الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 499

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 499

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 499، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث أبي أمامة وإسناده

شرح حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده، وتناول إسناد الحديث ورواته وتصحيح لبعض الأخطاء النسخية.

أحكام الصلاة وتأديب الأولاد

تناول أهمية الصلاة وتأديب الأولاد، وأمر النبي بضرب الأولاد على ترك الصلاة لعشر سنين وتأديبهم لتعظيم أمر الله.

الاستدلال بسكوت النبي وتوجيهاته

شرح موقف النبي صلى الله عليه وسلم وسكوته على فعل أبي ذر، واستدلاله بذلك على جواز أو استحسان فعل معين بناء على توجيه عام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل الوادعي في مسند الإمام أحمد: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو ابن مسلم أبو عثمان الصفار البصري، كان من حفاظ الحديث والمتثبتين فيه. وقال الإمام أحمد له: المنتهى في التثبت، وكان الإمام أحمد يسميهم أهل الشكل والنقط. أولا ثلاثة، إن شاء الله تحفظون هذه المعلومة، أولا ثلاثة: عفان بن مسلم الصفار، وحبان بن هلال، وبهز بن أسد، أو كما كانوا يشكلون الحديث حتى لا يخطئوا فيه، فكانوا من قال الإمام أحمد لهم المنتهى في التثبت، أي كان تثبتهم من أعظم التثبت، حتى يشكلون كتبهم خشية أن يلفظوا ألفاظا غير صحيحة. وكان عفان إذا شك في الحرف ترك الحديث كله، معنى ذلك: إذا شك في كلمة في الحديث يترك الحديث كله تورعا حتى لا يقع في الخطأ، وهذا من شدة التثبت. قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وعفان قد روى أيضا عن حماد بن زيد، لكنه من المتخصصين في حماد بن سلمة، روايته عن حماد بن سلمة أكثر، ويعتبر من أوثق الرواة عن حماد بن سلمة. قال: أخبرنا أبو غالب، وهو حزور، قد تقدم الكلام عليه، عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر، وهذا الإسناد بصري: عفان، وحماد، وأبو غالب كلهم بصريون، وأبو أمامة سكن الشام، وهو باهلي، وباهلة قبيلة من قبائل الحجاز، وكان أبو أمامة سيدهم. قال: أقبل، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر معه غلامان، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أخدمونا، فقال: خذ أيهما شئت، فقال: خر لي، فقال: خذ هذا، ولا تضربه، فإني قد رأيته يصلي مقبلنا من خيبر، وإني قد نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وأعطى بذر غلام الآخر، فقال: استوص به خيرا. ثم قال: يا أبا ذر، ما فعل الغلام الذي أعطيتك؟ قال: أمرتني أن أستوصي به خيرا، فأعتقته، قال: هذا حديث حسن. قال الإمام البخاري رحمه الله في الأدب المفرد: حدثنا حجاج، وحجاج هو ابن منهال؛ لأنه هو من روى عن حماد بن سلمة، فأنا من أصحاب حماد بن سلمة: حجاج بن منهال، فإذا قال: حجاج عن شعبة، فهو حجاج بن محمد المصيصي، وكذلك حجاج عن ابن جريج، فهو حجاج بن محمد المصيصي، وكذلك أيضا أحيانا يكون أقل أو أعلى من هذا، وهو حجاج بن الشاعر، وأيضا هناك من هو أعلى من هؤلاء، فأنا في طبقة حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وهو حجاج بن الحجاج، وهو يروي عن ثابت البناني وعن عبد الله بن أبي قتادة وغيره، فهو أعلى، لكن هنا حجاج هو ابن منهال. قال: حدثنا حماد، هو ابن سلمة، قال: أخبرنا أبو غالب عن أبي أمامة، قال: أقبل النبي عليه الصلاة والسلام معه غلامان، فوهب أحدهما لعلي صلوات الله عليه. هذا خطأ، الظاهر أنه من النساخ، والشيخ الظاهر أنه تابعهم، فقول صلوات الله عليه هذا الظاهر من الشيعة، لا شك أنه يجوز أن يدعى لكل مسلم بصلاة الله عليه، لكن العلماء تعودوا على أن هذه الصلاة للأنبياء، فإذا ذكر النبي يقولون: صلى الله عليه وسلم، وأما إذا ذكر الصحابي فيترضون عليه، لكن الشيعة تجد أنهم إذا ذكروه قالوا: عليه السلام، أو قالوا: صلوات الله عليه، وجعلوه مثل النبي، فلهذا تجد في بعض النسخ: صلوات الله عليه، ليس من أصل الكتاب، وإنما يزيدها بعض النساخ من عنده، فهذه صلوات الله عليه ليست من البخاري ولا أيضا من أبي غالب ولا غيره، وإنما هي من بعض النساخ، ولهذا لا تجدها في جميع الروايات، ولو كانت هذه موجودة في الروايات لذكرها العلماء، ولجاءت في جميع الروايات، لكن لم تأت إلا في هذه الرواية في الأدب المفرد، وهذا يدل على أن هناك من نسخ الأدب المفرد زاد هذه العبارة. قال: عن أبي أمامة، قال: فوهب أحدهما لعلي صلى الله عليه وسلم أو رضي الله عنه، وقال: لا تضربه، فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وإني رأيته يصلي منذ أقبلنا، وأعطى بذر غلامه، وقال: استوص به خيرا. قال: فاعتقه، فقال: ما فعل أي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ما فعلت بغلامه؟ قال: أمرتني أن أستوصي به خيرا، فأعتقته، وهذا من فقه أبي ذر رضي الله عنه. قال: هذا حديث حسن، وحجاج هو ابن منهال. والحديث رواه الإمام أحمد، فقال رحمه الله: حدثنا حسن بن موسى، وهو الأشيب، وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة به، وتصحف عنده أبو غالب إلى أبي طالب. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في الصلاة، ومحمد بن نصر إمام من أئمة المسلمين، حافظ من حفاظه، وكان على مذهب الشافعي، قال: ألفت كتابا عظيما في الصلاة، كتاب عظيم لم يؤلف مثله، قال: حدثنا محمد بن يحيى، وهو الذهلي، إمام أهل نيسابور، قال: حدثنا عفان عن حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو غالب عن أبي أمامة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني نهيت عن ضرب أهل الصلاة». قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد بهذا الإسناد مثله، قال: هذا حديث حسن، وحجاج هو ابن منهال. طيب، هذا الحديث في عدة مسائل، من ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يرد من سأله، عليه الصلاة والسلام، وقد عرف بذلك أنه لا يرد السائل، حتى إذا كان معه مال لا يرد سائلا، فجاءه رجلان، فقال: يا رسول الله، أعطنا، فقال: إن شئتما أعطيتكما، وإنها لا تحل لغني، ولا لذي مرة مكتسب. أي يقول لهم: إن شئتما أعطيتكما؛ لأنه لا يرد سائلا عليه الصلاة والسلام، لكن قال: نبههم أن هذه الصدقة لا تحل لغني إذا كان عنده ما يغنيه، فإن الصدقة لا تحل له، ولا لذي مرة مكتسب، أي عنده قوة يستطيع أن يكتسب بها، فهذا لا ينبغي له أن يسأل الناس الصدقة؛ لأنه يستطيع أن يعمل ويكد على نفسه وعلى عياله. وأيضا كذلك في النمرة التي أعطاها عليه الصلاة والسلام، فقال رجل: يا رسول الله، أعطني هذه - أو كان ثوبا فأعطاه إياه - ثم لما قام النبي صلى الله عليه وسلم، قال له أصحابه: لم سألت النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت تعلم أنه لا يرد أحدا؟ فقال: إنما أردت أن تكون معي في قبري، قال: فلما مات دفنوها معه - أي كساء أو ثوب أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلم - جعله لأجل البركة يتبرك به. وأيضا غير ذلك من الأحاديث التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي السائل ما سأل، فلما قال علي: يا رسول الله، أخدمونا - أي نريد خادما من هؤلاء - فأعطاه أعطاه علي، فقال: خر لي، أي اختار لي، فقال: خذ هذا، وهذا من النصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه: أن الإنسان إذا استنصح أخاه ينبغي أن ينصح له، يأتي له بما يعرفه، سواء كان في أمر البيع والشراء أو في أمر الزواج أو في غير ذلك من هذه الأمور التي يكون فيها إقدام الشخص فيها، فإن لم يوفق أو إلى الاختيار الصحيح فإنه سيندم بعد ذلك، فقبل الندم لا بأس أنه يستشير من هو أعرف بمثل هذه الأمور، فإذا أراد مثلا عنده تجارة فيستشير من يعرف هذه التجارة، عنده مثلا زواج يستشير من يعرف من سيتزوج، وهكذا، فاستشارة الناس طيبة في هذه الأمور، في أمور الدنيا، أما في أمور الآخرة فلا يستشير إلا أهل الآخرة، يستشير العلماء وغيرهم. فقال علي: يا رسول الله، أخدمونا، قال: خذ أيهما شئت، فقال: خر لي، فقال: خذ هذا، ولا تضربه، فإني قد رأيته يصلي مقبلنا من خيبر، وإني قد نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وهذه فائدة عظيمة، فيها: أن الإنسان لا يضرب أهل الصلاة، وهذا سواء كان في العبيد أو في الأولاد أو في الزوجات أو في غيرهم مما له الإنسان الحق أن يضربه، فمثل الأولاد إذا كان يصلي يحاول أن لا يضربه على أمور الدنيا، أن لا يعنفه بأمور الدنيا، فيضربه عليها، وأمور الآخرة لا يكلمه فيها، أن بعض الناس تجده إذا أخطأ ولده في أمر من أمور الدنيا يقوم عليه ويشد عليه ويضربه ضربا قد يكون حتى مبرحا، ضربا شديدا، بسبب أنه أخطأ في شيء من أمور الدنيا، إما امتحان وإما كذا من معاني علوم الدنيا، وإذا أخطأ أو وإذا لم يصل لم يكلمه ولم يضربه، وإنما إن كان فيه خير قال له: لا تترك الصلاة، فهذا خطأ. لكن إذا رأيته يصلي فلا تضربه في أمور الدنيا حتى يعظم أمر الله، لكن إذا ترك الصلاة فإنك تضربه لأجل الصلاة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي وعائشة وعمرو بن معبد الجهني وغيرهم من الصحابة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «واضربوهم عليها لعشر»، أي اضربوا هؤلاء الأولاد إذا تركوا الصلاة، وهذا فيه أهمية الصلاة؛ لأنه إذا ضرب لأجل الصلاة عظمت الصلاة في نفسه، وعرف أن الصلاة شيء عظيم لا بد أن يحافظ عليه. لكن إن كان تضربه لأجل الدنيا ولأجل أمور الدنيا والصلاة لا تضربه عليها وهو يفرط فيها، فتجد أنه يعظم الدنيا بعد ذلك أكثر من تعظيمه للصلاة، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإني قد نهيت عن ضرب أهل الصلاة»، فإذا كان يصلي فلا ينبغي لأبيه أو لسيد كان عبدا أن يضربه في غير الصلاة، لكن له أن يهدده، له أن ينصحه، له أن يبين له بالكلمة الطيبة وغير ذلك، لكن لا يضربه، يحاول أن لا يضربه، إلا إذا كان أراد أن يؤدبه من ناحية أخلاقية، أنه عنده أخلاق ليست طيبة، فهذا لا بأس، بل أحيانا قد يكون واجبا إذا كان تعلم بعض الأخلاق الخبيثة أو الشريرة، فلا بد أن يؤدبه، لا يتركه هكذا وبدون تأديب، فإن أدى إلى أنه يضرب يضرب أدبا. وقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يضرب أحدكم أكثر من عشر أسواط إلا في حد من حدود الله»، لا يضرب أكثر من عشر أسواط إلا في حد من حدود الله، أنه إذا تجاوز حد الله من الأمور التي يكون فيها الحرام، فهنا لا بأس أنه يضرب حتى قد يزاد على عشر أسواط، وأما إن كان في أمر ليس من الحرام، فإن اضطر إلى ضربه فلا يضربه أكثر من عشر أسواط، فهذا معنى الحديث على الصحيح. وأما من فسره في حد من حدود الله أي الحدود المقدرة، فليس صحيحا، كما قال شيخ الإسلام ابن القيم وغيره: أنه قد جاء في الشرع تسمية الحرام حدا، وقال الله عز وجل: «تلك حدود الله»، وكل محارم الله عز وجل حدود، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يضرب أحدكم أكثر من عشر أسواط إلا في حد من حدود الله». ولهذا كما قلنا: إذا اضطر إلى الضرب يضرب، وخاصة كما قلنا في الشرع، وإلا الأصل أنه لا يضرب أهل الصلاة. وأيضا كذلك قد جاءت هذه الرواية: «إنه نهي عن ضرب أهل الصلاة» في عدة أحاديث، جاء من حديث أبي هريرة أيضا كذلك، وجاء من حديث عمر بن أبي سلمة مرسلا، وعمر بن أبي سلمة يعتبر صحابي، يعني مرسل يعتبر مرسل صحابي؛ لأن عمر بن أبي سلمة صحابي لكنه صغير. قال: «وإني قد نهيت عن ضرب أهل الصلاة»، وأعطى بذر الغلام الآخر، وقال: «استوص به خيرا»، وهذا أيضا من النصيحة، أنك تنصح المدرس أو المعلم أو كذلك من يكون على أناس يرعاهم أنه يستوصي بهم خيرا، يستوصي بهم خيرا. فأبو ذر رضي الله عنه لما أخذ هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففكر فيها أي شيء هو خير له في هذا، فرأى أن العتق هو خير، ولا شك أن تفسيره عظيم وأيضا صحيح؛ لأن اعتاق العبد هو أفضل ما يكون للعبد، أفضل خير يقدمه للعبد هو أنه يعتقه، فلما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوص به خيرا»، فأعتقه، فقال: يا أبا ذر، ما فعل الغلام الذي أعطيتك؟ قال: أمرتني أن أستوصي به خيرا، فأعتقته، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سكوته يدل على أنه أقر أبا ذر على ما فعل، فهذا شيء مما يؤخذ به هذا الحديث. والله تعالى أعلم.