شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 6

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

آداب طالب العلم في الاعتراف بالجهل وقول «لا أعلم»

يشرح المقطع وصية الناظم لطالب العلم بالتواضع وعدم التعجل في الإجابة عما لا يعلم، مستدلاً بقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم» وآية ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾. ويؤكد أن الاعتراف بالجهل من تمام العلم وحسن الأدب، وأن التكلف في الفتيا بغير علم مذموم شرعاً.

أدب العالم في قول «لا أدري» وتواضعه لله

يبرز المقطع أهمية تعليم العلماء لطلابهم الاعتراف بالجهل بقول «لا أدري» كما فعل الإمام مالك عندما سئل عن مسألة بعد سفر طويل فأجاب: «لا أحسنها». ويبين أن هذا المسلك يعكس التواضع لله، ويورث الثقة بأن الله يكرم من يتواضع فيفتح عليه من العلم والحكمة.

خطر الفتوى بغير علم وأثرها على الدماء والفتن

يؤكد المقطع على أهمية تواضع العالم وقوله «لا أدري» فيما يشكل عليه، مستشهداً بأقوال الأئمة مالك والشافعي. ويحذر من تصدي غير المؤهلين للفتوى في النوازل، مما يؤدي إلى سفك الدماء وإثارة الفتن، ومخالفة مقاصد الشريعة التي تعظم حرمة الدم.

الدعاء الختامي والترجمة

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه الأدب والغياث والفهم الحسن، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. ويذكر أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في منظومة أبي علي اللؤلؤي، أو منظومة الخليفة المأمون، رحمهم الله تعالى جميعًا. يقول الناظم رحمه الله تعالى وغفر له: كنا قرأنا أبياتا وأبياتا متقاربة المعنى، وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة، فلا تكن إلى الجواب سابقا حتى ترى غيرك فيها ناطقا، فكم رأيت من عجول سابقي من غير فهم بالخطأ ناطقي، أزرى به ذلك في المجالس عند ذوي الألباب والتنافس. قل: إذا أعياك ذاك الأمر عندكم. هكذا البيت في بعض النسخ زيادة. فإن جهلت ما سئلت عنه، ولم يكن عندك علم منه، فلا تقل فيه بغير علم، فلا تقل فيه بغير فهم، إن الخطأ مزرم بأهل العلم. هكذا في بعض المواضع. والمذكور هاهنا في هذا الموضع في هذه الأبيات بدون هذين البيتين: يقول رحمه الله: وقل إذا أعياك ذاك الأمر: ما لي بما تسأل عنه خبر، فذاك شطر العلم عند العلم، كذاك ما زالت تقول: الحكم والصمت، فاعلم بك حقا أزين. إن لم يكن عندك علم متقن. ذكر رحمه الله تعالى أن الواجب على طالب العلم أن يتواضع لله عز وجل، وأن يعود نفسه أن الأمر الذي لا يعلمه أو لا يتقن علمه ألا يستكبر، وتأخذه عزة النفس فيكابر ويخوض بغير بصيرة فيما لا يحسن أو فيما لا يعلم. هذا من سوء الأدب في حق طالب علم. ولهذا صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم». إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله لنبيه: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾. هكذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم». استدل بالآية: قال الله لنبيه: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾. الشاهد: ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾، أي في خوضي بشيء من غير ثبة وبينة من الله عز وجل. هذا هو التكلف، عياذا بالله. و«قل إذا أعياك ذاك الأمر: ما لي بما تسأل عنه خبر». ولهذا كان السلف يعظمون هذا المسلك، وهو أن يقول المرء لما لا يعلم: لا أعلم، لا يستحيي ولا يستكبر أن يقول ذلك. ولهذا قال عبد الله بن هرمز: «إني لأحب أن يكون من بقايا العالم بعده: لا أدري، ليأخذ به من بعده». يعني: يحب للعالم أن يعلم طلابه هذا الأمر: لا أدري، لا أدري، حتى يكون مما يذكرونه به أنه سئل عن مسألة كذا فقال: لا أدري. هذا من أدب أهل العلم في التعليم، في التعليم. لهذا جاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله، قال: «إني قطعت إليك مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها». فقال له الإمام مالك: سل. فسأله الرجل عن المسألة، فقال الإمام مالك: لا أحسنها. فبهت الرجل. رجل قطع مسافة ستة أشهر حتى وصل إلى المدينة، معه مسألة واحدة، جاء إلى الإمام مالك فقال: «إني سرت مسيرة ستة أشهر لأسألك، حملني أهل بلدي هذه المسألة أسألك عنها». قال: سل. فسأله، فقال الإمام مالك: لا أحسنها، لا أحسنها. فبهت الرجل، كأنه استغرب بهت الرجل. قال رحمه الله: «فأي شيء أقول لأهل بلدي؟» قال: «قل لهم: قال مالك لا أحسن». قل لهم: قال مالك لا أحسن. هذا المسلك الذي يسلكه مثل الإمام مالك، حتى قال عبد الله بن وهب رحمه الله: «لو شئت أن أملأ كراسيك من قول مالك: لا أدري، لفعلته». يأتي هذا يسأله، فيقول: لا أدري، لا أحسن، لا أدري، لا أحسن، وهو إمام دار الهجرة. هذا له فوائد، هذا له فوائد عظيمة. منها: التواضع لله عز وجل، ليس كشأن المتكبرين الذين يظنون أنهم يعلمون كل شيء، ولا يخفى عليهم من العلم إلا شيء قليل، هكذا يظنون، عياذا بالله. الإمام مالك يأتي هذا الرجل من مسيرة ستة أشهر، فيرده بقوله: لا أحسن، أو لا أحسنها. انظروا إلى مثل هذا الدرس الذي يفعله مثل الإمام مالك رحمه الله تعالى وغفر له. من فوائده: التواضع لله عز وجل. إذا كان مثل الإمام مالك يقول: لا أحسن، فكيف بغير مالك؟ ما عسى أن يقول؟ هذه موعظة بليغة، هذه موعظة بليغة في التواضع لله عز وجل. ومن فوائد هذا أيضا: استلهام الفتح من الله عز وجل. فإن الله عز وجل، إنا نظن بالله أن يكرم هذا المجيب بهذا الجواب، الذي لا يبالي أن يقول الناس: والله ما عنده علم، لا يستحي من هذا، لا يبالي أن يذموه بأنه بلغ منزلة لا يستحقها، أو يستنقصوه، ما يبالي ولا يلتفت إلى هذا. إنا نظن بالله عز وجل أن يكرم هذا الإنسان، فيفتح عليه في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل بالفتوح العظيمة والإلهام والإكرام. وهذا ما أشار إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، فإنه قال: «ينبغي للعالم أن يألف فيما يشكل عليه قول: لا أدري». ينبغي للعالم أن يألف فيما يشكل عليه: لا أعلم، أو لا أدري، فإنه عسى أن يهيأ له خير، أي: عسى أن يفتح عليه، يفتح عليه بسبب هذا التواضع. وروى الإمام أحمد عن الشافعي عن مالك عن محمد بن عجلان، وكان من علماء المدينة، هذا سند مسلسل بالأئمة. روى الشافعي، روى أحمد عن الشافعي عن مالك عن محمد بن عجلان، قال: «إذا أغفل العالم: لا أدري، أصيبت مقاتله». والإسناد صحيح. واليوم إذا نظرنا في أحوال الأمة، كم يتصدر قنوات ووسائل إعلام أقوام حقهم الصمت أو الحبس عن الخوض في الكلام، فيتكلمون في نوازل الأمة وكأنهم الأئمة، وهم لا يحسنون من ذلك قليلا ولا دبيرا، إلا صورا وروائحا من العلم. أما حقيقة العلم، وفهم مقاصد الشريعة، وفهم أصول العلم، وفهم حال الواقع والمسألة، وفهم نصوص السلف في نظائرها، وفهم دلائل السنة الواردة في هذه المسائل، وفهم نصوص القرآن، فهم عنها بمعزل. ومع هذا يخوضون فيها بالعاطفة أو بالجهل، نسأل الله العافية والسلامة. كم تسفك اليوم دماء بكلمات قالها أقوام، عنها غدا سيسألون أمام الله سبحانه وتعالى. ربما هيجوا شعوبا على فتن. وهذا يقول: «لو مات ثلث الشعب، بل بل لو مات ثلث أهل سوريا، لكان وكانوا على خير أمام ذهاب هذا الطاغي». أهذا هو كتاب الله عز وجل، أم هذا ما دل عليه ديننا الذي عظم شأن الدم، وبيّن في السنة أن هدم الكعبة أهون من سفك دم امرئ المسلم؟ فكيف بثلث شعب كامل يعد بملايين؟ فكيف بثلثين؟ كلام يقول قائل، كأنما يلقيه كأنه من وحي الشياطين، ليس من وحي رب العالمين سبحانه وتعالى. هذا الكلام من وحي الشياطين، وليس من كلام رب العالمين. حملهم عليه شدة التعصب والتحزب والانحراف الفكري، والبعد عن مجالس العلماء الصادقين، وطلب العلم النافر مع التصدر، عياذا بالله. واليوم بعضهم يستحي من مثل هذه المواقف التي حصلت، ويقول: لم يحصل مني كذا. وإذا ببعض الناس ممن سخروا أنفسهم لمثل هذا، وجزاهم الله خيرا، يخرجون من المقاطع الصوتية ما لو سمعه ذلك القائل اليوم لاستغرب، وقال: أكان به جنون، وهو كذلك. نسأل الله العافية والسلامة. لا زلنا في هذه الأبيات العظيمة التي فيها أدب طلب العلم، وأدب طلبة العلم، الذي كان عليه الأئمة رحمهم الله ورضي الله عنهم. هذا، ونسأل الله جل جلاله أن يلهمنا الأدب، وأن يغيثنا بغياث من عنده، ويرزقنا الفهم الحسن، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر