باب الوضوء 14

الدرس في باب الوضوء 14، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الافتتاحية: الصلاة والسلام على النبي ﷺ

استهل المحاضر درسه بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه الكرام، مُفتتحاً المجلس بالذكر المشروع.

حكم مسح الرأس في الوضوء: الاستيعاب أم التبعيض

ناقش المحاضر خلاف الفقهاء في قدر الواجب من مسح الرأس؛ فذهب الشافعية في المشهور إلى جواز مسح بعض الرأس أو بعض شعرة مستدلين بالباء في الآية، بينما أوجب الحنفية قدر الناصية، وأوجب المالكية والحنابلة والمزني استيعاب جميع الرأس. وردّ المحاضر استدلال القائلين بالتبعيض مبيناً أن الباء لا تفيد التبعيض في لغة العرب، وقاس ذلك على آية التيمم حيث لا يجزئ مسح بعض الوجه بالاتفاق، مستشهداً بفعل النبي ﷺ الذي مسح رأسه كله.

حكم مسح الرقبة في الوضوء وبيان ضعفه

عرض المحاضر قولين في مسح الرقبة: الأول يستحبه الحنفية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد، والثاني وهو قول الجمهور والصحيح عند الشافعية أنه لا يسن ولا يستحب. ونقل عن النووي في «المجموع» تفنيد أدلة الاستحباب، مبيناً أن الأحاديث الواردة فيه ضعيفة أو موضوعة، وأن مسح الرقبة من المحدثات التي لم تثبت فيها سنة عن النبي ﷺ.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه المنظومة النافعة «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد في مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي» رحمه الله تعالى وغفر له. وناظمها هو العلامة أحمد بن الحسين بن رسلان المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. ولازلنا في فروض الوضوء، انتهينا من نواقض الوضوء ودخلنا في فروضه. يقول الناظم رحمه الله: «فروضه النية واغسل وجهك وغسلك اليدين مع مرفقك ومسح بعض الرأس ثم غسل وعم رجليك مع كعبيك والترتيب». ووقفنا عند قول الناظم رحمه الله: «ومسح بعض الرأس». تقدم أن مسح الرأس دل عليه الكتاب في قوله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. وأن السنة جاءت بالمسح أيضا، ونقل على أنه فرض بالإجماع، نقله علماء كثر من علماء المذاهب الفقهية المختلفة. تقدم أن قول الناظم «ومسح بعض الرأس» فيه إشارة إلى مذهب الشافعية، وأن مسح الرأس فرض ولو بمسح بعض الرأس، ولو بمسح بعض شعرة. فإذا مسح بعض رأسه صح له فرض المسح المطلوب في الآية. وهذا هو المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وقطع به جمهور أصحابه، كما تقدم ذكره. وأن مسح الرأس عند الشافعية لا يتقدر وجوبه بشيء، بل يكفي فيه ما يمكن من المسح. فإذا مسح شعرات أجزأه، هذا المذهب. وتقدم أن هذه المسألة - وهي هل يجزئ مسح بعض الرأس عن مسح الرأس الذي هو فرض من فروض الوضوء - فيها خلاف بين الفقهاء. فالحنفية يقولون: الواجب مسح مقدار الناصية من الرأس، والناصية هي مقدمة الرأس. الواجب مسح مقدار الناصية من الرأس، هذا هو الذي يجب. تقدم الكلام على المسألة، وأنه قال به حكاية، أو هذا القول قال به الإمام البغوي من أئمة الشافعية. والقول الثالث: إن الواجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة، وهو الذي اختاره الإمام المزني من أئمة الشافعية. استدل من يقول بمسح بعض الرأس أو بمسح الناصية بحديث المغيرة بن شعبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته وعلى خفيه» رواه مسلم. مسح النبي صلى الله عليه وسلم على ناصيته ثم تمم على عمامته. قالوا: هذا دليل على أن المسح يجزئ ولو بمسح بعض الرأس. تقدم أن هذه الدعوى أوسع من دليلها، الدعوى فيها أوسع من الدليل. وبهذا أيضا استدل الشافعية، فكأن حديث المغيرة هو عمدة القائلين بمسح بعض الرأس. قلنا: هذا الدليل عند التأمل والتجرد أوسع من الدعوى، هذا الدليل أوسع من الدعوى. فإن الدعوى هي جواز الاختصار على مسح بعض الرأس، وهو الناصية عند الحنفية، ولو شعرة أو بعض شعرة عند الشافعية. والحديث إنما ورد في حال خاص، وهو ما إذا كان لابسا لعمامته. قلنا: فهذه الدعوى أوسع من دليلها، هذه الدعوى أوسع من دليلها. ولا خلاف أنه لو مسح على ناصيته ثم عمامته فقد أتى بالحديث فعلا، لكن إذا مسح على الناصية حال كونه غير لابس للعمامة فهذا خروج عن الحديث، دعوى أوسع من دليلها. وهذا له نظائر، إن يسر الله في وقت ما إن شاء الله تعالى تذكر نظائر مثل هذا المسلك عند أهل العلم. الشاهد: حديث المغيرة ليس صريحا في أن مسح بعض الرأس مجزئ، لأنه ورد في حال خاصة، ولم يرد فيما إذا لم يكن لابسا لعمامته. ولهذا يقول ابن القيم: «لم يصح في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على مسح بعض الرأس». لم يرد ولا في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على مسح بعض الرأس، وإنما كان يمسح بعض الرأس إذا مسح بناصيته ثم كمل على عمامته. وأما أن يقتصر على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه هذا. خلاصة ما يمكن أن يقال أيضا: قال الشافعية رحمهم الله: إن الباء في قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، الباء التي هي حرف جر، هي للتبعيض، أي: وامسحوا بعض رؤوسكم. هكذا قالوا في هذا الموضع: أن الباء للتبعيض، فمعنى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: وامسحوا بعض رؤوسكم، فيتحقق المسح بمسح الناصية أو مسح ما دون الناصية أو بمسح البعض، لأن الباء في الآية للتبعيض: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. وهذا الكلام رده علماء اللغة، هذا الكلام رده علماء اللغة، فلا يعرف أن حرف الباء يأتي في لغة العرب للتبعيض. هكذا قال غير واحد من أئمة اللغة: لا يعرف أن الباء وردت في لغة العرب والمراد بها التبعيض. هذه الآية أيضا ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ هي نظير قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. فآية الوضوء فيها لفظ المسح، الله عز وجل يقول في الوضوء: ﴿فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ويقول في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. منه في كل الآيات الموضعين، في التيمم وفي الوضوء، ورد لفظ المسح: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ كذا ورد في الآيات. ورد أيضا بحرف الباء في آية الوضوء: ﴿فَامْسَحُوا﴾، في آية الوضوء ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، في آية التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ بحرف الباء. هذا أيضا محل اتفاق آخر. إذن اتفقت آية الوضوء والتيمم في فعل المسح: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، واتفقت في حرف الباء أيضا. ولا أحد يقول إن المتيمم لو مسح بعض وجهه أجزأه، استدلالا بهذه الآية. لا أحد يقول إن المتيمم لو ضرب فقال هكذا بيده، أو قال بوجهه هكذا، أو بأصبعه، أو بأصبعين، لا يصح له التيمم لأنه لم يمسح وجهه. وقد جاء في السنة بيان صفة المسح، وهي أن يضرب ضربتين: ضربة على التراب الصعيد ثم يمسح على وجهه، يمسح على وجهه. فهذه الآية نظير هذه الآية، والقرآن لا يختلف ولا يتعارب، القرآن لا يختلف ولا يتعارب. ولهذا غلط أئمة اللغة، كسيبويه، من يقول إن الباء للتبعيض في خمسة عشر موضعا من كتابه «الكتاب». غلط الإمام سيبويه من يزعم أن الباء في الآية للتبعيض في خمسة عشر موضعا في كتابه النافع «الكتاب»، وهو من أعظم كتب اللغة والنحو، حتى إن السلف، حتى إن العلماء كانوا يهابون تدريسه. جاء رجل إلى بعض كبار أئمة اللغة، قال: إني أريد أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. قال: يا بني، هل ركبت البحر؟ إيش معنى هذه الجملة؟ يا بني، هل ركبت البحر؟ يعني كانوا في ذاك الزمان يخافون من البحر، البحر فيه نوع مهابة، لاسيما مع الصنابيق الصغيرة أو الخشب الصغير، يركب تجد كثير من الناس يصيبه الخوف، لصعوبة الأمر ويعني كبر الأمر، يقول: كأنه يقول أنت تقول لي أن أدخل البحر، يعني أنا لا أعرف أسبح ولا أعرف كذا، وربما الخشبة تنقلب، وربما تجيء موجة وتقول كذا علينا، وربما جينا كذا ورحنا فيها. يا بني، هل ركبت البحر؟ يقول العلامة أبو الفتح بن جني، المتوفى سنة ٣٩٢ في كتابه «سر صناعة الإعراب»: «فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي رحمه الله عنه من أن الباء للتبعيض، فشيء لا يعرفه أصحابنا، أي أهل اللغة، فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثبت». انتهى كلامه. هكذا يقول الإمام أبو الفتح بن جني، أحد أئمة اللغة من علماء الموصل، في هذه المسألة. فالشاهد أن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ كقوله تعالى بعدها: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، الباب واحد، الباب واحد. ولهذا الراجح دليلا وجوب مسح الرأس جميعا، خلافا لما ذكره الناظم بقوله رحمه الله: «ومسح بعض الرأس». الراجح وجوب مسح جميع الرأس، ولذلك دلائل عدة: منها أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة عنه في باب الوضوء، وهي كثيرة، فيها كلها أنه مسح جميع رأسه، مسح جميع رأسه. فصار فعل رسول الله بيانا للآية وتفسيرا لها: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. قام النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن زيد، قال: «أتستطيع أن تريني؟» يقول عمر بن يحيى المازني عن أبيه: أن رجلا قال لعبد الله بن زيد: «أتستطيع أن تريني وضوء النبي صلى الله عليه وسلم؟» الشاهد: ثم مسح برأسه بكلتا يديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، بكلتا يديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة. في رواية: حتى ذهب بهما إلى مقدم رأسه ثم ردهما إلى قفاه. هذا يدل على الاستيعاب من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيضا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، الطواف: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. هذا الفعل متعد، هذا الفعل متعد: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ولا يقول أحد إن الطواف ببعض البيت مجزئ. لا يقول أحد لو طاف بنصف شوط هذه الكعبة، طاف نصف شوط، هل يجزئه؟ لا يجزئه. طيب، طاف ثلثي شوط، هل يجزئه؟ لا يجزئه إلا أن يطوف بالبيت جميعا. فالفعل فعل لازم، ولا يكون تحققه إلا بالطواف بالبيت كله. وهكذا المسح: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ لا يكون تحقق المسح إلا بمسح الرأس كله، كما فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هناك أدلة كثيرة، منها أن الله عز وجل ذكر غسل الوجه ثم ذكر مسح الرأس، فبان أن الرأس وجه، والبقية هي الرأس، فالوجه يغسل وما سواه يمسح. وكما أن الغسل للوجه للجميع، فكذلك المسح للجميع، لأنه لا فرق بين العضو في الحكم، لا فرق بين العضو في هذا الحكم. فالراجح في هذه المسألة وجوب مسح الرأس جميعا، وجوب مسح الرأس جميعا، أي أن يمسح هكذا أو هكذا، يشد، يمسح الرأس جميعا إما من المقدمة إلى الخلف أو من الخلف إلى المقدمة. هكذا بينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه. وهذا القول قال به تلميذ الإمام الشافعي، الإمام أبو إبراهيم المزني رحمه الله تعالى. قال الماوردي في كتاب «الحاوي الكبير»: «وذهب المزني إلى مسح جميعه يعني الرأس من غير تفصيل، وذهب المزني إلى مسح جميعه من غير تفصيل». هكذا ذهب المزني رحمه الله تعالى وغفر له. هذا الباب، باب مسح الرأس، فيه مسائل ينبغي ذكرها، منها: وهل يشرع مسح الرقبة؟ هل يشرع مسح الرقبة كما يفعله أناس ها هنا؟ هل من السنة عند الوضوء أن تمسح رقبتك؟ إذن، أولا: ما هو الراجح في مسألة مسح الرأس؟ هل يمسح جميعه أو بعضه؟ أخصره: جميع الرأس، هذا الذي دلت عليه الآية ودل عليه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن رجح هذا من أئمة الشافعية وجزم به: تلميذ الإمام الشافعي، الإمام المزني. ماذا قال الشافعي في المزني؟ نعم، المزني ناصر مذهبي. بعض الناس يعني إذا بحثوا بحوثا علمية يصيبهم شيء من الزعل. هذا المزني الذي يقول عنه الشافعي إنه ناصر مذهبي، يخالف المذهب في هذه المسألة، فكان ماذا؟ واختار السنة والدليل، كما حكاه عنه الماوردي وغيره من الأئمة. فهذا أيضا يعتبر من مذهب الشافعية، في المزني يعتبر من أصحاب الوجوه الكبار في الطبقة الأولى من أصحاب الوجوه المعتبرة. مسح الرقبة: هل من السنة مسح الرقبة؟ هذه المسألة فيها قولان للفقهاء. هل من السنة مسح الرقبة؟ هذه المسألة فيها قولان للفقهاء. القول الأول: أنه يستحب في الوضوء مسح العنق، والعنق هو الرقبة، العنق هو الرقبة. يستحب في الوضوء مسح العنق. وهذا مذهب الحنفية، وهو قول للشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله. هذا القول الأول في المسألة: أن مسح العنق مستحب. هذا قول المذهب، هذا مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله. المذهب الثاني: أن مسح العنق لا يستحب ولا يسن. المذهب الثاني: أن مسح العنق أو الرقبة لا يستحب ولا يسن. وبهذا قال جماهير العلماء، وهو الصواب عند المذهب الشافعي، وهو الصواب عند الشافعية. المذهب الثاني: لا يستحب ولا يسن مسح الرقبة، وهذا قول جماهير العلماء، وهو الصواب عند الشافعي. وهذه المسألة أجاد في نقدها وتحريرها الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في بحث له جميل في كتابه «المجموع». هذه المسألة أجاد في تحريرها الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في كتابه النافع «المجموع شرح المهذب». ولنفاسة كلامه أقرأ كلامه بنصه رحمه الله تعالى: «والرابع: والرابع، أي في ضمن الأقوال، لا يسن ولا يستحب، وهذا الرابع هو الصواب. الرابع: لا يسن ولا يستحب، وهذا الرابع هو الصواب. ولهذا لم يذكره الشافعي رضي الله عنه، يعني مسح الرقبة، ولهذا لم يذكره الشافعي رضي الله عنه، ولا أصحابنا المتقدمون، يعني الشافعية الأوائل، ولا أصحابنا المتقدمون، كما قدمناه عن القاضي أبي الطيب، ولم يذكره أكثر، أيضا أكثر المصنفين، أكثر الذين صنفوا في المذهب الشافعي لم يذكروا هذه المسألة، وهي عندها يا خادم، أحفظ، أي مسألة مسح الرقبة أو مسح العنق». إذن النووي يقول: القول بعدم استحباده وأنه ليس من السنة هو الصواب، لأنه لم يذكره الشافعي رحمه الله، ولا المتقدمون من أصحابه، ولا ذكره أكثر المصنفين من علماء المذهب، وإنما ذكره هؤلاء المذكورون، يعني من المتأخرين، متابعة لابن القاص. ولم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي حديث. لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي حديث. وثبت في صحيح مسلم وغيره، وثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «انظروا أنه قال: شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وصح في صحيح، وثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم: «شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في ديننا ما ليس منه»، «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد». قال رحمه الله تعالى: «وأما الحديث المروي عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى يبلغ القذال وما يليه من مقدم العنق، يبلغ القذال وما يليه من مقدم العنق، قال رحمه الله: فهو حديث ضعيف بالاتفاق، أي باتفاق المحدثين، فهو حديث ضعيف بالاتفاق. رواه أحمد بن حنبل والبيهقي من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيف». قال رحمه الله: «وأما قول الغزالي إن مسح الرقبة سنة، ماذا قال الغزالي؟ الغزالي ماذا قال؟ أبو حامد؟ قال رحمه الله تعالى: يقول النووي رحمه الله: وأما قول الغزالي إن مسح الرقبة سنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "مسح الرقبة أمان من الغل"، فغلط، هذا غلط». هكذا يقول النووي رحمه الله: «فغلط، لأن هذا موضوع ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم». إذن حديث: «مسح الرقبة أمان من الغل»، حديث ماذا قال عنه النووي؟ حديث موضوع. ما معنى موضوع؟ أي مكذوب مفترى، لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وأما قول الغزالي إن مسح الرقبة سنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "مسح الرقبة أمان من الغل"، من الغل فغلط، أو من الغل فغلط، لأن هذا موضوع ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وعجيب قوله: "لقوله" يعني النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الجزم، والله أعلم». يعني يتعجب من مثل الغزالي كيف يسوق حديثا مكذوبا ويقول لقول النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء يقولون: إذا كان الحديث ضعيفا كيف تقول؟ تقول: روية. فهو يقول في حديث موضوع: «لقوله صلى الله عليه وسلم» بصيغة الجزم. ثم ذكر النووي رحمه الله: «وأما الدعاء المذكور فلا أصل له، الدعاء المذكور الذي يذكره كثيرون من الأصحاب، ولم يذكره المتقدمون». هكذا قال النووي. وزاد الماوردي فقال: «ويقول عند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسا لا أظمأ بعده أبدا. وعند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجناتك. ويقول عند مسح الرأس: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك». كل هذا لم يثبت، ولهذا لم يصح، لم يصح، لم يصح، لم يصح. العنق في كلام النووي رحمه الله: أن مسح العنق من محدثات الأمور، وهذا هو الراجح في المسألة. مسح العنق يعتبر من محدثات الأمور، ومن البدع المحدثة. نسأل الله جل جلاله أن يوفقنا لهداه، ويرزقنا التجرد للحق والحجة والدليل، ويرزقنا الاعتصام بالسنة وتعظيمها، واحترام الأئمة، إنه جواد كريم. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.