الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 273، ألقاها
يشرح المقطع جواز تصغير الاسم في المناداة للملاطفة والتقريب، واستدل بحديث طلق بن حبيب الذي ناداه جابر بن عبد الله بـ «يا طليق». كما يبين استخدام التصغير لأغراض أخرى مثل التنبيه أو التحذير.
يتناول المقطع شبهة الخوارج الذين يستدلون بآيات خلود أهل النار على خلود أهل المعاصي، ويبين أن هذه الآيات في أهل الكفر والشرك، مشددا على أهمية الرجوع إلى أهل العلم لإزالة الشبهات.
يبرز المقطع أهمية الرجوع إلى أهل العلم في زوال الشبهات والهداية، ويحذر من خطورة طعن الخوارج في أهل العلم ومحاولاتهم إسقاط هيبتهم في قلوب الناس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من دعا آخر بتصغير اسمه: حدثنا موسى، قال: حدثنا القاسم بن الفضل، عن سعيد بن المهلب، عن طلق بن حبيب، قال: كنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة، فسألت جابرا، فقال: يا طليق، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرجون من النار بعد دخول. ونحن نقرأ الذي تقرأ. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب «باب من دعا آخر بتصغير اسمه»، وأراد بذلك رحمه الله أنه يجوز تصغير الاسم. وهذا باب يذكر في كتب النحو في تصغير الاسم، ويقصد من ذلك مقاصد، منها: تقليل ما يظن كثرته، أو تقريب ما يتوهم بعده، أو تخفيض ما يظن رفعه، فيصغر الاسم. أو يقصد منه تمليح الاسم، ومنادات الشريص بتصغير اسمه قد يكون كذلك من باب الملاطفة، كقول الأب لابنه لمن اسمه صالح: «يا صويلح»، أو سالم: «يا سويلم»، ونحو ذلك. وذكر رحمه الله هذا الحديث ليستدل به على ذلك، فإن جابرا رضي الله عنه نادى طليقا -طلق بن حبيب- بقوله: «يا طليق»، فصغر اسمه. وذلك لأن المقام هنا مقام توجيه وتنبيه، فله غرض. فإذا كان في تصغير الاسم غرض ومقصد، فلا بأس في ذلك. وهذا الأثر الذي ذكره رحمه الله عن طلق بن حبيب، وطلق بن حبيب من علماء التابعين، وهو من العباد والزهاد، وله كلمات عظيمة مشهورة. ومن ذلك ذكره لمعنى التقوى، وتعريفه لها، وذلك حين وقعت الفتنة في زمنه، وصفكت الدماء، فأتى إليه بعض الناس يسألونه عن ذلك، فأمرهم بتقوى الله، فقالوا: وما تقوى الله؟ أو كيف نتقي الله جل وعلا، ونتقي هذه الفتنة؟ فقال رحمه الله: تقوى الله عز وجل: العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. وهذا التعريف للتقوى هو من أحسن التعريف، قال إمام الذهبي رحمه الله في ترجمته: لقد أبدع وأوجز. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «رسالة التبوكية» أن هذا من أحسن تعريف التقوى. وكذا الإمام ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، فذكروا أن هذا التعريف من أحسن تعريف التقوى. وطلق بن حبيب قال في هذا الأثر: كنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة. والمراد بالشفاعة هنا: أي الشفاعة لأهل الكبائر. فقال: كنت أشد الناس تكذيبا بالشفاعة، يعني تكذيبا بهذا النوع من الشفاعة. وهذه من بدع الخوارج الذين يكفرون بالمعصية، وأن صاحب المعصية والكبيرة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها. فطرأت عليه رحمه الله هذه الشبهة كما طرأت على غيره، وهي أن صاحب الكبيرة مخلد في النار. وسبب الوقوع في مثل هذه الشبهة على بعض الناس هو أن الخوارج يستدلون بالآيات التي في كتاب الله جل وعلا، فيها ذكر خلود أهل النار، وأنهم لا يخرجون منها، ويضعونها في غير موضعها، كقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر هذا المعنى. فيستدلون بها على خلود أهل المعاصي في النار. وهذه الآيات إنما هي في أهل الكفر والشرك، ولهذا قد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله هذه القصة التي حصلت لطلق مع جابر، كما في مسند الإمام أحمد، أنه قال: لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية ذكرها الله عز وجل فيها خلود أهل النار، فقلت: فقال: «يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله مني؟!» أي: هل أنت أعلم بكتاب الله مني، وأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأنصت له، فقلت: لا والله، بل أنت أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنته مني. قال: فإن الذي قرأت أهلها هم المشركون. أي: هذه الآيات التي استدللت بها على خلود أهل المعاصي في النار إنما هي في أهل الشرك والكفر. ولكن قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا بها، ثم أخرجوا. وصمت أذنيه، قال: إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكر الحديث. فهذه الآيات التي ذكرها، وهي سبب بقاء هذه الشبهة عليه رحمه الله، هي أنها في أهل الكفر والشرك، لا في أهل الذنوب والمعاصي. فإن صاحب المعصية والكبيرة على خطر عظيم، وتحت مشيئة الله عز وجل. فإذا عذبه الله وأدخله النار، وهو عنده أصل التوحيد، فإنه لا يخلد في النار. وهذه الآيات التي فيها ذكر التخليد هي في أهل الكفر والشرك، من مات على الكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى. قال: فسألت جابرا. أي: جابر بن عبد الله بن حرام الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه. وفي هذا أهمية الرجوع إلى أهل العلم، وسؤالهم واستفتائهم إذا وقعت للإنسان شبهة وتحير في أمر، فينبغي أن يرجع إلى أهل العلم، وإلى كبار أهل العلم. فإنهم يوفقونه إلى الصواب والحق، وكذلك يزيلون هذه الشبه التي قد تعلق في قلبه، فتكون سببا في زيغه وانحرافه. فطلق قال: سألت جابرا. والرجوع إلى أهل العلم سلامة عظيمة من الفتن، ومن الزيغ والبدع والضلال. ولهذا كان من طرق أهل البدع والأهواء أنهم يصرفون الناس عن العلماء، ويجعلون بينهم وبين العلماء حاجزا. ومن ذلك الخوارج، فإنهم يطعنون في أهل العلم: هؤلاء جبناء، هؤلاء عملاء، هؤلاء كذا، وهؤلاء كذا، فيطعنون فيهم حتى تنزع مهابة أهل العلم في القلوب، وتسقط هيبتهم، ولا يكون لهم شأن ولا قدر في قلوب أتباعهم، حتى لا يرجع إليهم، ولا يسألونهم، ولا كذلك يسترشدون بعلمهم، وبما هم فيه من هدى وتقى. ولذلك لما أرسل علي رضي الله تعالى عنه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى الخوارج حتى يناظرهم، لما أتى إليهم، قال من قال من الخوارج: إن هذا من قريش، وإن الله عز وجل قال فيهم: إنهم قوم خصمون -يعني أهل جدل وخصام- فلا تسمعوا له. هكذا مباشرة أراد أن يمنع هؤلاء الناس من سماع كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فلما سمعوا كلامه، وقال من قال من عقلائهم: بل نسمع ما يقول. فذكروا ما عندهم من الشبه، ورد عليهم رضي الله تعالى عنه، وأزال هذه الشبه من عقولهم، فرجع من رجع منهم. قال: فسألت جابرا، فقال: «يا طليق، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرجون من النار بعد دخول». ونحن نقرأ الذي تقرأ. يعني: نقرأ الآيات التي تقرأها، ونفهم معناها. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أعلم هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام. وهكذا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فهم كذلك يفهمون هذه الآيات، ويضعونها في مواضعها، بخلاف أهل الأهواء من الخوارج وغيرهم. فأخبره أنهم يخرجون من النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فزالت هذه الشبهة منه رحمه الله بسبب سؤاله لجابر رضي الله تعالى عنه. ووقع نحو ذلك ليزيد الفقير، كما في «صحيح الإمام مسلم»، حين قال: خرجنا نريد الحج، ثم نخرج على الناس -يعني: نهيج الناس على الخروج- فأتوا إلى المدينة، فوافوا شيخا يحدث الناس متكئا على سارية، وإذا هو جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. فسمعه يذكر حديث الجهنميين -أي: خروج أهل الكبائر من النار- فقال له يزيد الفقير: الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، فقال له: أما قرأت في كتاب الله عز وجل بمقام النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم. قال: فهو ذاك -يعني: ذكر الشفاعة، وشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر- ثم ذكر ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من خروج أقوام من النار، كأنهم السماسم -يعني: من شدة احتراقهم- فيوضعون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. أو يخرجون كأنهم القراطيس -أي: من شدة بياضهم- الحديث. قال يزيد الفقير: فرجعنا -أي: عن هذا الفكر الذي كانوا يحملونه- قال: ولم يخرج منا إلا رجل واحد. بسبب سؤالهم لأهل العلم والرجوع إليهم، فإن ذلك سبب للهداية. وأجمع الفتن وأشملها ما في هذا الأثر هو قول جابر رضي الله تعالى عنه: «يا طليق»، فنادى طلقا بتصغير اسمه: «يا طليق»، فيدل ذلك على جواز مثل ذلك إذا كان لمقصد، كتنبيه أو تحذير، أو كذلك كما ذكرنا من مقاصد أخرى: تقليل ما يظن كثرته، أو تقريب ما يظن بعده، أو تخفيض ما يظن رفعته. والله تعالى أعلم.