الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الطهارة شرط أساسي للصلاة وتنقسم إلى طهارة حسية ومعنوية. العلماء اختلفوا في حكم الماء المستعمل.
المياه الطاهرة تنقسم إلى طهور ونجس، والماء الطهور هو الذي بقي على خلقته. آراء العلماء اختلفت حول الماء المستعمل.
الجمهور أجاز الوضوء بالماء المتغير إذا بقيت عليه صفة الماء، بينما فرق أبو حنيفة في بعض الحالات. الماء المتغير بطول المكث أو بملح يعتبر مطهرًا.
الشافعي يرى عدم جواز التطهر بالماء المتغير تغيرًا كبيرًا. هذا رأيه في مسألة استعمال الماء المتغير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، بعد. نبدأ بما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وكما قلنا: حسين المحلي رحمه الله، في كتاب "مزيد النعمة" لجمع أقوال الأئمة. قال رحمه الله: كتاب الطهارة، وكتاب الطهارة قدمه العلماء. وهنا كتاب، أولًا بمعنى "فعال" وهو بمعنى "مفعول"، كتاب بمعنى "مكتوب"، أي هذا الكتاب مكتوب فيه أحكام الطهارة. والطهارة على قسمين: طهارة حسية، وطهارة معنوية. والطهارة المعنوية هي التي يذكرها العلماء في تزكية النفس وغيرها في العقائد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ومعنى "زكاها" طهرها من دنسها. وقال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فالطهارة هنا الزكاة، تطهير القلب وتنظيفه مما يشوبه. وأما الطهارة الحسية فهي رفع الحدث وإزالة النجس، وهي التي يتكلم عنها أهل الفقه. وإنما قدموا كتاب الطهارة لأنه شرط من شروط الصلاة، لأن أول ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جبريل في أركان الإسلام من الأعمال الصلاة. فالصلاة هي أول ركن، وأهم شروطها الطهارة، فلهذا قدم باب الطهارة على باب الصلاة. قال المحلي رحمه الله: "الماء المستعمل في فرض الطهارة طاهر غير مطهر عند الثلاثة". الثلاثة هم أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أحد الروايتين عنه. وقال مالك: هو مطهر ما دام باقيًا على خلقته. وقال أبو يوسف: من أصحاب أبي حنيفة، نسب إليه القول بالنجاسة. العلماء يذكرون في الطهارة باب المياه، وما هي المياه الطاهرة التي يتطهر بها. والمياه الطاهرة على تقسيم الجمهور تنقسم إلى قسمين: طهور، ونجس. الماء المطلق الذي لم يعكر بشيء من الأشياء، مثل ماء العيون وماء الآبار، هو طاهر مطهر. إلا في ماء البحر، حصل خلاف، لكن جاءت الأحاديث بجواز الوضوء بماء البحر، ومنها حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». كلمة "الطهور" تعني طاهر في نفسه، مطهر لغيره. فالماء المطلق طهور عند الجميع. ثم اختلفوا في بعض المياه التي أضيف إليها بعض الأشياء أو التي استعملت. فالماء المستعمل هو الذي استعمله إنسان وبقي منه شيء. والماء المستعمل على قسمين: ما بقي بعد استعماله في إناء، وما استعمل أكثره وبقي بعضه. فمن العلماء من قال: الماء المستعمل طاهر غير مطهر، كما قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ومنهم من قال: هو مطهر ما دام باقيًا على خلقته، كما قال مالك رحمه الله. لأن الأصل في الماء أنه طهور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود في بئر بضاعة. خلاصة المسألة أن الماء إن كان على خلقته ولم يتأثر بنجاسة، فهو ماء طهور يتطهر به، سواء كان مستعملًا أو غير مستعمل. إلا إذا غيرت خواصه الثلاث: لونه، وريحه، وطعمه، كما سيأتي. وقد جاءت الأحاديث التي تؤيد جواز الوضوء بالماء المستعمل، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم، حديث عمر بن دينار عن نافع بن جبير عن ابن عباس، قال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضل ميمونة. وفي رواية: «إن الماء لا يجنب»، فدل على جواز الاغتسال بفضل الماء الذي فضل من المرأة. قال: "والماء المتغير بالزعفران ونحوه تغيرًا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، لا يتطهر به عند الثلاثة". وأجاز ذلك أبو حنيفة ما لم يطبخ به أو يغلب على أجزائه. والماء المتغير بطول المكث أو بطين أو بتحلب أو بملح، فهو مطهر بالاتفاق. إلا ما جاء عن ابن سيرين أنه قال: غير مطهر. الماء الذي خلطته بعض الطاهرات، كالصابون أو الزعفران أو السدر، يجوز التطهر به، إلا إذا تغير تغيرًا تامًا حتى لا يطلق عليه اسم الماء. فعند الجميع أنه لا يتطهر به. إلا عند أبي حنيفة، فإنه يفرق بين ما طبخ وما لم يطبخ. فإن طبخ، فلا يجوز التطهر به، وإن لم يطبخ، جاز. وأما المتغير بطول المكث أو بطين أو بتحلب أو بملح، فهو مطهر بالاتفاق، ما دام بقي ماء. إلا إذا نشف الماء ولم يبق إلا ملح، فلا يتوضأ به. لأن هذا ملح، وإن كان فيه شيء من الماء. والصحيح كما قلنا: سواء كان طبخ أو لم يطبخ، إلا إذا خرج عن إطلاق الماء. وهذا مذهب مالك رحمه الله، ورواية عن أحمد. وأما إن كان بقي على أنه يطلق عليه ماء، فإنه يتطهر به. وعند الشافعي: أنه إذا تغير تغيرًا كثيرًا، فإنه لا يتطهر به. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.