الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع أبيات الجرجاني التي تبرز اعتزاز العالم بعلمه ورفضه للذلة، معتبراً صيانة العلم عن الإهانة أعظم مغنم حتى مع الفقر. ويضرب مثلاً بالمنهل في الصحراء ليوضح أن العالم لا يبيع علمه بالدنيا كما لا يبيع الظمآن ماءه بثمن بخس.
يوضح كيف استخدم القادة المسلمون الإبل كخزانات مياه متحركة في الغزوات الصحراوية الطويلة، مستشهداً بخالد بن الوليد في القادسية. ثم ينتقل إلى المعنى الأدبي والأخلاقي برفض شرب الماء المتاح حفاظاً على المروءة والكرامة، مع استشهاد بموقف الإمام الشافعي.
يصف حال أهل العلم وطلبتهم بنفوس أبية تأبى الذل لغير الله، فيتجنبون المباحات مخافة أن يتخذها الأعداء مدخلاً للطعن في أعراضهم. يستندون إلى آية التعفف وأبيات شعرية وحديثين نبويين في الحياء، مؤكدين أن هذا التحفظ صيانة للعرض ووقاية للعلم من المهانة.
ينهي المتحدث المجلس الحالي معلناً عن استكماله في المجلس القادم، ويختتم بالدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. تُعد هذه الفقرة ختاماً رسمياً للجلسة وتمهيداً للقاء اللاحق.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه المنظومة، منظومة القاضي أبي الحسن الجرجاني في آداب العالم وعزة طالب العلم. لازلنا في أولها نقرؤها ونتفهم شيئًا من معانيها ومقاصدها. وقد كان أهل العلم يحفظونها حفظًا عن ظهر قلب، ويروونها عن شيوخهم حفظًا عن ظهر قلب. فإن شاء الله نستعين بالله عز وجل في حفظها، فإنها من المنظومات النافعة والقصائد الجليلة التي يحرص طالب العلم في سلك طلبه للعلم على تدبرها وفهمها. يقول رحمه الله تعالى: «وما زلت منحازًا بعرضي جانبًا عن الذل، أعتد الصيانة مغنمة. إذا قيل هذا منهل، قلت قد أرى، ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ. وأنزهها عن بعض ما لا يشينها، مخافة أقوال العدى فيما أو لم. فأصبح عن عيب اللئيم مسلمًا، وقد رحت في نفس الكريم معظمة». هذه الأبيات فيها بيان من الشاعر رحمه الله تعالى مما من الله به عليه من عزة نفسه، وأنه لم يزل عزيز النفس. «وما زلت منحازًا بعرضي جانبًا عن الذل، أعتد الصيانة مغنمة»؛ لا زال معتزا عزيز النفس، شامخًا بأنفه عن أي مذلة، مترفعًا بما من الله عليه من العلم عن رغبات أهل الدنيا. وهو في هذا الحال لا يقصد الكبر على عباد الله عز وجل، ولا احتقارهم، ولا ازدراءهم، ولا غير ذلك من هذه العظائم والرزايا الخلقية. ولكنه رحمه الله تعالى يقصد صيانة العلم. فهذا من باب صيانة العلم عن الابتذال والإهانة. حتى إنه يرى نفسه، وإن ضاق عليه العيش وذهبت عنه الملذات، وقل ما في يده، إذا أنعم الله عليه بالعلم فقد نال أعظم المغانم، وفاز بأعظم الفوز. لا سيما وقد صان علمه عن الإهانة والابتذال. «وما زلت منحازًا بعرضي جانبًا عن الذل، أعتد الصيانة»؛ أي صيانة العلم مغنمة. وإن كنت فقيرًا معوزًا، قليل الحيلة، بعيدًا عن كثير من الرغبات أو عن كثير من الملهيات. «إذا قيل هذا منهل، قلت قد أرى»؛ المنهل هو الماء الذي يكون في الصحراء. فالإبل في سيرها في الصحراء ورعيها تمر على مناهل الماء، الأماكن التي يكون فيها الغدير، وبعض أماكن اجتماع الماء في بعض الأماكن، وربما تكون عيونًا جارية. فتأتي الإبل على تلك المناهل لطول الصحراء، فتقف عندها وتشرب، ثم تشرب وتتزود من الماء. هذا حال الإبل في سيرها، ولهذا يسمون الجمل سفينة الصحراء؛ لأنه يحمل الماء في سنامه، وربما في أخفافه أيضًا. ولهذا كان بعض جند الإسلام المحنكين، قال له خالد بن الوليد لما أراد الغزو: «عطش الإبل». ثم هذا في القادسية: «عطش الإبل، ثم أوردها الماء، فنهلت من تلك المناهل»؛ أي تلك المياه الموجودة، شربت وشربت وشربت حتى تضلعت، فسار بها؛ لأنه يعلم أن في تلك الصحاري ينقطع الماء، والمعركة طويلة النفس. فصنع ما يسمى اليوم بالمدد العسكري، صنع مددًا عسكريًا وعمل معه خزانات مياه، إضافة إلى أنها أيضًا تحمل السلاح، وتحمل الأغراض الأخرى، إضافة إلى ما في أجواف أسنمتها من المياه. وهكذا كان يذبحها ثم يشربون ماءها، ثم أيضًا يأكلون لحمها في طيلة تلك المعارك. خطط يعني لم يكن معروفًا أمرها في كثير من الأمم، وهذا من فتح الله عز وجل لأمثال هؤلاء المجاهدين. الشاهد: هذا حال الإبل. لكن الشاعر هاهنا يقول لنا: إن هذا النهل وهذا الشرب، إذا كان فيه مذلة ومنقصة في مروءتي، كأن يقال: هذا مورد ماء عذب بارد، أخبر الناس أنه يراه ويبصره ويعلمه ويقدر على الوصول إليه. «إذا قيل هذا منهل، قلت قد أرى»؛ أي أراه أمامي وأبصره بعيني. «قلت قد أرى»؛ لكنه لا يصل إليه، ليس عجزًا، هو قادر على الوصول إليه. قال بعدها: «ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ». هذا معنى بليغ ومعنى شريف. فإذا كان هذا الشرب ينقص شيئًا من أمر المروءة، فإن حر الظمأ والتهابه بين الأضلع أبرد علي من شرب ذاك الماء البارد. وهذا يدل على سمو نفسه وعلوها. في مثل هذا أيضًا لعله أخذه من قول الشافعي رحمه الله، قال الشافعي رحمه الله: «لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربت ماء باردًا أبدًا». هكذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فهي نفوس أبية عالية في همتها، تأبى الضيم، وتأبى الذل والانكسار للخلق دون الخالق سبحانه وتعالى. ومع هذا فإنهم معتزون بأنفسهم، لا يظهرون ضد ذلك. هذا حال أهل العلم وحال طلاب العلم النابهين، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]. «إذا قيل هذا منهل، قلت قد أرى، ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ». «أنزهها» في بعض النسخ: «أنهنهها». والنهنها معناه الكف. فيقال: «نهنهته» أو «نهنهت الرجل»؛ أي كففته عن الشيء. فقلت له: اترك، اترك. هذا معنى «نهنها»: نون وهاء ونون وهاء. «نهنها»؛ هذا معنى أي كففته وزجرته. «وأنزهها عن بعض ما لا يشينها». في بعض النسخ: «ونهنهها»؛ أي النفس عن بعض ما لا يشينها. هذا يدل على علو نفسه، فهو يتباعد عن أقوال أو أفعال لا عيب فيها حين يقولها من يقولها، أو يأتيها من يأتيها. عن أقوال وأفعال يتنزه عنها ويكفكف نفسه عن ورودها أفعالًا أو أقوالًا، مع أنها لا حرج في قولها ولا حرج في فعلها. لكنه يباعد نفسه عنها، ويكف نفسه ويزجرها عنها، مخافة أن يستغلها فينال من عرضه عدو حاسد، أو يثير بغائن صدره بذلك: في أي شيء فعل ذلك، ولأي شيء قال ذلك، ولما أتى كذا، ولما فعل كذا، ما قصد بكذا؟ يقصد العيب أو الشين أو التشنيع. لكن هذا الرجل يصف نفسه أنه يتباعد عن أشياء كثيرة، خوف الذل والمهانة، أو خوف أن يجد عليه بعض الناس مدخلًا يدخل عليه منه. يقول: «مخافة أقوال العدى فيما أو لم». أعداؤه قد يقولون: فيما فعل كذا، لما قال كذا. فهو يتنزه عنها. هذا يدل على علو النفس، وكثرة الحياء. والحياء ما كان في شيء إلا زانه. الحياء خلق النبي. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». ووعظ رجل أخاه بالحياء، فقال: فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن الحياء لا يأتي إلا بخير». «فأصبح عن عيب اللئيم مسلمًا، وقد رحت في نفس الكريم معظمة». هذا حالي في محافظتي على... يعني اجتناب المذلة والمهانة، وإذلال العلم النافع في مثل هذه المواقف. أكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله تعالى في المجلس القادم. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.