شرح لمعة الاعتقاد 16

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 16، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الرد على القدرية وإثبات عموم الخلق والمشيئة والكتابة

يستعرض المقطع أدلة القرآن والسنة على أن الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال العباد، وأن كل شيء مقدر ومكتوب قبل الخلق. ويبين موقف أهل السنة من الجمع بين مشيئة الله للكون وقدره للمعاصي وبين عدم محبته لها ورضاه بها.

تفصيل الإرادة الكونية والشرعية والرد على المعتزلة

يشرح المقطع الفرق بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية مستدلاً بالآيات القرآنية، ويرد على مذهب القدرية المعتزلة الذين ينفون خلق الله لأفعال العباد. ويختتم بشرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (وقني شر ما قضيت) ودلالاته على حكمة الله في خلق الشرور.

حكمة القدر في قصة الخضر والغلام ودحض حجة الاحتجاج بالقدر

يشرح المقطع حكمة الله في قتل الخضر للغلام الذي كان سيكفر ويجر والديه للكفر، فاستبدله الله بهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً. ويناقش خطأ من يحتجون بالقضاء والقدر لتبرير المعاصي والكفر، مستعرضاً رد ابن تيمية على من زعم أن كفره مقدر عليه.

الرد على الجبرية وإثبات قدرة العبد واختياره الشرعي

يبيّن المقطع بطلان حجة من يتخذ القضاء والقدر ذريعة لارتكاب المعاصي، ضارباً الأمثال والقصص التي تُظهر فساد هذا القول وانهياره العملي. ويؤكد أن الله لا يكلف إلا المستطيع، وأن للعبد قدرة واختياراً يُحاسب عليهما مستدلاً بآيات الحج وإرسال الرسل.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في جزء الاعتقاد الذي أملاه وكتبه الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له. ولازلنا في باب القضاء والقدر، وتقدم الكلام على جملة من هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «خلق الخلائق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». تقدم الكلام على شرح هذا الموضع من كلام الإمام رحمه الله تعالى، فالله هو الذي يهدي وهو الذي يضل، وكل ذلك برحمته وحكمته. «لا يسأل عما يفعل» أي: لا يقال: لِمَ فعل الله كذا؟ فإن هذا لا يجوز، هذا السؤال لا يجوز في جميع الشرائع. «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». في حديث زيد بن أرقم في صحيح الإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». فهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لربه الذي بيده هداية الناس: «اللهم آت نفسي تقواها»؛ من الذي يؤتي النفوس تقواها؟ الله جل جلاله. «وزكها»؛ من المزكي للنفوس؟ الله جل جلاله. «أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». في حديث المغيرة في الأذكار بعد الصلاة، لما بعث إليه معاوية رضي الله عنه أن يعلمه بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله دبر الصلاة، وفيه: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». المانع، المعطي: الله جل جلاله. «خلق الخلائق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، ويهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. هذه الآية عظيمة تدل على عموم الخلق: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ تدل على عموم الخلق، وهي المرتبة الرابعة من مراتب القدر المتقدمة: عموم الخلق، الإيمان بعموم الخلق، وهو أن الله خلق الخلق وخلق أعمال الخلق وخلق كل شيء: قولاً وفعلاً، ذاتاً وعيناً، حتى ما تكنه الصدور خلقه الله جل جلاله. ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بتقدير، خلقناه بتقدير. إذن هذه الآية تدل على أن أفعال العباد مخلوقة، سواء كانت خيراً أو شراً. هذه الآية تدل على أن أفعال العباد وأعمال العباد مخلوقة لله، خيراً كانت أو شراً. وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. في هذه الآية أيضاً إثبات عموم الخلق، وفيها: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، فيها إثبات عموم الخلق، وأن الله خلق أفعال العباد جميعها، وأن كل شيء مقدر. في هذه الآية: أن كل شيء مقدر، وبتقدير سابق، بتقدير سابق قبل حصولها، قدرها الله جل جلاله. ﴿إِنَّ﴾ و﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: قدره قبل أن يخلقه، قبل أن يوجد قدره الله سبحانه. فأفعال العباد كلها بقضاء الله وقدره، أفعال العباد كلها: خيرها وشرها، بقضاء الله وقدره وتقديره. قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، فهذا يدل على عموم الخلق، وأن كل شيء سبق بتقدير الله عز وجل، وأن أفعال العباد كلها مقدرة قبل خلقهم. علم ربنا سبحانه ما هم عاملون قبل خلقهم، علم سبحانه ما هم عاملون قبل خلقهم. وقال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: هذا لفظ عام يشمل كل ما يصيب الخلق من المصائب. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: هذا يدل على كتابة الله السابقة، وأن كل شيء قد كتب، كما في حديث ابن عمر في صحيح مسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة». كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، فكل ما يحصل مكتوب. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: نخلقها، قبل أن تخلق قد كتبت في الأزل في كتاب عند الله جل جلاله. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. فهذه الآية أيضاً نص في الرد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن الله لم يرد المعاصي ولم يقدرها ولم يخلقها. يقولون: هذه الآيات رد على القدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الله لم يرد المعاصي ولم يقدرها ولم يخلقها، ولم يخلقها. هذه الآيات تدل على عموم الخلق وعموم المشيئة وعموم الكتابة: ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ يدخل فيه المعاصي، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يدخل فيه المعاصي. لكن أهل السنة في هذا الموضع يقولون: الله سبحانه وتعالى، وإن كان يريد المعاصي قدراً وكوناً ومشيئة لحكمة يعلمها سبحانه، فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها. أهل السنة والجماعة، وهذا عليه سلف الأمة، يقولون: إن الله قدر المعاصي قدراً، وهو سبحانه لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها جل جلاله، ويسخطها جل جلاله، ويكرهها جل جلاله، وينهى عنها جل جلاله. لا بد من الجمع بين المقامين، لا بد من الجمع بين المقامين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. هذا الباب هو عقيدة أهل السنة والجماعة. جاء في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه أنه أوصى ابنه وصية عند موته، كما في بعض الطرق، فقال: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان... هذا فيه راحة للقلوب، حينما تنزل المصيبة فيقول القائل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله أو قدر الله وما شاء فعل، يرتاح قلبه، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال عبادة رضي الله عنه: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول ما خلق الله القلم، إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني، يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غيرها فليس مني». من مات على غيرها، أي: غير هذه العقيدة، فليس مني، أي: ليس على طريقة رسول الله، ولا على طريقة سلف الأمة وسبيل المؤمنين، وإنما هو ممن شاق الله ورسوله. في سنن الترمذي: «وإن مت على غير ذلك دخلت النار». لكن هذا اللفظ فيه نظر، فالحديث فيه ضعف، الذي في سنن الترمذي... هذه عقيدة أهل السنة والجماعة التي من لقي الله بغيرها ضل ضلالاً مبيناً. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. هذه الآية فيها إثبات الإرادة الكونية، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، هذا فيه إثبات الإرادة الكونية، وهي الإرادة العامة، وهي المشيئة، ولا تستلزم المحبة ولا الرضا، بل تشمل ما يحبه الله وما يسخطه الله، وهي المشيئة العامة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهي الإرادة القدرية. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: هذا النوع الأول من نوعي الإرادة. هذا المبحث مهم، أشار إليه المصنف رحمه الله بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، هذه إرادة كونية وشرعية. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾، هذه إرادة كونية قدرية، وهي الإرادة العامة، وهي المشيئة. أما الإرادة الثانية فهي الإرادة الدينية، الإرادة الشرعية، والإرادة الدينية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا. الإرادة الثانية: الإرادة الشرعية الدينية، وهي تتضمن المحبة والرضا، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. هذه إرادة كونية أو شرعية؟ عندك يا أبا عكاش؟ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: كلها شرعية. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: كونية أو شرعية؟ شرعية. إرادة شرعية. ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: شرعية أو كونية؟ عندك؟ كونية. نعم، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هذه كونية. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: كونية أو شرعية؟ عندك يا أبا عكاش؟ تأمل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: شرعية، ليست كونية، قد تقع وقد لا تقع، لو وقعت تجتمع الإرادة، وأهل البيت لفظ عام، فهي شرعية، فهي شرعية في الأصل. يقول رحمه الله تعالى: هذه الإرادة الثانية، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ... طيب، من شرح الله صدره للإسلام، أراد الله له ذلك إرادة شرعية أو كونية؟ من شرح الله صدره للإسلام: شرعية عندك يا أبا عكاش؟ تفضل. من شرح الله صدره للإسلام: شرعية وكونية، شرعية وكونية، لأنه قد وقع من ناحية حصول الشيء فهي كونية، ومن ناحية محبة الله عز وجل للشيء فهي شرعية. قال رحمه الله تعالى: وروا ابن عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره». قال: «فقال له جبريل: صدقت». انفرد مسلم بإخراجه. شاهد من الحديث: ﴿وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ﴾، فكل ما خلقه الله من أعمال العباد وأقوالهم وأفعالهم وأعمالهم ظاهراً وباطناً، وما خلقه الله من جميع المخلوقات، فبقدر سابق، وكل شيء: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، سواء كان خيراً أو شراً. المعتزل، ماذا يقولون؟ ماذا يقول القدرية المعتزلة؟ ذكرنا مذهبهم، ماذا يقولون في أفعال العباد إذا كانت من المعاصي؟ ماذا يقولون عندك يا أبي؟ ماذا يقول القدرية المعتزلة؟ عندك يا أبي الزبع؟ يقولون: الله لم يشأها ولم يقدرها ولم يخلقها، هكذا يقولون، عياذاً بالله: لم يشأها ولم يقدرها ولم يخلقها. سبحان الله! الله جل وعلا يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ إذن الخالق لأفعال العباد وأعمالهم هو الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى في حديث حذيفة، السنن وإسناده جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته». في حديث حذيفة رضي الله عنه وإسناده جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته». «إن الله يصنع كل صانع وصنعته». والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فما تعملون كذلك خلقه الله عز وجل. ولهذا تسمى القدرية مجوساً، كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره». في الحاشية موجود الكلام على هذا الحديث، وأنه ضعيف جداً، يغني عنه ما قبله وما بعده. وفي صحيح مسلم أيضاً يمكن أن يذكر حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». فهذا يدل على أن المؤمن قد يبتلى بما يكره، ابتلاء من الله، وله الحكمة البالغة، كما قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله: ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي رضي الله عنه يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت». حديث ثابت، إلا أن لفظة «في قنوت الوتر» شاذة لا تثبت، وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الحسن بن علي هذا الدعاء يدعو به مطلقاً، وليس مخصوصاً بقنوت الوتر. فلفظة «قنوت الوتر» شاذة في الحديث. شاهد: «وقني شر ما قضيت». هذا الحديث من أوله يفيد أن أمر العباد وأعمال العباد كلها بيد الله: «اللهم أهدني فيمن هديت»، فالذي يهدي هو الله جل جلاله. «وعافني فيمن عافيت»، الذي يعافي هو الله جل جلاله. «وتولني فيمن توليت»، الذي يتولى بحسن الرعاية وجميل العناية: الله جل جلاله. «وقني شر ما قضيت». إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: «وقني شر ما قضيت». هذا الحديث فيه أن الله قد يقضي بالشر، أو بما ظاهره أنه شر، كخلق إبليس، مثل خلق إبليس، إبليس رأس الشر، من الذي خلق إبليس؟ الله جل جلاله، خلق إبليس لحكم نحن لا نعلمها، حكم عظيمة جليلة لا نحيط بها علماً. إذن قد يخلق الله ما هو شر، أو ما هو ظاهره الشر، لحكم بالغة قد لا نعرفها بعقولنا. كما قرأنا أمس الآيات في سورة البقرة، لما قالت الملائكة تخاطب ربها، وقد أخبرها، قال: ربنا سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي: ويكون له ذرية. قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. ماذا قال الله للملائكة؟ كلمة عظيمة، ما هي هذه الكلمة؟ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. الله يعلم ما لا نعلم. ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. «وقني شر ما قضي»: هذا فيه الدعاء بأن يقي الله الداعي الشرور ويسلمه من المصائب والآفات، فإن الذي قضى بوجود الشرور هو الله سبحانه وتعالى لحكم عظيم. «وقني شر ما قضيت»: هذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: «ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره». ﴿وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ﴾. كم من الأمور يراها الإنسان شراً وهي خير؟ لما جاء الخضر عليه السلام وقتل ذلك الصبي، أو الفتى، وكان أبواه قد كبرا في السن ولم ينجبا حتى رزقهم الله ذلك الفتى، كما في سورة... في صحيح البخاري ومسلم. فمر الخضر مع موسى، قال سفيان: قال الراوي: «فاقتلع رأسه»، أي: من قوة الخضر، مسك رأسه وقلع رأسه. خيلوا: هذا الموم يأخذ رأس الفتى من قوته ويفصله عن رقبته. قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِدًّا﴾. أنكر موسى على الخضر هذا الأمر، تأتي إلى فتى صغير، لم يرتكب جريمة، ولا فعل جنبا يوجب هذا الأمر، وتأخذه من رأسه فتقتلع رأسه من جسده. سبحان الله! قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. قد خبرتك في أول الرحلة أنك لن تستطيع معي صبر. ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتَكْ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. في التفسير لهذا الموضع: قال الخضر: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ﴾، في قراءة ابن عباس: ﴿وَكَانَ كَافِرًا﴾، كانت من القرآن نُسخت لكنها موجودة حكمة. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ﴾، انظر إلى حكمة الله الواسعة، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يُبْدِلَهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رَحْمًا﴾. انظر إلى تدبير أرحم الراحمين، وانظر إلى عقل المخلوق القاصر. أنت تنظر الآن وتستنكر في قلبك، كيف لو كنت حاضراً ترى؟ سبحان الله! الله من رحمته يعلم شدة حب هذين الأبوين، الذين قد مضوا... ضياء من عمرهما الكثير في الإيمان والتقوى، وأن هذا الفتى طبع كافر، طبع كافر، ولو عاش هذا الفتى، من شدة حبه ما له، سيتبعانه على الكفر، فيموتان كافرين. فكان من رحمة الله أن يموت هذا الصبي. انظر إلى أسرار القدر، من رحمة الله أن يموت هذا الفتى، من رحمة الله. هل هذا الأمر إلى هاهنا انتهى؟ خير كثير، هذا ما من عاقل إلا ويقول: شيء طيب. قال الله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، قال الخضر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يُبْدِلَهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾، سيأتيهما بعد هذا الفتى فتى آخر، هذا الفتى من صفاته: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يُبْدِلَهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾، شاباً وفتى، شاباً وفتى، طائعاً، طاهر النفس، عظيم الإيمان، يعينهما على الإيمان والطاعة، بل وأقرب رحمة، يحمل أبويه على كفوف الراحة والبر بهما. انظروا إلى قدر الله، سر عظيم، سر عظيم. ينظر ناظر إلى مثل هذا، كما جرى لنبي الله موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِدًّا﴾، أي: شيئاً مبالغاً فيه، شيئاً إمراً، شيئاً نكراً. نعم، جزاك الله خيراً: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، أي: شيئاً بليغاً في النكارة. شيء ممكن، القدر باب عظيم من أبواب سر الله عز وجل، قد ترى الشيء شراً وتظنه شراً وهو خير لك، لكنك لا تعلم أنه خير، ولا تفهم إلا بعد مدة، إن فهمت أن هذا خير لك. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي رضي الله عنهما، يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت». ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وارتكاب نواهيه. هناك صنف من الناس جعلوا باب القضاء والقدر حجة لهم على فعل المعاصي والكفر، عياذاً بالله، جعلوا هذا الباب حجة لهم، كما صنعت القدرية المشركية الذين قال الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، أي: هذا مقدر علينا، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، كذلك كذب الذين من قبلهم، ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وارتكاب نواهيه. وهذا هو السؤال الذي وجهه بعض الزنادقة أو بعض الملاحدة إلى شيخ الإسلام بن تيمية، فكتب قصيدته التائية: «أيا علماء الدين ذموا دينكم تحير دلوه بأوضح حجتي إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قضيتي» جاءت رقعة فيها ثمانية أبيات أو سبعة، هذا منها، على لسان رجل ذمي، استدل بهذا: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وارتكاب نواهيه». فلما وصلت إلى شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، فنظر لها، ثم تأمل في تلك الورقة، ثم أخذ القلم وكتب. فظن الأصحاب: ابن تيمية رحمه الله أنه يكتب جواباً نثراً، فلما أكمل أعطى السائل الجواب، وإذا هي قصيدة في نحو مائة وخمسة وعشرين بيتاً، تضمنت من الحجج والبينات والدلائل الظاهرات ما يحار فيه عقل الإنسان، يحار فيه عقل الإنسان، وهي من الكرامات التي جرت لهذا الإمام، من الكرامات التي جرت لهذا الإمام. فقال: «سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش بار البلية وهذا سؤال خاصم الملأ العلا قديماً به إبليس أصل البلية ومن يكو خصماً للمهيمن يرجع على أم رأس هاويا في الحفيرة أو في الحفيرة» إلى آخرها. رد على هذا الرجل بردود عظيمة جليلة، رحمه الله وغفر. «ولنجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وارتكاب نواهيه». إلى أن قال شيخ الإسلام: «فقولك لم قد شاء مثل سؤال من يقول: فلم قد كان في الأزلية». يعني: هذا هذا السؤال الذي سألته، لما جعلني كافراً، كقول القائل: لما كتبني الله في اللوح المحفوظ كافراً؟ وهذا سؤال محرم في جميع الشرائع، لأن الله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأنت تسأل عما فعل، وهذا لا يجوز في ديننا، ولا في سائر الأديان، ولا في سائر الأديان لا يجوز. إلى أن قال في آخرها: يقول رحمه الله تعالى: «وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل فعال رداً فعال رداً طرداً لهذه القضية أو طرداً لهذه المقيسة فهل يمكن الرفع الملام جميعه عن الناس طراً عند كل قبيحة وترك عقوبات العباد وترك عقوبات الذين اعتدوا وترك الوراء وترك الوراء الإنصاف بين الرعية فلا تضمن النفس ومال بمثله ولا يعقب عاد بمثل الجريمة وهل في عقول الناس أو في طباعهم قبول لقول نذلي: ما وجه حيلتي؟» معنى هذا الكلام: أنني أنك لا تضطرد في هذه المسألة، أنت الآن تعاند وتقول: لماذا جعلني كافراً؟ وتقول: أنا مضطر أن أكون كافراً. تخيلوا لو أنني جئت إليه، أو جاء إليه شخص، وهذا غافل، فأخذ كفه فلطمه كفاً حتى داع. تخيل، فلما استنكر، قال: مكتوب علي قبل أن أُخلَق أني ألطمك، هذا الكف، هذا مقدر، مكتوب علي، ويجب أن تؤمن بأن هذا مكتوب، لا تستنكر، ولا داعي أنك تزعل ولا تغضب، هذا شيء قد حصل، مكتوب، خلاص، قد أراده الله، مكتوب. ماذا سيقول؟ هل سيتقبل هذا الجواب؟ ما أدري. أجعل، ماذا أقول؟ يعني: ماذا أقول؟ وهكذا في سائر الجرائم. رجل قتل رجلاً ظلماً، فقال: أراد الله أن أفعل هذا، خلاص انتهت القضية. رجل سرق مال رجل، قال: خلاص انتهت القضية، ليش؟ لأن هذا مقدر علي أني أسرق. طيب، حقوق الناس، يقول: خلاص يسامحون، أو أو يزعلون، المهم أن ليس علي شيء، لا إثم ولا مطالبة بشيء. كيف سيكون الكون؟ كيف سيكون الكون؟ فوضى، يكون فوضى. فسبحان الله! يستدل على الله، ولا يحكم بهذا فيما بينه وبين الخلق، مع أن القدر واحد، القدر واحد. يقول ابن تيمية في بعض الأبيات: «وقول كلم قد كان كشرب كشرب السم إلى آخر». يعني: إنما أنت كمن يشرب السم، ثم يقول: لما أنا مت؟ طيب، أنت تسببت، أنت تسببت بشربك لهذا السم، فكان موتك بسبب شربك السم، وأنت الذي باختيارك وإرادتك أخذت الكأس وفيه السم فشربت، وأنت تعلم أن فيه السم، فمت. شاهد: بعض الناس قرأت عنه أنه جرى مثل هذا مع بعض القدرية. قال: حكينا قصة عمر بن عبيد، كان له مجلس في المسجد، فدخل أعرابي، وقال له: يا... يا... يا... يا إمام، يا علامة، يا شيخ، إن ناقتي سرقت، فادعوا الله أن ترجع. فرفع يديه وقال: «اللهم إنك لم تشأ أن تسرق فسرقت، اللهم فرد إليه ناقته. اللهم إنك لم تشأ أن تسرق فسرقت، اللهم فرد إليه ناقته». فقال الأعرابي: لا حاجة لي بدعائك. قال: ولم؟ قال: إنه لم يشأ أن تسرق فسرقت، إنه لم يشأ أن تسرق فسرقت، فإذا شاء أن تعود فلن تعود. هذا بفطرته، هذا بفطرته. وبلغني عن بعض الناس، يذكرها بعض المشايخ، أن رجلاً يعني جرى مثل هذا، لطم رجلاً، فقال: قدر الله. قال: فأخذ كفه فضربه أشد منه، وقال: وهذه أيضاً قدرها الله. يعني: لم يقدر الأولى، فقر. فسبحان الله! كيف ظل هؤلاء الناس؟ يقول الشيخ: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وارتكاب نواهيه». بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله، أن لله تعالى علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. الله جل جلاله أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب لأجل إقامة... لأجل إقامة الحجة على الناس. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. أنت باختيارك، وباختيارك تؤمن، أو باختيارك تكفر، فتحاسب على اختيارك، والله يقدر لك ما اخترته ويخلقه لك سبحانه وتعالى. الرسل بينوا أعظم البيان. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، أن يقولوا: لِمَ عذبتنا يا الله ولم ترسل إلينا الرسل؟ لِمَ عذبتنا ولم تبين لنا الحجة؟ لِمَ عذبتنا ولم ترسل لنا كتاباً نقرؤه؟ قال الله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ما كنا... لا يعذب الله أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وفي الآية هذه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، مبشرين لمن أطاعه، منذرين لمن خالف أمر الله. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. قال رحمه الله: ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة. شرع المصنف رحمه الله في الرد على الجبرية. الجبرية يقولون في هذا الموضع: إن العبد مجبور على أفعاله، إن العبد مجبور على أفعاله، فهو كالريشة في مهب الريح، ريشة أو ورقة طارت، أخذتها الريح يميناً، أخذتها الريح يساراً، أبعدتها الريح إلى الأمام، أرجعتها الريح إلى الخلف، وهكذا الإنسان. هكذا يقول هؤلاء الضلال من الجهمية الجبرية: أن العبد كالريشة في مهب الريح، ليس له اختيار لنفسه، ليس له اختيار لنفسه. وهذا مذهب قبيح، هذا مذهب قبيح. ونعلم أن الله سبحانه وتعالى... سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل، العاجز معذور، ولا يأمر الله إلا من عنده استطاعة على الفعل والترك. هذا معتقد أهل السنة. فللعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، قدرة واستطاعة وقوة على الفعل والتمكن من الفعل. لو لا وجود هذه القدرة لعذر. يقول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. انظروا إلى هذه الآية: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. إذن المستطيع على الحج، ثم ترك الحج مع استطاعته على الحج ببدنه وماله وراحلته، هل هو آثم؟ المستطيع للحج ببدنه وماله وراحلته، والطريق آمنة، فترك الحج عمداً، هل هو آثم أم ليس بآثم؟ عندما نسأل... أخوه عندك: أنا حمزة، آثم أو ليس بآثم؟ نعم، آثم. مستطيع، يحج، قادر على المشي، قادر على فعل مناسك الحج ببدنه، أيضاً عنده مال ينفقه، أيضاً معه راحلة يركب فيها، أيضاً الطريق آمنة، ما عذر هذا؟ الله جل جلاله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. طيب، السؤال آخر: الذي لا يستطيع لضعف في بدنه، ولا يوجد من يعينه، هل عليه الحج؟ ليس عليه إثم لعدم الاستطاعة. لماذا ليس عليه الإثم؟ لعدم الاستطاعة. إذن مناط الحكم بالإثم والوجوب والعقاب والإثابة هو الاستطاعة في الحج. فالمستطيع التارك آثم، والعاجز معذور. إذن هل أمر الله إلا من يستطيع؟ ومن لم يستطع فليس عليه. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. يقول الشيخ رحمه الله: ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى طاعة... إلى ترك طاعة. ولا اضطره إلى ترك طاعة. والله عز وجل يجازي عباده ثواباً وعقاباً على أعمالهم، يثيب المحسنين بإحسانهم، ويعاقب المسيئين بإساء