الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح قاعدة المشغول لا يشغل وتطبيقها في الفقه الإسلامي، حيث يبين أن الشيء إذا اشتغل بحكم شرعي فلا يقبل حكما آخر. يضرب لذلك أمثلة مثل الرهن والإسبال.
يتعمق الشرح في تطبيقات هذه القاعدة من خلال مثال الرهن والوقف، موضحا عدم جواز التصرف في الشيء المرهون أو الموقوف بحكم آخر حتى ينفك الرهن أو يأذن الراهن.
يناقش أحكام الرهن في الشريعة الإسلامية ومسؤولية حافظ الرهن، حيث يشير إلى جواز الرهن بالكتاب والسنة وإجماع العلماء، وضرورة عدم التصرف في الرهن إلا بعد انقضاء الرهن، ويطرح مسؤولية الحافظ عند ضياع الرهن.
كثيرا ما بعد قال مؤلف رحمه الله تعالى: وكل مشغول فلا يشغل، مثاله المرهون والمسبل. قوله رحمه الله تعالى: وكل مشغول فلا يشغل، سأتي ما هو الشغل المراد من هذا البيت. قال: مثاله المرهون والمسبل، المرهون مأخوذ من الرهن وسأتي تعريفه. قال: والمسبل، والمسبل اسم مفعول من السبيل، بمعنى من جعل شيئا في سبيل الله، والمراد بذلك الوقف، لأنه جعل في سبيل الله فهو مسبل. إذن قوله: وكل مشغول فلا يشغل، مثاله المرهون والمسبل، ما المراد من هذا البيت؟ هذا البيت عبر عنه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: قال، هذا معنى قول الفقهاء: المشغول لا يشغل. نعم، يذكرها العلماء من أهل الفقه في كتبهم، وهكذا أهل الأصول. وقد ذكر هذه القاعدة الإمام السيوطي من أئمة الشافعية، ذكرها في الأشباه والنظائر، عرج على هذه القاعدة، وهكذا غير واحد كالسبكي، وجمع من أهل العلم استدلوا بهذه القاعدة بأن المشغول لا يشغل. قال رحمه الله تعالى، مبينا: السعدي هذه القاعدة، فقال: وذلك أن الشيء إذا اشتغل بشيء لم يشغل بغيره حتى يفرغ من هذا المشغول به. فتوضيح ما أراده السعدي: ما الذي المقصود بهذا الكلام؟ وهذا الكلام واضح، قال علماء: معنى هذا الكلام وهذه القاعدة بأن لو أن هناك عينا أو عندي شيئا ما، وهذا الشيء قد شغل بحكم شرعي تعلق به حكم شرعي، فهذا الحكم أو هذا الشيء الذي تعلق به حكم شرعي لا يقبل أن يرد عليه حكم آخر، لماذا؟ لأنه قد شغل بهذا الحكم، هو مشغول بحكم، فكيف ترد عليه حكم آخر؟ فهو لا يكاد يمكن أن هذا المحل يتقبل حكمين في موطن واحد، إذن دعه حتى ينتهي من الحكم الأول، فإذا افتفرغ تأتي له بالحكم الثاني. وهذا نعبر نحن كذلك في لسان الدارجة نقول: المشغول لا يشغل. فأنت مثلا تجد رجل مشغول بعمل ما، فتأتي أنت مع انشغال الشخص بهذا العمل، تريد أن تحادثه أو تريد أن توكله عمل، فيأتيك الآخر يقول: يا أخي لا تشغل رجل، الرجل مشغول بشغل فلا تشغله. والمشغول لا يشغل، أي هذا الرجل الذي اهتمامه في أداء أمر ما، لا يمكن أن يدي هذا الأمر وهذا الأمر في حين واحد، دعه حتى ينتهي وبعد ذلك يتفرغ له. فهذه القاعدة: المشغول لا يشغل، هي مأخوذة من هذه القاعدة الأصولية الفقهية: المشغول لا يشغل. وهنا القاعدة الشرعية بمعنى أن الشيء إذا اشتغل بحكم شرعي فلا يرد ولا يتحمل أن يتقبل ماذا؟ حكما آخر حتى يتفرغ. هذا قول رحمه الله تعالى: وكل مشغول فلا يشغل، مثاله المرهون والمسبل. وهناك عبارة أخرى لهذه القاعدة يعبر بها بعض العلماء: قولهم شغل المشغول لا يجوز، شغل المشغول لا يجوز، بخلاف شغل الفارغ، فمن كان مشغولا بأمر ما فلا تشغله بأمر آخر. وهنا القاعدة قاعدة شرعية، نتكلم عن مسائل الدنيا، نتكلم في الأحكام الشرعية. طيب من باب الإيضاح، مثل المؤلف رحمه الله تعالى بمثال، وبالمثال يتضح المقال، لربما بعض الناس قد ما يستوعب فهم هذه القاعدة لأنها قد تلتبس ببعض القواعد. فمثل المؤلف رحمه الله تعالى بمثالين، بمثالين يتضح لك الأمر. ما هو المثال الأول؟ قال: مثاله المرهون والمسبل، المرهون من الرهن وستأتي مسائله، والمسبل الوقف. إذن عندي شيء جعل رهن، وعندي شيء جعل وقف، إذن هذا العين هذه العين الموجودة عندي أصبحت رهنا، تعلقت بحكم شرعي، إذن ما يمكنك أن تجعل هذا العين يأتيه حكم آخر، لا لأنها مشغولة بالرهن. وهذا وقف أمر ما جعلته وقفا يا عبد الله، فلا يمكن أنك تضيف لها ماذا؟ تشغله بحكم آخر، لا ما يمكن حتى يتفرق الحكم، يتفرق الحكم بعد ذلك تأتي بحكم آخر. طيب نأتي الآن إلى شرح المؤلف حتى نفهم ما الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من هذين المثالين. قال رحمه الله تعالى: وذلك كالرهن الذي قال مثاله المرهون، ما وجه تطبيق القاعدة على مسائل الرهن؟ قال: وذلك كالرهن لا يباع ولا يوهب ولا يرهن حتى ينفك الرهن أو يأذن الراهن. قول رحمه الله تعالى: وذلك كالرهن، ما المقصود بالرهن؟ الرهن في اللغة يأتي بمعنى الدوام والثبات، الرهن يأتي في لغة العرب بمعنى الدوام والثبات، فيقال: ماء راهن، بمعنى مستقر. ويقال كذلك: نعمة راهنة، أي مستقرة دائمة. فهذا من معاني الرهن يأتي بمعنى الثبوت واللزوم، ويأتي كذلك بمعنى الحبس، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، رهينة بمعنى محبوسة بأعمالها. وأما اصطلاحا، فسر علماء الرهن بعد التفاسير، من أوضح التفاسير قول بعض العلماء: بأنه يداع شيء عند إنسان لإرجاع حق له. مثل كأنك تريد مالا من شخص ما، فيقول لك: أنا ما أعطيك هذا المال إلا بأن أستوثق من مالي. فكيف تريد أن تستوثق؟ أريد رهن، ضع عندي رهن وأعطيك هذا المال. حتى تأتي به، فلا ما أدري تأتي بهذا المال، تفر بهذا المال، تعجز عن هذا المال، أريد رهن يبقى. فهذا هو الرهن، هو إداع شيء، وهذا شيء مسأله كثيرة، وليس مقام ذكر التفاصيل في هذه الأشياء المرهونة. لكن إداع شيء تودع شيء عند إنسان لإرجاع حق له، ومسائل الرهن إذا هذا الرهن. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وذلك كالرهن لا يباع ولا يوهب ولا يرهن. إذن هذا الرهن، إذن تخيل الآن قضيتي مع هذا فلان، أنت أتيت عندي وأردت مني مالا فأعطيتك المال الذي تريد مئات الألوف، ولكن من باب أنا أستوثق من مالي طلبت منك رهنا، فأعطيتني رهن سيارة. قد هذه السيارة ابقيها عندك، هذه رهن، والرهن إخواني في الله دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، دل عليه الكتاب والسنة والإجماع بالجملة، لأن هناك فيه خلاف: هل يشترط أن يكون فيه سفر أم لا؟ وهل يتنافى هذا مع الاشتراط أو عدم الاشتراط؟ فيه خلاف مسألة خلافية، لكن نتكلم على قول جماهير العلماء على أن الرهن جائز بالكتاب والسنة، وبإجماع الذي ذهب إليه جماهير العلماء، والدعوى للإجماع في هذه المسألة أي بجملته. طيب أنا الآن أخذت السيارة وأعطيتك المال، اذهب وانفع بالمال، هذا رهن عندي الآن، إذن هذه السيارة ما حكمها؟ رهن، هي مشغولة بحكم الرهن، هل لي الآن أن كما قال المؤلف رحمه الله أتصرف فيها؟ لا ما يجوز، هل أجعلها عرضة لبيع؟ أبيع وأشتري فيها؟ ما يجوز، لأنها محجوزة مشغولة بماذا؟ بالرهن، فلا أستغلها بيع ولا أستغلها كذلك بهبة ولا أستغلها أن تكون رهن مثال، كيف تكون رهن؟ هذا سيارة عندي الآن وذهب الرجل وسافر بالمال، فأنظر نظرة يمن ويسار ما وجدت صاحب المال وذهب، فأريد أنا أن أستدين مالا من شخص آخر، فالشخص الآخر طالبني برهن، فأقول: سهل، عندي سيارة فلان هي مرهونة، واجعلها رهن، هل يجوز؟ أن ينتفع هذا بهذا؟ هذا لا يجوز، ما يجوز، لأنها مشغولة شغلت بالرهن الأول، فلا تشغل برهن آخر. وهذه المسألة قد ذكر العلماء فيها الإجماع، ذكر العلماء فيها الإجماع أن الرهن لا يكون رهنا لشيء آخر، لماذا؟ لأن المشغول لا يشغل، لا تشغله بحكم آخر، مشغول بالرهن ينبقي أن يبقى. قال رحمه الله تعالى: فالرهن لا يباع ولا يوهب ولا يرهن، ولا يباع كذلك، ما يجوز أنك تتصرف ماذا؟ بالرهن ببيع وشراء، تستنفع من وراءه؟ يبقى رهن حتى كما قال المؤلف: حتى ينفك الرهن. لكن في قضايا خاصة أحيانا، أحيانا هذه قد تحتاج إليها أنك قد تحتاج أن تتصرف بهذا الرهن ببيع، وهذا متى؟ هذا إذا كان فيه مصلحة الرهن، مثل ما لو أن فلان رهن عندي سيارة، قال: ما عندي سيارة، لكن أنا صاحب مصنع أغذية وعندي فواكه وخضار، سأعطيك ما كتب الله لك طعام كامل من الفواكه، يجعلها عندك تقدر بمئات الألوف، فقال: طيب، الفواكه تنفع، فأجعلت الفواكه عندي وذهب وهي رهن. لكن بعد فترة رأيت أن هذه الفاكهة أو هذا المطعوم أو المأكول أو المشروب الذي جعل عندي رهن بدأ يدب فيه الفساد، سيتلف، وإذا ترك على هذا الحال مع مرور الأيام والليالي سيضيع كله، من سيتحمل الخسارة هذه؟ صاحب الأكل، وأنه وكلتك أن تكون حافظا عليه، فماذا يقول العلماء؟ قالوا: في الحال أني أبحث عن صاحب الرهن، يقول: يا فلان، الرهن الذي أبقيته عندي ما ينفع، إذن استبدله بشيء آخر إذا عثرت عليه، لكن المشكلة إذا لم أجده، سافر مكانا بعيدا أو غاب عني.