الدرس في آداب النوم 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية التفقد لأمر الفراش قبل النوم واتخاذ فراش للنوم عليه، ويشرح جواز وجود أكثر من فراش للرجل وامرأته والضيف. يُوضح أن اتخاذ فراش رابع للتفاخر مذموم.
يتناول آداب النوم وتهيئة الفراش كما وردت في السنة النبوية، ويشرع نفض الفراش قبل النوم وتجهيزه بشكل منظم، ويحذر من إلقاء الشيطان للفوضى على الفراش.
يشرح أهمية ترتيب الفراش قبل النوم وعدم إلقاء اللوم على الأهل عند وجود فوضى به، ويشدد على ضرورة التفريق بين مضاجع الأطفال تجنبًا للسوء ودواعي الشيطان.
يختتم الحديث عن مسائل متعلقة بالنوم وإعداد الفراش، ويشمل ذلك تهيئة الفرش ونفضها، مع الدعاء أن ينفع الله بما قيل، مؤكدًا على أهمية هذه التفاصيل في التحضير للنوم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كذلك من المباحث المهمة في باب التمهيد لمسألة النوم، بعدما يكون التفقد لأمر البيت والتفقد لأمر النفس، كذلك التفقد لأمر الفراش، الفراش وهو الموضع الذي أعد للنوم عليه، فإن هذا الموضع كذلك يحتاج إلى التفقد قبل أن تنام فيه. وهنا مسائل، إخواني في الله، متعلقة بهذا المبحث. إن أولى هذه المباحث، إخواني في الله، أن المسلمين والمسلمات يشرع لهم ويستحب لهم أن يتخذوا الفرش لأجل النوم عليها، فإن ذلك مما أُثِر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يتخذ فراشًا ينام عليه، بل وله وسادة يتكِئ عليها، وله لحاف يتغطى به عليه الصلاة والسلام. كل ذلك مما اتخذه نبينا في نومه. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الفراش، فقال صلوات ربي وسلام عليه: «فراشٌ للرجل، وفراشٌ لامرأته، وفراشٌ للضيف، والرابع للشيطان». الشاهد من هذا الحديث، بقوله عليه الصلاة والسلام: «فراشٌ للرجل»، دل على أن الرجل يتخذ له فراشًا لكي ينام عليه، وهذا المراد من هذا الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وفراشٌ لامرأته»، أي أن المرأة كذلك تتخذ لها فراشًا يكون لها. وهل هذا معنى يدل على الأفضلية؟ الجواب: لا، ليس للأفضلية، بل إن الأفضل في هذا الباب أن الرجل مع امرأته يكونان وينامان في فراش واحد، بدليل فعله عليه الصلاة والسلام، إذ كان نبينا - وهذا الذي فعله، وهذا الذي استمر عليه وواظب عليه - أنه قد أعد فراشًا واحدًا له ولزوجته عليه الصلاة والسلام، فهذا الأفضل. لكن قال العلماء: إنما المرأة تتخذ لها فراشًا عند الحاجة، عند الحاجة، مثل كأن تكون مريضة، فيكون لها فراش لوحدها، خاصة إذا خشيت أنها تعدي غيرها، فتتخذ فراشًا لها، أو كانت في نفاسها فلا تريد أن تلوث فراش زوجها، فتستأثر بفراش معد للنفاس، فهذا جائز. قال العلماء: إنما ذلك عند الحاجة، فلها أن تتخذ فراشًا، وللرجل يتخذ فراشًا، والمرأة لها فراش، والأولاد والصبيان لهم فراش، فكل ذلك جائز لا بأس به. وقوله عليه الصلاة والسلام: «والثالث أو الفراش للضيف»، وذلك لأن الإنسان يحتاج إلى أن يكرم الضيوف، ومن باب إكرام الضيف أن تعد لهم هيئة النوم من لحاف ومن بطانية ومن فراش ومن وسائد، هذا من لوازم الإكرام. وقوله عليه الصلاة والسلام: «والرابع للشيطان»، قال العلماء: المقصود بالرابع هو الفراش الذي يتخذ وليس له حاجة، وإنما صاحبه أتى به من باب التفاخر، مثلًا التباهي به، أو يزين به البيت، وقس على ذلك، هذا من باب التباهي والمفاخرة، هذا مذموم، وهذا يوجد كذلك في بعضنا، عند بعض الأعراف، بعض الناس تجد حتى أن من الناس من يشتري شيئًا من الأدوات المنزلية، هذا موجود، بعض من يشتري أدوات منزلية فتسأله: هل أنت محتاج؟ فيقول: لا، والله ما أنا محتاج، طب إيش؟ يقول: لا، أبقيه زينة، زينة، وحتى نظر الناس، هذا ما يجوز، هذا ذنب، اتخاذ مثل هذه الأدوات والأغراض التي أنت ما أنت بحاجة لها، وإنما تريدها أن تتخذها زينة وتباهيًا، هذا مذموم، هذا مذموم. لهذا قال نبينا عن الفراش الرابع، وهو الذي يتخذ لا لشيء، وإنما عبثًا، هذا قال: «الرابع للشيطان». وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا لا يدل على التحريم، وإنما مذموم، لا يدل على التحريم، وإنما هو مذموم. إذن هذه المسألة الأولى من مسائل إعداد العدة للنوم في مسألة الفراش، أن تتخذ لك فراشًا، وما يلحق به من وسائد ومن لحاف ومن غطاء إلى آخره. كذلك من مسائل إعداد العدة في أمر الفراش، أنك يا عبد الله إذا وضعت الفراش، حاول أن تنفضه، بأن تمرر عليه اليد، أو تقم بنفضه، حتى تزيح ما عسى أن يكون قد علق به مما يتسبب بأذيتك. ويؤيد هذا المعنى من هذا الأدب، ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه، وليسمِ الله، وليسمِ الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه». فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم: «فلينفض فراشه»، وذلك بأن تأخذ «فلينفض بإزاره»، فلينفض بإزاره، أي الشق الداخل من الإزار، وتنفض بإزارك الفراش. وهذه مسألة وقع فيها النقاش، ومعرفة العلة لماذا ذكر نبينا أن تأخذ بإزارك وتجعل داخلة الإزار هي التي ينفض بها؟ فالله أعلم. نعم، العلماء طالوا النفس بمعرفة العلة لماذا ذكر نبينا أن النفض يكون بهذه الصورة؟ فالله أعلم، حتى أكثر العلماء توقف فيها، قال: الله أعلم ما هي الحكمة والعلة في أن النبي طلب أن يكون النفض بهذه الطريقة؟ فالله أعلم. ولكن نقول: هذه من السنة، وهو أنك تنفض الثوب. وهذا الحديث يكون بإمرار اليد، عندك فراش، بإمرار اليد. قال علماء: وكن هذا الإزار مثل أن تلف به يدك، تلف به يدك. وكان ويحمل هذا الحديث كما حمله بعض الشراح على أن يكون في ليل وأنت لا ترى شيئًا، فيخشى أن يكون هناك هامة عقرب أو شيء، فلو أنك نفضت بيدك لربما قرصك، لكن عندما تلف بيدك شيء، فإنك تأمن وتزيح أذية. قالوا: هكذا يخل هذا أي مسألة، أي وجه من وجوه النفض، كأنك ما تنفضه هكذا. إذا كان يحمل إذا كان هذا الفراش يحمل، فإنه ينفض في الجو هكذا. وجاءت بعض الروايات: أنه ينفض ثلاثًا. حسنة، جماع من أهل العلم: أن الفراش ينفض ثلاثًا. فهذا من الأدب النبوي، العلم في هذا واضحة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه»، ما الذي في فراشك؟ الله أعلم، فربما تدخل فيه وتجد هناك ما يؤذيك من القوارض ومن الهوام، من القوارض ومن الهوام، فهذا أدب نبوي. ومن العلماء من حمل هذا الحديث على البيئات التي تكون في العراء، أو البيئة التي يقمن فيها مثل هذه الحشرات، فهذه أدعى أن تراعي هذه السنة النبوية. ومن أهل الشراح من حمل هذا الحديث على الفراش الذي يطرح من أول النهار ولا يرفع، كبعض الناس يقع فراشه في محل ينام عليه، ثم يقوم ويعمل ويعمل، ثم يرجع وهو مطروح لا زال، فقال علماء: فهذا يعمل بهذا الحديث، لأن الفراش قد طرح، فالله أعلم من الذي قد جاء إليه في طيلة النهار، فهذا يحرص على نفضه. ومنهم من حمل هذا الحديث على الذي يقوم من الليل، ذهب ورجع، فربما لما قام فأوجد حرارة في فراشه، فهذه حرارة تستجلب بعض الحشرات إلى هذا المكان الدافئ، فربما رجع وجد. وهنا ينفض ثوبه أو ينفض فراشه بأي شيء، ثم ينام إليه. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذا من الآداب، وخاصة ممن يخاف على نفسه من وجود هذه الحشرات، وهو أمر سهل، أن تنفض فراشك، وخاصة إن كان من الليل، وهذا من الأدب النبوي فيمن أراد أن يأوي إلى فراشه. كذلك مسألة ثالثة متعلقة بإعداد العدة في الفراش، وهو مسألة التهيئة، أن يهيأ الفراش، يهيأ، يرتب. المسألة التي مرت متعلقة بالنفض، تنفضه. المسألة هذه الآن نذكرها، عبارة عن التهيئة، بأن يرتب، من باب الترتيب، من باب التهذيب. احرص، يا عبد الله، على أن يكون فراشك مثل - في هذه الأزمان عندنا - مثل هذه القواعد أو السرير الكبير، فلا تأتي إليه مبعثرًا، لا تأتي إليه مبعثرًا، البطانية هنا والوسائد هنا، وهذا لا. احرص على أن ترتبه، وهيئه، ثم تنام عليه بهذه الطريقة. ومما يدل على هذا المعنى، ما رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، قال: فيلقي عليه العود أو الحجرة أو الشيء، ليغضبه على أهله، فإذا وجد ذلك فلا يغضب على أهله، لأنه من عمل الشيطان». هذا الحديث دل على عدة مسائل، يهمنا أولًا ما جاء في هذا الحديث. وهذا اختلف العلماء: هل هو موقوف على أبي أمامة أم أنه جاء مرفوعًا عن رسول الله؟ قيل هذا، وقيل ذاك. فإن كان مرفوعًا، فهذا حكم شرعي، وهو على أن الأهل ينبغي أن يأتون إلى الفراش فيهيئونه. هذا الأصل، يهيئ الفراش، عندك فراش، يهيئ الوسائد في محلها، والبطانية إن أمكن أن تطوى وتلوى وتوضع في محلها، وهكذا الفراش الكبير يهيئ ويفرش ويعدل وينمق، حتى يكون معد لماذا؟ للنوم، فهذا الذي جاء في الحديث: «بعدما يفرش أهله ويهيئونه»، أي يهيئ، ولا يكون مبعثرًا كما نرى في بعض الناس، وخاصة من بعض العزاب أو من بعض الشباب، لربما يستلقي على فراش وهو على حالته، لا يهيئه، يرتبه، ثم ينام، ويفوت بذلك هدي النبي عليه الصلاة والسلام في باب النظام والترتيب بشكل عام. وفي هذا الحديث كذلك بيان لما هو من عمل الشيطان، فقال عليه الصلاة والسلام - إن صح الحديث مرفوعًا -: «إن الشيطان يأتي إلى الفراش، فماذا يفعل؟ يلقي عليه العود والحجر والشيء»، وهذا من أذيته للعباد. وقد مر معنا في درس أمس كيف أن الشيطان حساس للغاية، وكيف أنه يأتي إلى يد الآدمي، ثم يلحس يده إن وجد فيها غمرًا، وهو الدسوم والزهم، يؤذيه في نومك، ويؤذيك كذلك في فراشك، فيضع عليه العود والشيء. ولماذا؟ من باب الأذية للآدمي، وكذلك في هذا الحديث كيف أن الشيطان يحرص على إلقاء العداوة بين الرجل وبين امرأته، بين الزوج وبين زوجته، فيلقي عليه العود في الفراش، حتى إذا جاء الزوج ورأى الفراش فيه مثل هذه الأنواع من الأذى، حصى أو حجر أو عود، فأكيد سيلقى اللوم على من؟ سيلقى اللوم على الزوجة: لماذا فعلت؟ لماذا ما رتبت؟ لماذا ما نظفت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فلا يغضب على أهله، لأنه من عمل الشيطان»، لأنه من عمل الشيطان، فالشيطان أراد بهذه الطريقة ماذا؟ أن يلقي العداوة. ولهذا، الخروج من هذا، يحرص على أن تهيئ الفراش، وذلك بترتيبه وتهيئته، وقبل ذلك بنفضه، ثم بتعديله، فهذا أبعد عن أذية الدين وأذية الدنيا. أخيرًا، إخواني في الله، كذلك من المسائل المعدة بأمر الفراش، وأن تهيأ قبل النوم عليها، التفريق بين المضاجع، التفريق بين المضاجع، أي المضاجع التي تكون بين الصبيان حال نوم الصبيان، فإنه ينبغي أن يفرق بينهم. وأصح ما ورد في هذا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم، وفرقوا بينهم في المضاجع، وفرقوا بينهم في المضاجع». الشاهد من هذا الحديث، الفقرة الأخيرة. فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم، وأمره لأولياء الأمور من الآباء والأمهات، أنهم مع أبنائهم في مسألة نومهم، أن يفرقوا بينهم، التفريق في المضاجع، لا يكون هناك تقارب، فضلًا أن يكون هناك التزاحم، لا يلتصق بعضهم ببعض. والحكم في هذا الباب واضحة، قال علماء: وذلك لإبعاد دواعي السوء، ودواعي الشر، ودواعي الشيطان، لأن الطفل والصبي في هذا السن، فإنه كاد أن يبلغ، وهو في مرحلة البلوغ والتمهيد لأن يبلغ، فلربما جاءه البلوغ في هذه الفترة من فترات، وهو على هذه الحالة، فربما وقع للإنسان ما لا تحمد عقباه. ولهذا، من العبارات السائرة، قالوا: «بنت التسع امرأة، وابن العشر رجل»، أي البنت إذا بلغت تسع سنين، فإنها في عداد المرأة، والطفل والصبي إذا بلغ السن العاشرة، فهو في صنف الرجال، ومن جنس الرجال، فهما ذا كأنهم قد تأهلوا لمرحلة كبيرة. فراعى شرعنا هذا السن وهذه المرحلة في مسألة النوم، فقال العلماء: على أنهم من بلغ السن العاشرة، وما يقاربها، كالتاسعة ونحو ذلك، فإنه ينبغي أن يعمل بهذه السنة، وهو التفريق بين المضاجع، التفريق بين من؟ بين أي صبي، سواء كان من أبناء الناس، أو حتى من أبنائك، وإن كانوا أخوة، فإنهم يفرق بينهم. سواء كانوا ذكورًا، ولد مع ولد، يفرق بينهما، أو إناثًا، بنت مع بنت، يفرق بينهما، أو ذكورًا وإناثًا، ولد مع بنت، يفرق بينهما، هكذا يفهم هذا الحديث على عمومه: «وفرقوا بينهم في المضاجع». وكيف تكون صورة التفريق؟ يفهم بعض الناس أنه يكون لواحد غرفة؟ لا، هذا لا يكون، أن يكون لو، أن تجعل لكل واحد فراش؟ لا، أقل ما يقال: أن يكون لكل واحد فراش، هذا فراش لفلان، وفراش لفلان، وتجعل ماذا؟ تفرق بينهما. هذا، أخواني في الله، ما يذكر من هذه المسائل المتعلقة من مباحث التمهيد لبعض المسائل قبل النوم، ومن ذلك مسائل إعداد الفراش، وقد مرت معنا ما يتعلق باتخاذ الفرش، وبنفضها، وتهيئتها، وما يكون من التفريق بينها في أمر الصبيان. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.