك، لا تخرج عنها. فإن جاء لك الاتصال: اقتل فلانًا، اقتله، لا تخرج عنه، وإلا قال رسول الله: «من أطاع الأمير فقد أطاعني»، من الأمير؟ قال: أمير الجماعة الذي بايعك، أعوذ بالله من الزيغ والضلال والتحريف. والنبي إنما عنى أمير المسلمين، أمير الجماعة، السلطان، أمير البلاد، طاعة ولي الأمر. إذا طاعة هذه الطاعة المبتدعة المخترعة، فأصبحت كل جماعة في عقدها بيع لزعيمها، فلا يخرجون. تأتي له بالأدلة الشرعية، يقول: يا أخي، أدلة طيب، طيب، ما شاء الله، أدلة واضحة مثل الشمس، بس طيب، ما يستطيع أن يضوح. حتى سمعت من بعض المشايخ من مشايخ أهل السنة من صرح لهم أتباع هذه الجماعة، من جاء إليهم قالوا: يا مشايخ، كلامكم على العين والرأس، لكن علينا بيعًا. كما صرح في ذا رسالة للشيخ البرعي حفظه الله تعالى، بين أن من أتباع بعض الجماعة من جاء إليهم: هذا كلامكم حسن، لكن في أعناقنا بيع، قاله شيخ، كثر عن يمينك البيعة تنزل منزلة اليمين، كثر عن يمين، واخرج عن هذا، فنفع الله به. وهكذا الجماعات كل هذا تحت مصب التقليد، يقلدون. فالحاصل إخواني في الله، فالتقليد من هذه المسائل التي أصبحت أصولًا تزاحم الكتاب والسنة. كذلك من ذلك: الكشف والإلهام والرؤى والأحلام، هذه كذلك، وخاصة عند المتصوفة، جعلوها أصولًا من أصول التشريع عندهم. الكشف وتعريفه: وهو انكشاف حجاب الغيب، فيطلع على ما لا يطلع عليه غيره. هذا من أصحاب الكشف، تكشف له الأمور، فيرى فيرى ما لا يراه غيره، ويسمى الكشف عندهم، هذا يعد علمًا من العلوم يحتاج إلى ممارسة، ممارسة تعلم. يقول: قلبك كالمرآة، يستطيع أن يلتقط أي شيء، يسمع أصواتًا ويرى ذوات، يستطيع. تقول أخي: أنا والله ما أسمع شيء ولا أراه. قال أخي: قلبك فيه قاذورات، فيه قاذورات حجبت هذه المرآة، طهر قلبك. فلا زال أحدهم يربي نفسه حتى يصل إلى مقام يسمع أصواتًا، بل ويرى ملائكة، ويبصر أرواح الصالحين. تجد هذا يوجد عند بعضهم، يدعونه يرى ملائكة، يرى أرواح تعج في المكان، هذا هو الكشف. فيطلع على ما لا يطلع عليه غيره، هذا عندهم علم، ترى يسمونهم بالعلم الخفي، ترى يسمونهم بعلم لدني، ترى يسمونه بعلم الباطن، هذه مسميات لعلم الكشف، بحيث أن الإنسان يستطيع أن يطلع ما لا يطلع عليه غيره. وهم يتبجحون بهذه القصص الكثيرة على أن الناس يصلون إلى هذا. فهذا جعلهم مصدرًا من مصادر التشريع عندهم، أن ينكشف له ما لا ينكشف لغيره. ذكر عن أبي سعيد الخراز، وهو يحسب منهم، قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرًا عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأمثاله كلهم على الناس عبء. قال: فناداني، قال: «والله يعلم ما في أنفسكم»، عجيب الآن من الذي يعلم في النفوس؟ الله أم لا؟ هذا صاحب الخرقة؟ الآن صاحب الخرقة علم ما في النفوس. فهمت بالقصة؟ هذا أبو سعيد دخل المسجد فرأى هذا الشحاذ، فقال في نفسه: ما تكلم؟ هذا عيب كلهم على الناس. فناداه صاحب الخرقة من بعيد، قال: «والله يعلم ما في أنفسكم»، من الذي يعلم في النفوس الآن؟ الله أم لا؟ هذا؟ قال أبو سعيد: قال، فاستغفرت الله في نفسي. قال: فناداني، قال: «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده»، صلى الله عليه وسلم، والله العظيم، أيش الكلام هذا؟ قصصك والله على هذا المنوال، يعلمون ما في الصدور، يعلمون ما في الغيوب، ما في حتى ما في الغيب يعلمونه. فينكشف لهم حتى أن اللوح المحفوظ ينكشف لهم، كما في قصة أحمد الرملي، سئل عن مسألة، قال: فأجاب وبين بإجابته أنه ذهب ونظر إلى كتب المشرق، وذهب ونظر إلى كتب المغرب، ثم صعد إلى اللوح المحفوظ، يقول: بهذا كشف، تكشف له الأمور. هذا جعل ماذا؟ مصدرًا من مصادر التشريع، فما يحتاج إلى الكتاب ولا السنة. كذلك بالإلهام، الإلهام بأن الله يلهمهم الصواب، يلهمهم الصواب، فيعرفون ما لا يعرفه غيرهم. فتوحات تفتح لهم، حتى وصل بهم الأمر أنهم لربما يعلمون من علم الله، كما يقول أبو يزيد البستامي، وهو يعيب على أهل الإسلام وعلى أهل السنة خاصة، قال: «أنتم تأخذون علمكم ميت عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت»، نحن نقول: هذا يدعي هذا لنفسه. نحن نقول: حدثني قلبي عن ربي. وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأينه؟ قالوا: مات، عن فلان، وأينه؟ قالوا: مات، أي إسنادكم مسلسل بالأموات، أما إسناده مع الله مباشرة. طبعًا، وهذه كلمة كفر، هذه كلمة كفر. وقد أشار الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري في شرحه لكتاب العلم من صحيح البخاري، نقل عبارة عن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى أنه قال في هذه العبارة: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت»، وكذا قال آخر: «أنا أخذ قلبي عن ربي»، قال: وكل ذلك كفر، باتفاق أهل الشرائع، لأن مؤدى هذا الاستغناء عن الكتاب والسنة، وعدم المبالاة بها، لأنه يأخذ دينه من ربه مباشرة، وهذا هو الزندقة. وهكذا قل يا عبد الله في مسألة المنامات، من يرى أن المنام إذا جاءه من رجل صالح فله أن يأخذ ويعمل به. من المشاهدات والمنامات، وغسوية الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى عن النائم، عن النائم: لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء، هل يجب عليه امتثاله؟ ولا بد، هذا سؤال قرح للحافظ بن حجر وغد ذكره، فقال رحمه الله تعالى: «ثم قال: هل يجب عليه امتثاله ولا بد؟ أو لا بد أن يعرضه على الشرع؟»، قال: «الثاني هو المعتمد، أن يعرض على الشرع، لا عبر بالمنامات»، لا عبر بالمنامات أن تجعل مصدرًا من مصادر التشريع، فتحلل أو تحرم يا عبد الله لنفسك ولغيرك شيئًا مما نزل الله. كذلكم أخيرًا إخواني في الله، ولا أطيل عليكم في هذا المقام، من المصادر التي أوجدها المبتدعة: تقديس العقل، تعظيم العقل، إما ما كان من أمر الفلاسفة أو ما كان من أمر المعتزلة أو ما كان حديثًا من العقلانيين. فدعاة العقلانيين تدور على تعظيم العقل وعلى تقديس العقل، حتى وصل بهم الأمر إلى أن العقل هو الحاكم على الشرع، وأن ما من نصب النصوص للشرع لابد أن يعرض على العقل، فإن وافق العقل قبل، وإلا رد، وإلا رد. ولهذا كم عطلت الكثير والكثير من الأحكام والشرائع والطاعات والعبادات والغيبيات بحجة أنها ما وافقت العقل البشري. ووجد كذلك من المعاصرين على هذه الشاكلة، كأمثال حسن الترابي ويوسف القرضاوي، وكذلك محمد الغزالي المعاصر، ممن يتبنون هذا الفكر، فكرهم يدور على تقديس العقل، فما وافق العقل قبل. فتأتي الأحاديث والأخبار، ولو كان من كتاب الله، ولو من كتاب الله، فأم يردونها بأي رد؟ مثل ما مر معنا في قصة أصحاب الفيل، فأرسل عليهم طيرًا أبابيل، يقول: هذا عن إيش أبابيل؟ طيور، وترمي ما عندنا طيور ترمي هذه، كناية عن أمراض، عن مرض الجدري، هذه كناية عن مرض الجدري. هكذا العقل يتناسب، يتناسب مع العقل، أن نقول للناس أن الذي أصاب أصحاب الفيل هو مرض الجدري، انتشر فيهم حتى هلكوا، وليس عندنا طيور أو حجارة ترمى عبر المناقير. نقول: سبحان الله، وماذا صنعت بهذا؟ أنت ما فعلت سوى أنك خرجت وهربت من إثبات قدرة الله إلى إثبات قدرة الله، وهل أمر الجدري ينتشر في أول من حين وينتشر في جيش عرم ثم يبيدهم؟ أليس هذه قدرة من قدرة الله؟ بلى، إذا دعك يا عبد الله القدرة الأولى، أن الله أرسل طيرًا أبابيل ترمي بحجارة، فما الذي يبعدك؟ ما الذي يعني ينغصك في أنك تثبت ما أثبته الله لكتابه ولنفسه سبحانه وتعالى؟ وهكذا قصة ملك الموت، أحاديث تأتي في الصحيح بأن ملك الموت أتى لموسى فلطمه موسى، قال: لا، لا، ما يصحش هذا، كيف موسى يلطم ملك الموت؟ ردوا الحديث، ردت الأحاديث، ردت كثير من الأحكام الشرعية بحجة العقل. لا يا عبد الله، إذا تم التعارض، فالشرع مقدم، معنى لا تعارض العقل الصريح، يوافق النص الصريح، يوافق النص الصريح، لا تعارض، لكن التعارض عندك أنت. فالله عز وجل أنزل من الشرائع ما تتوافق له العقول، لكن هناك أمور غيبية، سلم أمرك لله عز وجل. في صحيح مسلم، عندما جاء ذاك الرجل، قال: يا رسول الله، إن أخي يشتكي بطنه، فقال له نبينا: «اذهب واسقه عسلًا»، فذهب الرجل وسقى أخاه عسلًا، لكن يبدو أن البطن زادت، فرجع، قال: يا رسول الله، إني سقيت عسلًا فما زاد إلا استطلاقًا. فقال له رسول الله: «اذهب واسقه عسلًا»، فذهب للمرة الثانية فسقى، فزاد، رجع، زادت البطن، زاد الوجع، فرجع، قال: يا رسول الله، إني سقيت عسلًا فما زاد إلا استطلاقًا. قال: «اذهب واسقه عسلًا»، فذهب للمرة الثالثة وسقى، فلا زال في ازدياد في الألم والوجع، ثم رجع، قال: يا رسول الله، إني سقيت عسلًا فما زاد إلا استطلاقًا. قال عليه الصلاة والسلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب وسقه عسلًا»، فسقى فبرئ. برئ، أنت لا تظن أن رسول الله يأتي بما يأتي بهذه الأخبار والأحكام، عبارة عن أمر شخصي واجتهاد نفسي، لا، هو وحي السماء يأتيه من رب العالمين، حتى أتى ما أتى. كأمثال الترابي، يقول: أني إذا جاءني خبر عن رسول الله في باب الطب، وجاء لي خبر عن طبيب نصراني، لأخذته بقول الطبيب النصراني، ولم آخذ بقول رسول الله في باب الطب، لأن الطبيب أعلى من رسول الله في الطب، وإيش هذا؟ لحنا أمام دكاترة، نوازن بينهم؟ أنت أمام نبي، أمام رسول أحباه الله بوحي السماء، أطلعه الله على ما لم يطلع عليه غيره من خلقه. لكن هذا هو التعظيم للعقل، أنك تشكك يا عبد الله في اليقينيات، تشكك في الغيبيات. فالعقل يا عبد الله خلق من خلق الله، محدود، العقل محدود، لا يمكن أن يتجاوز أشياء. فيجعل يا عبد الله عقلك الآن، لو سألتك يا عبد الله عن نفسك التي بين جنبيك، أنت تعيش بنفس، أنت في نفس، هناك نفس تضطر بين صدرك، بدليل أن الميت ميت، عنده ما عندك من الأعضاء، عنده عين، عنده أنف، هذا الجثة الهامدة، عندها نسخة منك، هو هو أنت، لكن لماذا هذا ما يتحرك وأنت تتحرك؟ لوجود الروح. أسألك السؤال: ما هذه الروح؟ لها لون؟ لها شكل؟ شفافة؟ غامضة؟ تكبر؟ تنمو؟ تصعد؟ ترجع؟ تأكل؟ تجوع؟ سل عن الروح، أخبرني عن روحك، لماذا كان إجابة كثير، بل أكثر من الناس، بل كل خلق الله يقول: ما ندري، سبحان الله. يسألونك عن الروح، قل: «الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا». العقل يعجز، يعجز عن فهم الروح التي بين أيدينا، فكيف تريد أن تعرف حقيقة الرب وشريعة رب العالمين؟ لا يمكن. فالعقل يا عبد الله له مقام وقدره، فلا يتجاوز أن يصل إلى أن يكون حاكمًا على شرع الله. فهذا إخواني في الله، بعدما يذكر من مصادر المبتدعة التي جعلوها وأبقوها في أتباعهم تزاحم النصوص الشرعية. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.