آداب التقبيل 2

آداب التقبيل 2

الدرس في آداب التقبيل 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مسألة تقبيل اليد

يتحدث المقطع الأول عن انتشار تقبيل اليد بين الناس واختلاف العلماء في حكمها، مع التأكيد على أنها ليست من أصول المصافحة. يُنصح بعدم الإنكار على من يقبل اليد أو من لا يقبلها.

الخلاف في حكم تقبيل اليد عند المصافحة

اختلف العلماء في حكم تقبيل اليد إلى مذهبين، الأول يرى الكراهة والمنع مطلقًا، والثاني يرى الجواز مستدلين بأحاديث وأقوال السلف. استدل أنصار الجواز بأدلة من السنة وأقوال علماء معاصرين.

شروط جواز تقبيل يد الكبراء والعلماء

ذكر الشيخ الألباني ثلاثة شروط لتقبيل اليد، وهي ألا تتخذ عادة، وألا يجد العالم كبرًا، وألا يكون على حساب ترك سنة. وأضاف ابن تيمية شرطًا رابعًا، وهو ألا يبدأ العالم بمد يده.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع الأخير دعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه، مع الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء، ويُنهي بالقول بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومن مسائل التقبيل إخواني في الله ما يتعلق بتقبيل اليد، وهذه الظاهرة منتشرة وفاشية بين كثير من المجتمعات، إذ أنها عربون مما يدل على المحبة والإجلال والإعظام. وقبل الدخول إخواني في الله في مسائل تقبيل اليد وما يتعلق بجوازه أو عدم جوازه، لابد أن أشير إلى مسألتين مهمتين تتعلقان بهذا الباب الذي نحن بصدده. المسألة الأولى: ينبغي أن نعلم إخواني في الله أن مسألة تقبيل اليد ليست هي من أصول المصافحة، وهي ليست ملازمة لها، إذ أن بعض الناس لربما يجد أن من تمام المصافحة التقبيل، وهذا ليس بصحيح، بل المصافحة شيء وتقبيل اليد شيء آخر. وادمر معنا عندما تكلمنا عن المصافحة أشرنا إلى ضابط المصافحة، وهي وضع صفحة الكف مع صفحة الكف، فليس فيها التقبيل لا من قريب ولا من بعيد، فهي ليست من لوازمها وليست من تتمتها، بل هي أمر منفصل تمامًا. المسألة المهمة الثانية: ينبغي أن نعلم أن مسألة تقبيل اليد من المسائل التي ينبغي أن يتسع فيها الصدور، إذ أنها من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء. إذ أننا نجد من الناس من لربما ينقسم إزاء هذه الظاهرة إلى قسمين، بل قل إلى طرفين نقيض، فمن الناس من يرى أن هذه من اللوازم، وأن هذا إشعار للتعظيم والإجلال، وأنه لا بد أن تصافح اليد مع التقبيل، وأنك إذا لم تفعل ذلك نُكر عليك، وأن يطعن هذا في خلقك، وأن فلان بلا أدب، بلا احترام، بلا خلق، بلا إنصاف. لما رأى ترك التقبيل، وهذا ما ينبغي، لعل صاحبنا ما يرى التقبيل، فلا تكلف عليه ما لا يريد. وبالمقابل من الناس من يرى أن الذي يقبل اليد يرى أن هذا ذل، وهذه مهانة، وهذا غلو، وهذا كذا. لا تحكم على هذه الأحكام يا عبد الله. ولهذا يقول إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في فتاويه: «وأما تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله، وهي مسألة فيها اختلاف بين أهل العلم»، كما ذكر رحمه الله تعالى أنه ما ينبغي فيها الإنكار، فلا الذي يرى التقبيل ينكر على من لم يقبل اليد، والذي لا يرى التقبيل لا ينكر على من يرى التقبيل، فالأمر في ذلك سعة. وندخل إخواني في الله في أوائل مسائل الباب، وهي المسألة المهمة: ما حكم تقبيل اليد عند المصافحة؟ العلماء باختصار على مذهبين اثنين، من أهل العلم من ذهب إلى الكراهة وإلى المنع مطلقًا، وهذا هو المشهور عن إمام مالك رحمه الله تعالى، فإنه يكره تقبيل اليد ولا يراها. بل نقل عن سليمان بن حرب رحمه الله تعالى أنه كان يسميها بالسجدة الصغرى، إلا أن هذه العبارة إخواني في الله لربما ما تطلق على تقبيل اليد وإنما تطلق على سجدة اليد. وهل يد لها سجدة؟ نعم، هذا يفعله بعض الناس في بعض الأنحاء، كما في بلاد الهند والسند وما جاورها. المذهب الثاني، وهو مذهب أكثر العلماء، يرون جواز التقبيل عند المصافحة، لك أن تقبل اليد، وهذا كما قلنا قول أكثر العلماء في المذاهب، عند الشافعية وعند الحنفية وغيرهم. ولهم في ذلك أدلة، بل وأدلة كثيرة تدل على ذلك، مما أُثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو مما أُثر عن سلفنا الكرام. فمما أُثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام ما جاء عند أبي داود والترمذي من حديث ابن عمر في قصة تلكم السرية التي انسحبت في قتالها، فلما دخلوا المدينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: «يا رسول الله، نحن الفارون، نحن الفارون، الذي فررنا من الزحف»، قال: «بل أنتم العكارون، أنتم العكارون، وأنا فئتكم، وأنا فئتكم»، قال: «فقبلنا يده». وهذا الحديث وإن ضعفه بعض العلماء، إلا أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسنه. وهكذا في قصة اليهود أو في قصة اليهوديين، عندما أقبلوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآيات، فلما أجاب عنها نبينا صلى الله عليه وسلم أقبلوا إلى يديه يقبلونها. وإن كان الكثير من العلماء يحسن هذا الحديث، إلا أن الشيخ الألباني كذلك يُعلِّق عليه. وهكذا في قصة وفد عبد قيس عندما قدموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قدموا إليه فأخذوا يده فقبلوها. وهذا الأثر حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وهكذا حسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الأدب المفرد ما بوَّب به البخاري في الأدب المفرد باب تقبيل اليد، فذكر عن بعض التابعين أنهم مروا على سلمة بن الأكوع الصحابي الجليل فأخذوا يده فقبلوها. وهكذا مما ذهب إلى ذلك من المعاصرين العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قالوا: «أما تقبيل اليد، لا بأس بها إذا كان الرجل أهلاً لذلك». وقال رحمه الله تعالى: «في هذا جواز تقبيل اليد للإنسان الكبير في الشرف وفي العلم والأب والأم وما أشبه ذلك». فذكر رحمه الله تعالى أن أكثر العلماء يرون جواز التقبيل للكبراء، ملك الآباء والأمهات، ومن كان على شرف، ومن كان على علم. لكن نبه العلماء إلى بعض الشروط، وممن نبه على هذه الشروط الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، إذ ذكر ثلاثة شروط، وخاصة في تقبيل يد العالم ومن كان على شرف ومن كان على مكانة. لأننا نرى من الناس من لربما يستخدم هذا الأسلوب، أسلوب تقبيل اليد مع الكبراء من أهل العلم والشرف والمكانة، ومن كان من أهل الصلاح والخير. فذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ثلاثة شروط، وهناك شرط رابع ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فما هي الشروط التي تذكر في هذا الباب؟ ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى القيد الأول باختصار، قال: بأن لا تتخذ عادة، أن لا تتخذ هذه المسألة عادة، بحيث تكون كأنها سنة جارية لابد. وهذا ليس بصحيح، ولهذا لو نظرنا إلى الأحاديث الثابتة عن رسول الله وعن صحبه الكرام تجد أنها أحوال ذكرت بالنادر. الشرط الثاني في هذا الباب: أن لا يجد العالم في هذه المسألة كبرًا، أن لا يكون هذا مدعًا لكبره ولغطرسته. فبعض الناس نعم يجد أنه الأمر عنده عادي، أو يمنع أو لا يرضى، لكن بعد ذلك ترى أنه يستحب هذا الأمر ويرى أن الناس إذا قبلوا أيديهم كأن نفسه تحدثه فيما بينه وبين نفسه. الأمر الثالث والقيد الثالث في تقبيل يد العالم: قال العلماء أن لا تكون على حساب ترك سنة، أن لا يكون ذلك على حساب ترك سنة، مثل ماذا؟ مثل المصافحة، الأصل المصافحة ثم تقبيل اليد على من يقول بتقبيلها. لكن تجد أن بعض الناس ما عندهم تقبيل ما عندهم مصافحة، بل تقبيل مباشرة يأخذ باليد مباشرة. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر قيدًا مهمًا، وهذا يضاف مع الشروط الثلاثة، ألا وهو أن الرجل، أي العالم والخير، أنه لا هو الذي يبتدأ بمد اليد. وهذه مسألة مهمة، وهي مسألة تربوية، أن العالم وهذا الخير لا هو الذي يبدأ بمد يده. وهذا الذي نراه للأسف، تجد أن بعض هؤلاء الناس إذا قدم عليه أحد من بعيد يريد أن يسلم عليه، إذ بالرجل يبدأ يجعله معده للتقبيل. فاحذر يا عبد الله من هذا، فهذه قيود أربعة أشرنا إليها في هذا المقام بعجالة، فيها بيان لهذا الضابط والضوابط المهمة لهذه المسألة التي تتخذ في بعض الأعراف والعادات دون انضباط لهذه الضوابط. وهي مهمة على مقياس العلماء حتى تصح هذه الظاهرة. إلى هنا وبغط مسائل إن شاء الله تترك في دروس قادمة متعلقة بشأن هذا الأدب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.