شرح مختصر سيرة الرسول  30

شرح مختصر سيرة الرسول 30

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أول دم في الإسلام وصلاة الركعتين واستهزاء قريش بالمستضعفين

يتناول المحور أول دم أُريق في الإسلام على يد سعد بن أبي وقاص في السنة الرابعة من البعثة، مبيناً أن الصلاة كانت ركعتين قبل فرض الخمس. كما يسرد استهزاء قريش بالمستضعفين كعمار وبلال، ورد القرآن بأن الدين يقوم على التقوى لا الوجاهة الاجتماعية.

محاولة أبي جهل وطأ النبي ونزول سورة العلق وسورة المسد

يسرد المحور أمثلة من أذى قريش كن محاولة أبي جهل وطأ رقبة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء سجوده فمنعه الله، ونزول آيات سورة العلق توبيخاً له. كما يذكر إيذاء أبي لهب وامرأته وما نزل فيهما من سورة المسد، مبيناً صبر الصحابة وثباتهم.

أذى قريش للنبي بالخنق والتشهير والمكيدة وصبر الصحابة

يستعرض المحور أنواع الأذى التي لاقاها النبي صلى الله عليه وسلم من التشهير باسمه وخنقه والمكيدة لقتله، وما تعرض له الصحابة من تعذيب شديد. ويؤكد صبرهم وثباتهم على الدين، داعياً للاستفادة من سيرتهم في الصبر على تبليغ الدعوة اليوم.

ثمرة ذكر مواقف الصحابة في محبتهم وذم الطاعنين فيهم

يبيّن المحور أن استذكار ما تحمّله الصحابة من أذى يوجب محبتهم والرضا عنهم ومعرفة قدرهم. كما يستنكر طعن الروافض في الصحابة داعياً إلى البراءة من نهجهم، ويختتم الجلسة على أن يُكمل الباقي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: أول دم أهريق، ومعنى أول دم أهريق يعني من قبل المسلمين على المشركين. قال: وفي السنة الرابعة أي من البعثة ضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً من المشركين فشجه، ومعنى شجه كما ذكر هنا المعلق أي كسره أو جراحه أو شقه. وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب فيصلون فيها، قد يقول قائل: كيف يصلون فيها وإنما فرضت الصلاة بعد؟ يعني قبل الهجرة، فالمراد بالصلاة هنا ليست الصلاة المفروضة، وإنما هي صلاة كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت هذه الصلاة ركعتين كما جاء في بعض الأحاديث، فيحمل على هذا، وهذا يدل عليه القرآن في قول الله عز وجل: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ [العلق: 9-10] في سورة اقرأ، وهذه السورة كانت في أول الدعوة، وسيأتي حديثها إن شاء الله، حديث أبي هريرة. قال: فيصلون فيها فرآهم رجل من الكفار ومعه جماعة من قريش فسبوهم، وضرب سعد أو سعد بن أبي وقاص رجلاً منهم فسال دمه، فكان أول دم أهريق في الإسلام، وهذا يذكره أهل السير من المرسلات، وتعلمون أن في أول الدعوة قد وردت أحاديث كثيرة في اختفاء المسلمين واستتارهم من المشركين، فتدل عليه الحوادث الأخرى التي فيها هذا المعنى، والله أعلم. قال: استهزاء المشركين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه مثل عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وصهيب الرومي، وبلال، وأشباههم، فإذا مرت بهم قريش استهزأوا بهم وقالوا: أهؤلاء مَن مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ ومعنى كلامهم هذا أنهم كانوا يعظمون أمر الدنيا، وكانوا يقولون: إن الدنيا للكبراء والعظماء، فظن هؤلاء المشركون أن الآخرة كذلك مثل الدنيا، ينبغي أن تكون للعظماء والكبراء، ليس للمستضعفين، فكانوا يقولون: لو كان محمد على الحق لكان أتباعه الشرفاء والأسياد، ليس هؤلاء الضعفاء. فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام: 53]، أي أن أمر الدين ليس يصلح له كل أحد، فالله عز وجل يعلم من يصلح لدينه، فأمر الدين ليس بالوجاهة ولا بالسيادة، وإنما بالتقوى. وأراد المشركون بهذا، أي قولهم: قد مَنَّ الله عليهم من بيننا، التهوين والتحذير من دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. معنى هذا الأمر قد جاء في حديث منها سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52]، ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الكهف: 28]، ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 28]، وغيرها من الآيات أنها نزلت في جلوس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الضعفاء كأمثال عمار بن ياسر، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وغيرهم من الصحابة. قال: وفيهم نزل: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 41]، وهذا السبب ما ثبت ما ذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول، والله تعالى أعلم. قال: وقال أبو جهل، يعني ما هو وجه الشاهد من إرادة مؤلف لهذا؟ أن من استهزاء المشركين بالمسلمين أنهم يحتقرون ويصفون بالاستضعاف في قولهم: قد مَنَّ الله عليهم من بيننا، ما اختار الله إلا هؤلاء حتى يكونوا تبعاً لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من الاستهزاء، ومن الاحتقار، ومن السخرية بأمثال هؤلاء الأجلاء الصحابة الكرام. قال: وقال أبو جهل: والله لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فبلغه أن رسول الله يصلي فأتاه، فقال: ألم أنهك عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتنتهرني وأنا أعز أهل البطحاء؟ فنزل قوله تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ [العلق: 9-10]. وفي بعض الرواية أنه قال: ألم أنهك؟ فوالله ما في مكة أعز من نادي، نادي يعني المكان الذي يجتمع فيه القوم، يجتمع فيه القوم ويكون لهم أشراف وأسياد في هذا المجلس، ومعنى هذا سيأتي ورد في حديث أبي هريرة، وظاهر القرآن يدل عليها: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ [العلق: 9-10]، ينهى هو أبو جهل، وعبداً هو النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ التعفير: التمريغ بالتراب أثناء السجود، يعني هل يسجد محمد ويضع جبهته في التراب؟ يقول لقومه، فقيل له: نعم، فقال: واللات والعز، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، يعني أضع رجلي على رقبته وهو ساجد، سيضع رجله على رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وازع ما ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكس على عقبيه، يعني يرجع القهقرى، يرجع للوراء، وما استطاع الوصول إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ويتقي بيديه، يعني كأن شيئاً أراد أن يهجم عليه فهو يدافعه بيديه. وقال أي أبو جهل: بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني، أي قرب مني، لاختطفته الملائكة عضواً عضواً، فالله عز وجل قد عصم نبيه ودافع عنه. فأنزل الله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6-7]، والحديث كما سمعت في مسلم، ووجه الشاهد من هذا الحديث أن أذى المشركين بلغ بهم إلى أن يريدوا وطأ رقبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأقدامهم، وهذا فيض من غيظ، وإلا فالحوادث كثيرة في ابتلاء المسلمين في هذه المرحلة، المرحلة المكية، وكما تعلمون أن هذا الكتاب كتاب مختصر، فاكتفى المؤلف بذكر هذه الأمثلة، وإلا فهناك أمثلة كثيرة نذكر بعضها من باب الفائدة، وحتى نعلم ما لاقى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من الأذى في سبيل هذا الدين، وفي سبيل هذه الدعوة، حتى وصلت إلينا كما نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام، ونعلم فضل الصحابة وصبرهم، وكذلك تحملهم، حتى ثبتهم الله سبحانه وتعالى، ونقل لنا هذا الدين العظيم. فمن ذلك قصة أبي لهب وامرأته التي كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسب والشتم، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1-5]. كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بقولها وفعلها، فكانت ترمي الحجر والشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانت تقول: مذمم من أبينا، تعني النبي عليه الصلاة والسلام، مذمم من أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. وهذا أرواه كذلك الحاكم والحميدي بإسناد حسن. وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ألا تعجبون مما يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً، وأنا محمد؟» إنما أنا محمد ولست بمذمم، ولست بمذمم. فانظر إلى استهزائهم، كانوا يقلبون اسمه فيقولون: مذمم، وقد أكرمه الله عز وجل صلى الله عليه وسلم، فاختار له أحسن الأسماء، فهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس بمذمم. وهكذا جاء عن عبد الله بن الزبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عمر: أخبرني بأشد ما لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المشركين، فذكر قصة عقبة بن أبي معيط عندما وثب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولوى عنقه بثوب، أي لوى عنق النبي عليه الصلاة والسلام بثوب فخنقه خنقاً شديداً، عقبة خنق النبي عليه الصلاة والسلام خنقاً شديداً، حتى كاد أن يقتله، فدفعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو يقول: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ» [غافر: 28]، هذا رواه ابن أبي شيبة وهو حديث صحيح. انظروا إلى ما لاقى رسولنا عليه الصلاة والسلام، خنقه هذا الشقي حتى كاد أن يقتله، ما ذنبه؟ لأنه دعا إلى دين الله سبحانه وتعالى. وكذلك أروا أحمد والحاكم بإسناد صحيح أن المشركين اجتمعوا وتمالؤوا على قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تمالؤوا على قتل نبينا عليه الصلاة والسلام في الحجر، وعن أن يقتلوه من قبائل متفرقة حتى يتوزع دمه على القبائل، لا تستطيع عشيرته أن تأخذ بالثأر، أن تأخذ بالثأر. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن فاطمة أخبرته بذلك وهي تبكي، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فتوضأ نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم نعم، فتوضأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خرج عليهم وهم جالسون، فأخذ كفا من الحصباء ورماها وقال: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ، شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، قال الراوي من الصحابة: فما أحد منهم إلا وقد قتل في بدر، ما من أحد منهم إلا وقد قتل في بدر، وهذا الحديث كما تقدم حديث صحيح. انظروا كيف أرادوا قتل نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيف آذوا المؤمنين والمسلمين في ذاك الوقت، وفي أول مراحل الدعوة. وكذلك ما جاء في الصحيح من حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه يبين ما كان عليه الصحابة من أذى ومن شدة وعذاب من قبل المشركين، فيقول خباب بن الأرت: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو متوسد ببردة في الكعبة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ يعني وجدوا من الشدة، ووجدوا من كذلك الأذى من قبل المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ ثُمَّ يُنْشَرُ بِالْمِنْشَارِ مَا بَيْنَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَلَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». وقد مر معنا كيف أوذي عمار وقتلت أمه، وهكذا عذب أبوه، وهكذا عذب بلال رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انظر كيف ضحى هؤلاء الصحابة بأرواحهم، وبكذلك ما لاقوا من تعذيب وأذى، فماذا نحن عسى أن نلاقي في سبيل هذه الدعوة؟ الحمد لله، لربما أقل ما وجدنا إعراض الناس أو بعض الناس، ولم يصل الحال إلى ضرب ولا إلى سجن ولا إلى تعذيب، فنحمد الله عز وجل، ونجد ونجتهد في تبليغ هذا الدين، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والجد والاجتهاد في طلب العلم النافع والعمل الصالح، فهذه السيرة تنير لنا الطريق، تنير لنا الطريق. ومن فوائد ذكر ما لاقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم: محبة هؤلاء الصحابة، كيف لا نحبهم وهم قد تحملوا هذا الأذى ولاقوا ما لاقوا في سبيل تبليغ هذا الدين ونصرة هذا الدين؟ فهذا كله يدعونا إلى محبتهم، والترضي عنهم، ومعرفة قدرهم، والإشادة بفضلهم، فقبح الله الروافض الذين ينالون من هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم، قال: إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.