آداب التقبيل 4

آداب التقبيل 4

الدرس في آداب التقبيل 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب التقبيل بين الرجال والنساء وتقبيل الجمادات

ناقش المقطع ظاهرة التقبيل بين الرجال والنساء عند اللقاء وحكمها الشرعي، كما تطرق إلى مسألة تقبيل الجمادات. يُستدل على جواز تقبيل الحجر الأسود فقط دون غيره من الجمادات.

حكم تقبيل الجمادات والمصحف وضوابطه

لا يجوز تقبيل الجمادات إلا الحجر الأسود، وتقبيل المقامات والأضرحة والقبور ليس من الشريعة. تقبيل المصحف ليس بمشروع إلا في حالة رفعه من الأرض لإزالة الإهانة عنه.

تأكيد وتحريم بعض الممارسات المتعلقة بالمصحف

يناقش حكم تقبيل المصحف ويستدل على عدم مشروعية جعله عادة، كما يحرم استخدام الريق في تصفح صفحات القرآن لما فيه من استخفاف وتلوث.

ختام وتأكيد على الصلاة على النبي

يُشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر المقطع الختامي توجيهًا دينيًا للصلاة على النبي.

  • 12 جمادى الآخرة 1442هـ - 25/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله في هذه المسائل من مسائل آداب التقبيل، وذكرنا المباحث المتعلقة بتقبيل اليد، وما فيها من مسائل وما فيها من أحكام. وهناك كذلك مسائل متنوعة متعلقة بهذا الباب تذكر من باب التتمة. من ذلك ما نبه عليه العلماء من ظاهرة التقبيل التي تقع بين الرجال والنساء عند كل لقاء، إذ أن هذه الظاهرة فشت في بعض النواحي، وكذلك عند بعض الفئات، كالأصحاب والزملاء إذا التقوا في يومهم أو ليلتهم، لربما لم يكتفوا بالمصافحة، وإنما زادوا على ذلك أن يقبل بعضهم بعضًا بالخد ونحو ذلك، أو بالمخادعة كما يسمى. وهذه الظاهرة نبه عليها العلماء على أنه ليس بمشروع ولا يجوز هذا، وأن على القول الصحيح أن التقبيل الذي يكون بين الإخوة والأصحاب والأصدقاء إنما يكون كمنزلة المعانقة، فلا يكون ذلك إلا بقدوم من سفر أو من طول غياب. قد مر ذلك معنا في مسائل المعانقة وما يتعلق بأوقاتها، فأوقات المعانقة هي أوقات التقبيل التي تكون بين عامة الناس. فلك إذا جئت من سفر مثلًا أن تجد صاحبك، لك أن تصافحه ثم تعانقه أو أن تقبله. هذا إذا كان عن سفر أو طول غيبة. وسئلت اللجنة الدائمة عن هذه الظاهرة التي تكون بين الشباب خاصة، فنبهت إلى أن هذا ليس بمشروع. ويؤيد هذا المعنى ما مر معنا في أوائل الدروس من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عندما قيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام: أن الرجل يلقى أخاه، قال: «أينحني له؟» قال: «لا»، قال: «أيقبله؟» قال: «لا»، ثم قال: «أيصافحه؟» قال: «نعم». فأقر نبينا المصافحة عند كل لقاء، أما التقبيل عند كل لقاء فلا، فهذا ليس بمشروع. ومما يضاف كذلك من المسائل المتعلقة بالتقبيل ما يتعلق بمسألة تقبيل الجمادات. بتقبيل الجمادات، ما مضى كان حديثنا عن تقبيل الأناس، من تقبيل الوالدين أو تقبيل العالم أو تقبيل الصاحب أو تقبيل الولد، هؤلاء من بني البشر. لكن أحيانًا يجد المرء أنه يشاهد من بعض الناس أن يقبل الجمادات، من بقاع من أماكن من جدران من أسوار إلى غيرها من أشكال وأنواع. فما هو القول الصحيح في هذا الباب؟ القول الصحيح: نعم، جاءت الأدلة على جواز تقبيل الجمادات، والذي صح في شرعنا إنما ثبت في حق الحجر الأسود فقط لا غير، هو الشيء الوحيد الذي جاءت به الشريعة في مشروعية تقبيله. فلا يقاس عليه غيره. وأما الدليل على هذا التخصيص ما جاء في الصحيحين في قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عندما قبل الحجر الأسود قال بعدها: «إني والله أعلم إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». فأظهر عمر رضي الله تعالى عنه بعد فعله الحكمة في مشروعية تقبيل الحجر، هل لأنه يضر؟ هل لأنه ينفع؟ هل لأنه فيه بركات تتلمس منه؟ لا هذا ولا ذاك، وإنما أشار إلى أن الأمر كله مناط على الاتباع، الاتباع فقط. وقد قال إمام الطبري رحمه الله تعالى، منوها على هذه القصة من فعل عمر وقوله، قال رحمه الله تعالى: «إنما قال عمر ذلك لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام». قال: «فخشي عمر أن يظن الجهال أن تقبيل الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب في الجاهلية، فأراد أن يبين أن ما فعله اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم». فهذه حكمة من الحكمة التي أوتيها عمر رضي الله تعالى عن أن يبين للناس الحكمة. لأن صحيح بعض الجهل لربما يرى أن هذا التقبيل حقه أن يقاس في كل شيء. وهذا الذي نجده الآن إخواني في الله، من بعض الجهل أنه لربما استعظم أمرًا من الأمور، سارع إلى تقبيله. مثلًا ذهب إلى مكة فدخل إلى الصحن فرأى الكعبة أمامه، أقبل عليها تقبيلًا على جدرانها على أستارها. ذهب إلى مقام إبراهيم فرآه يتلألأ لمعانًا وصفرة، فيقبل على المقام وينهال عليه تقبيلًا. وإن ذهب إلى المدينة فوجد الحجرة النبوية، فلربما تعلق بأسوارها والستور المحيطة والسياج المحيط بالقبور، فانهال عليه تقبيلًا. وهكذا يذهب يمينًا ويسرًا أينما ذهب أينما حل، سرعان ما ينهال عليه بالتقبيل. هذا لا يجوز. ما الذي شرع لك يا عبد الله أن تقبل كل شيء؟ كل شيء تقبله هذا لا يجوز، فإن هذا مما لم يدل عليه الأدلة. فالجمادات إنما دل عليها الشرع في الحجر الأسود لا غير. زد على ذلك ما يذكره جماعة من العلماء أن للحجر الأسود مزية، بل للحجر يسد مزايا، مزايا ليست لغيره. ومنهم من يصحح أو يحسن ذلك الحديث أن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله لسان يشهد لمن استلمه يوم القيامة. فهذا يحسنه جماعة من العلماء. ومنهم من يعل هذا الحديث، على كل حال الحجر الأسود له مزية، لذا لا يقاس عليه غيره. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال وقد اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم، هذا بالإجماع، ليس من أقوال أحد من الأئمة المعتبرين أنه شرع لك أو لأحد من خلق الله أن يستلم وأن يقبل مقام إبراهيم». ثم قال رحمه الله تعالى: «فغيره من مقامات الأنبياء أولى، فلا يشرع تقبيلها بالفم ولا مسحها باليدين، لا يجوز لا هذا ولا ذاك». وأعظم من ذلك إخواني في الله ما يفعله من افتتن بالقبور، من افتتن بالقبور إذ أن أتباعها وأصحابها وأربابها يعظمونها أشد التعظيم. حتى أن من ذهب أو من ابتلي بالذهاب إلى تلكم الأضرحة، وقد رأينا طبعًا لم نرها في الواقع وإنما عبر صور، كيف أن هذه المشاهد لربما قد سودت من كثرة اللمس، كل من جاء يتلمس بهذا الضريح، ومنهم من ينهال عليه تقبيلًا إما على الضريح إن كان مكشوفًا للعيان، وإما على السياج إن كان محاطًا بها. فتجد أن الكل يقبل على هذا ويقبل على ذاك. وأسأل ما يفعله الروافض في العتبات عند قبور أوليائهم، ينهال عليه تقبيلًا حتى باللحس. رأينا من يلحس بلسانه كفعل الحيوان، يلحس هذه العتبات. وكل ذلك شناعة بل قباحة، وكذلك حمق لأطباعها أنه ماذا ينهال على كل شيء معظم طبعًا تعظيمهم عندهم. وإلا هناك أمة معظم أبدًا عند الله جل وعلا، لكن هم عظموا أولًا ثم إنهالوا عليها تقبيلًا. ولهذا يقول شيخ الإسلام أيضًا في بحثه الذي يذكره في اقتضاء الصراط المستقيم، عندما تكلم عن العتبات والمقامات وهذه الأماكن التي يعظمها الناس، قال: «وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به، فالأمر فيه أظهر، إذ قد علم العلماء بالإضطرار لدين الإسلام أن هذا ليس من شريعة رسول الله عليه الصلاة والسلام». هذا كلامه رحمه الله تعالى، كلام مدقق ومحقق على أن العلماء المعتبرين لا يرون أن هذا من شريعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولنا فيه أسوة حسنة. فالشاهد إخواني في الله، فالجمادات لا يقبل منها شيء إلا ما جاء في الحجر الأسود، فهذا مشروع. كذلك مما يذكر في هذا الباب، ونحن نتكلم عن التقبيل، ما يتعلق بتقبيل المصحف. بتقبيل المصحف، أحيانًا تجد هذه الظاهرة أن بعض الناس إذا قرأ القرآن فانتهى منه فقبل أن يعيده يقبله، ثم يضعه في محله. هل هذا ثابت؟ هل هذا وارد؟ هل هذا مشروع؟ الجواب: لا، ليس هذا بثابت وليس هذا بمشروع، وليس من الأمور المستحبة. وجاء ذلك عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا لا يشرع. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة أن هذا ليس له أصل. وقد سئل شيخ العلامة بن باز رحمه الله تعالى في حق من وجد أن المصحف قد سقط أو وجده في الأرض، فيأخذ بعض الناس من باب الإحترام والتوقير ورفع الإهانة عن القرآن أن يرفع المصحف فيقبله، فيضعه على الرف. هل في هذا بأس؟ فقال سماحة الشيخ رحمه الله تعالى: «لا حرج في ذلك، لكنه ليس بمشروع». ينبني على هذا: هذا ليس بمشروع، لا تجعلها في عبادة قربة وأنك أفضل من ذاك الذي وضعه من غير التقبيل. وأنا قبلت فأنا أحسن، لا تظن الأحسنية ولا الأفضلية ولا المشروعية في هذا الباب، فهذا مما لا يشرع. وإنما هذا ذكر وشيء مقبول، لا بأس بهذا إن كان ولابد. أحد يضع هذا، وبعض من يستدل بما أثر عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه قد فعلوا ذلك، فهذا اجتهاد منهم. إلى أني أنبه على مسألة وأختم بهذا المقام، إخواني في الله، الذي ثبت عن بعض الصحابة كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى في الأذكار، وفي كتابه التبيان في آداب حملة القرآن، وينظر في إسناد هذا الصحابي الذي ثبت عنه أنه يقبل المصحف. لعل هذا الحادث إخواني في الله يتكلم عن المصحف الذي يمتلكه الإنسان نفسه، فهذا أمر آخر. أما إذا تحدثنا إخواني في الله عن مصحف موجود في المسجد، وتخيل هذا المقام إذا فتح وإذا ترك، وأن هذا المجال لك يا عبد الله أن تقبل، فأنا آتي بعد هذا سأقبل وأضع، يأتي الذي بعد يأخذ ويقبل، ويأتي ذاك يأخذ ويقبل. وأنتم تعرفون همة المسلمين وحبهم في قراءة القرآن، وأن تأخذ القرآن دائمًا، فتخيل بعد شهر أو بعد شهرين أو بعد سنة، وكثرة التقبيل على هذا المصحف كيف سيكون حاله؟ سيتغير، سيتغير، لو ربما يخشى أنه يخرج منه شيء من الريحة لكثرة تقبيل هذا وذاك. وهذا وغاء، صغير وكبير، شيبة وكبير، نظيف ووسخ، فلا ينبغي أن يسترسل في هذا الباب. نعم، هذا الأثر إن أثر عن بعض الصحابة يحمل على أن المصحف كان له في منزله، فنقول: لا بأس، كما يقول بعض العلماء. أما أن نجعل هذا مشروعًا، فهذا مما لا ينبغي. وهذا الحديث يجرني إلى مسألة قريبة من هذا الباب، وهو أن بعض الناس لربما يتخذ عادة مع القرآن ويراها أنها مستساغة، لكنها في نظر أهل العلم لا تجوز. مثل قريب من هذه المسألة تقبيل المصحف، مثل من يستخدم الريق ريقه في التصفح لصفحات القرآن. بعض الناس طبعًا يريد أن يفتح الختمة أو يقرأ القرآن ويمرر الصفحات، لو ربما ما تأتي معه، فماذا يستعين؟ يستعين بالريق، يضع أصبعه على الريق ثم يفتح، مثل من الذي يحسب المال ويعد الأموال يستخدم الريق. فهذه المسألة إخواني في الله أنبه عليها، لأن الحديث جر إليها. أن هذه المسائل وإن كان يفعلها بعض الناس، لكن انتبه، فهذه المسألة صرح العلماء بتحريمها، محرمة، ما يجوز. وقد صرح بذلك الشافعية رحمهم الله على أنه يحرم إيصال الريق إلى شيء من القرآن، لا يجوز، ريق تصله إلى القرآن هذا لا يجوز. قال: لأن هذا استهجان، وأن هذا فيه استخفاف بالقرآن، وأن هذا كما قلت قبل قليل يؤدي إلى التلوث. تخيل أنت بريقك، ثم يأتي آخر بريقه، وآخر بريقه، ثم تجد أن القرآن امتلأ بريق الخلق ولعابهم، هذا لا يجوز. بل حتى أن المالكية قالوا: لا نتجاسر على تكفيره، قالوا: مع القول بتحريمه، أنا لا نتجاسر على تكفيره، قد نضطر إلى تكفير فاعل هذا الفعل. قال: لك لا نتجاسر لعدم علمه، لكن هو محرم، محرم، صرح بهذا التحريم المالكية والشافعية. فهذا لا يجوز إخواني في الله. فالقرآن نعم كتاب عظيم، لكن احرص يا عبد الله على أنك تحترمه بفعلك، فإن تليت بما يعني حاول أنك بما تستطيع، وإن لم تقدر بأي شيء، ولو بالماء، إن لم يستطع هذا صعب، لكن إن تنزلًا معك، لكن أما بالريق واللعاب هذا لا يجوز. وهكذا نقول في أمر القبلة، فنخشى أن هذا الباب إذا فتح لكل من أراد أن يقرأ القرآن ثم يقبله، وهذا يقبل، وهذا يقبل، فما ظنكم بالتقبيل إذا استشرى بين المصلين لقراءة كتاب الله الكريم؟ فهذا قد يصل إلى أمر لا تحمد عقباه. ولهذا أقوال العلماء في هذا الباب أنه لم يثبت عندي دليل في أن هذا مما يشرع، فهو لا يشرع وليس من الأمور المستحبة. فهذه مسائل المتعلقة بأمور التقبيل، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.