الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الشيخ تحذير السلف من عمرو بن عبيد ويوضح مذهب المعتزلة في الكبائر. أهل السنة يرون أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله.
يُحذر العلماء من أخذ العلم من أهل البدع، ويشددون على أهمية سلامة العقيدة. الزهد والعبادة لا يكفيان لصلاح الشخص إذا كانت عقيدته فاسدة.
يُعبر المقطع عن ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. يُظهر الصيغة المستخدمة في الختام الديني.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، ابن الحجاج، أبو الحسين السابوري، رحمه الله، في مقدمة صحيحه: حدثنا الحسن الحلواني. قال: حدثنا نعيم بن حمد، وهو الخزاعي، وكان رأسًا من رؤوس أهل السنة، قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان. وحدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا نعيم بن حمد، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، وهو سليمان بن داود، صاحب المسند، عن شعبة، وهو من الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن يونس بن عبيد، قال: كان عمر بن عبيد يكذب في الحديث. عمر بن عبيد، وهو المعتزلي، المعروف بالاعتزال والقول بالقدر، وهو يروي عن الحسن البصري، رحمه الله، كان يكذب في الحديث، ويكذب في الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام. فكان مع خبث اعتقاده، وكذلك أيضًا خبث مذهبه، كان كذابًا. ومع ذلك كان يغتر به بسبب زهده، وإظهار التنسك والعبادة، كان عنده شيء من ذلك. ومع ذلك فكان مبتدعًا ظالمًا. ومن غلوه في القدر، والنفي القدر عن الله سبحانه وتعالى، والقول بذلك بأن أفعال العباد مخلوقة، نفى حديث ابن مسعود، وكذبه، الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة» الحديث. أو في الصحيحين، فقال: لو سمعت هذا الحديث من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لرددته. إلى أن قال: ولو سمعته من الله لقلت: ما على هذا أخذت ميثاقنا. هكذا جعلته، جعلته هذه البدعة والهوى أن يرد حديث النبي عليه الصلاة والسلام المتفق على صحته. فيونس بن عبيد كان يبين حال عمرو بن عبيد، وأنه كان يكذب في الحديث، حتى يحذر منه، ولا يأخذ منه الحديث. قال: وحدثني عمرو بن علي، أبو حفص، قال: سمعت معاذ بن معاذ يقول: قلت لعوف بن أبي جميلة: إن عمرو بن عبيد حدثنا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا». قال: كذب والله عمر، ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث. قوله: «كذب والله عمر» يعني في روايته لهذا الحديث عن طريق الحسن، فهو كاذب في ذلك. وإن كان الحديث صحيحًا وثابتًا عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق أخرى. وقوله: «ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث» يعني أن يستدل بهذا الحديث على كفر صاحب الكبيرة، على كفر صاحب الكبيرة. لأن المعتزلة يقولون بأن صاحب الكبيرة كافر، هو مخلد في نار جهنم، مخلد في نار جهنم. وفي الدنيا هو في منزلة بين المنزلتين، يعني بين الإيمان والكفر. يريد أن يستدل بهذا الحديث أن من حمل السلاح على المسلمين، بقوله: «فليس منا» أي ليس بمسلم، أي ليس بمسلم. وبهذا ذهب إلى الحكم على صاحب الكبيرة بأنه من أهل النار، ومن مخلدين فيها. والحديث كما قال أهل العلم: المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «فليس منا» أي ليس على هدينا، ولا على طريقتنا. فإن المسلم لا يرفع سلاحه على أخيه المسلم، ولا يقتل أخاه المسلم. فإذا فعل ذلك فقد خالف ما ينبغي أن يكون عليه المسلم في معاملته مع أخيه المسلم. وليس المراد «فليس منا» أنه ليس بمسلم، وأنه كافر. لكن المراد أنه ليس على هدى مستقيم، وليس على طريقة مستقيمة. و منه أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». فهو يحمل على هذا المعنى. وقول أهل السنة في صاحب الكبيرة: أنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وإن دخل النار، وهو من أهل التوحيد، فإن مصيره أن يخرج منها، ولا يخلد في النار، خلافًا للخوارج والمعتزلة، فإنهم يحكمون عليه بالتخليد في النار، يحكمون عليه بأنه مخلد في النار. واختلفوا في الحكم عليه في الدنيا. فالخوارج قالوا: كافر، ولهذا استحلوا دمه. والمعتزلة قالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، يعني بين الإيمان والكفر. واتفقوا على القول بتخليده في النار. وذكر هذا الأثر، ذكره الإمام مسلم، رحمه الله، ليستشهد به على جرح عوف بن أبي جميلة لعمر بن عبيد، وأنه كذاب، وأنه كذاب في قوله. قال: وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: في وصف عمر بن عبيد، جعفر بن غياث، أو حفص بن غياث، قال: حفص بن غياث: ما وصف لي أحد إلا رأيته دون ما وصف لي. يعني حين يصفونه بأنه كذا وكذا، وصاحب عبادة، وإلى آخره، فإذا رأى وجد أنه دون، وأقل مما وصف له. قال: إلا عمر بن عبيد، فإني رأيته فوق ما وصف لي. وما لقيت أحدًا أزهد منه. ومع ذلك فكان ظالمًا، وعلى عقيدة زائغة. وهذا يدلنا على أن كون الإنسان عنده شيء من الزهد أو العبادة، هذا لا يعني أنه أهل أن يؤخذ منه العلم. فكم من أهل العبادة والزهد، وهم مبتدعون، ظالمون، عقائدهم فاسدة، ومنحرفة. فكونه على هذا الحال لا يعني هذا أنه يطلب العلم عنده. لكن إذا سلمت العقيدة، وصحت، صلح حاله، فهذا يؤخذ منه العلم. وينبغي لصاحب العلم أن يكون أولى بالاتصاف بالعبادة والزهد. نعم، هو أولى من أهل الأهواء. قال: وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا حماد بن زيد. وهم ندرهم ما كنيته. ما كنيت حماد بن زيد؟ قد مر معنا كثيرًا. ها من يذكر ما هي؟ ذكر كنيت حماد بن زيد: أبو إسماعيل. كنيته أبو إسماعيل، كان من الأئمة الثقات. وحث الإمام المبارك على أخذ العلم على يديه، وحذر من أخذ العلم غيره من أهل الأهواء. في قوله: «أيها الطالب علما، ائت حماد بن زيد، فاطلبن العلم عنده، ثم قيده بقيد». لك ثور، وكجهم، وكعمر بن عبيد، من رؤوس الضلال، من رؤوس الضلال، من رؤوس الضلال. فأمثال هؤلاء في طلب العلم عنده، فاطلبن العلم عنده، ثم قيده بقيد، يعني اكتبه، وقيده، لا كثور، وكجهم، وكعمر بن عبيد. هؤلاء من رؤوس الضلال، فأمثال هؤلاء ما يؤخذ منهم العلم، وإنما يؤخذ من أهل السنة والجماعة. قال: كان رجل قد لازم أيوب، وسمع منه، ففقده أيوب، يعني فقد هذا الرجل، فقالوا: يا أبا بكر، إنه قد لازم عمر بن عبيد، يعني أصبح يجالسه، ويسمع منه. فقال: قال حماد: فبينما أنا يومًا مع أيوب، وقد بكرنا إلى السوق، فاستقبله الرجل، فسلم عليه أيوب، وسأله، ثم قال له أيوب: بلغني أنك لزمت ذاك الرجل، يعني عمر بن عبيد. قال حماد: سماه يعني عمرًا. قال: نعم يا أبا بكر، إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال يقول له أيوب: إنما نفر، أو نفرق من تلك الغرائب. يعني أن عمر بن عبيد كان يأتي بغرائب الحديث، حتى يجمع الناس حوله، ويسمع الناس له. والناس إذا سمعوا شيئًا من الغرائب، فإنهم ينصتون لها، ويلتفون حول قائلها. فكان عمر بن عبيد يأتي بأمثال هذه الغرائب، من المكذوبات. وأكثر الغرائب والأحاديث الغريبة مكذوبة، كما قال إمام أحمد، رحمه الله: «اجتنبوا الغرائب، فإن عمتها كذب، لا تصح». فقال أيوب، رحمه الله: «إنما نفر، أو نفرق من تلك الغرائب». يعني نحن نبتعد، ونخاف من هذه الغرائب التي يأتي بها عمر بن عبيد، خوفًا من أن تكون كذبًا. فإذا سمعتها، أو حدثت بها، تكون ممن كذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كانت هذه الغرائب والأحاديث من الآراء والمذاهب، فيكون حذرًا من الوقوع في البدعة. قال: وحدثني حجاج بن الشاعر، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا ابن زيد، يعني حمادًا، قال: قيل لأيوب: إن عمر بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يجلد السكران من النبيذ. فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ. هنا في هذا الأثر يبين كذلك أيوب كذب عمر بن عبيد، فإنه روى عن الحسن أنه قال: لا يجلد السكران من النبيذ. فقال أيوب: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ. يعني إذا شرب النبيذ، وقد أسكر، نبيذ التمر، أو نبيذ الزبيب، أو نحوه، إذا خمر في الماء أكثر من يوم، أو يومين، فإنه ربما بعد ذلك تخمر، ويصير خمرًا. إذا شربه الإنسان أسكره، وإذا أسكره، أو صار مسكرًا، صار حكمه حكم الخمر. فإذا شربه، وسكر، فإنه يجلد كما يجلد من شرب الخمر. فعمر كذب على الحسن، أنه قال: لا يجلد السكران من النبيذ. فبين أيوب أن هذا كذب، وأنه سمع الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ. وهذه من آثار البدعة، فالبدعة قد تحمل الإنسان على الكذب، حتى ينتصر لبدعته، حتى ينتصر لهواه. ولو كان عنده ما عنده من طاعة، وعبادة، لكن تجده كذابًا، يكذب، ولا يبالي. تجد هذا كثيرًا في أهل البدع، والأهواء، والتحزبات، أنهم يكذبون، بل ربما يكون ذلك من سيماهم، من سيماهم، وعلاماتهم. وكان شيخنا الوادعي، رحمه الله، يقول: أركان الحزبية ثلاثة: الكذب، والخداع، والتلبيس. الكذب، والخداع، والتلبيس. ما تجد حزبيًا في الغالب إلا وتجد عنده هذه الثلاث الخصال: أنه يكذب، ويخادع، ويلبس. ربما كانت لخيته إلى صدره، ومع ذلك يكذب. هذا شيء يعني مشاهد، وملاحظ بكثير من أولئك الحزبيين. وهذه من آثار البدعة الحزبية المقيتة، أنها توصل بصاحبها إلى مثل هذه الخصال الذميمة. فانظر عمرو بن عبيد كيف وصف بالزهد، والعبادة، ومع ذلك كان يكذب. قال: وحدثني حجاج، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: بلغ أيوب أني آتي عمرًا، فأقبل علي يومًا، فقال: أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث؟ هذا تحذير من أيوب، رحمه الله، بهذا الرجل، يعني لسلام أبي مطيع، حين بلغه أنه كان يأتي عمرًا. فقال: أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، فكيف تأمنه على الحديث؟ رجل عنده خلل في عقيدته، وخلل في اعتقاده، فكيف تأمنه تأمنه على الحديث؟ وقد عرف عنه كذلك الكذب، وهذا من خلل في الدين. كيف يؤمن عليه في أخذ الحديث منه؟ وقول أيوب هذا ليس من باب الغيبة، وإنما من باب النصيحة، والتحذير، حتى يحذر منه، فلا يسمع له، ولا يأخذ منه الحديث. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، طالب العلم، حريصًا على أخذ العلم من أهله، من أهل السنة والجماعة. وإذا رأى أخًا له، صديقًا له، ومن يعرفه، يطلب العلم عند من هو مجروح، أو مطعون فيه، أو عنده عقيدة منحرفة، فينبغي أن ينصحه أن لا يذهب عنده، ولا يأخذ علمًا منه، حذرًا على دينه، وحذرًا على عقيدته أن يفسدها بسبب جلوسه عند أمثال هؤلاء. قال: وحدثني سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحميدي. ما اسم الحميدي؟ وقد مر معنا أيضًا في الأحاديث السابقة: أنس. ما لك بعيد، أقرب، أقرب. إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. عند أنس. ها اسم الحميدي: عبد الله بن الزبير. عبد الله بن الزبير. قال: حدثنا سفيان. من سفيان؟ ها ابن عيينة. نعم، والحميدي أثبت الناس في ابن عيينة. قال: سمعت أبا موسى يقول، وهو إسرائيل بن موسى، وهو ثقة، قال: يقول: حدثنا عمر بن عبيد قبل أن يحدث معنى. قبل أن يحدث يعني أن يقول قوله المحدث القول بالقدر، وقبل أن يصير مبتدعًا قدريًا. لأنه كان قبل ذلك ممن يجالس الحسن البصري، ثم اعتزله مع من اعتزل في فتنة واصل بن عطاء، الذي اعتزل مجلس الحسن، حين سئل الحسن عن صاحب الكبيرة، فقال: هو تحت مشيئة الله. فقال واصل بن عطاء: بل هو في منزل بين المنزلتين. ثم اعتزل مجلس الحسن، وكون له جماعة، ومنهم عمر بن عبيد. وبعد ذلك صار لهذه الفرقة عقائد، وأصول تخالف عقائد أهل السنة والجماعة، وعرفوا، وسموا بالمعتزلة، بسبب ذلك لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، رحمه الله. قال مسلم: حدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا ابن زيد، يعني حمادًا، قال: قيل لأيوب: إن عمر بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يجلد السكران من النبيذ. فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ. صلى السطلة بن شبيب، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا ابن زيد، يعني حمادًا، قال: قيل لأيوب: إن عمر بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يجلد السكران من النبيذ. فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.