كتاب الطهارة 39

كتاب الطهارة 39

الدرس في كتاب الطهارة 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم مس المصحف للمحدث وآراء العلماء

يناقش حكم مس المصحف للمحدث وآراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة، حيث يرى الإمام محلي رحمه الله عدم الجواز بالإجماع بينما أجاز داود الظاهري ذلك. يستند العلماء في آرائهم إلى الآية الكريمة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.

استدلال العلماء و ضعف الاستدلال بالآية وحديث عمر بن حزم

يتناول استدلال بعض العلماء بالآية وحديث عمر بن حزم على عدم جواز مس القرآن للمحدث، ويبين ضعف هذا الاستدلال لاحتمال أن يكون المقصود بالطاهر هو المؤمن وليس المتطهر من الحدث.

حكم و استحباب مس المصحف بالطهارة

يناقش حكم مس المصحف بدون طهارة، حيث يُرى أنه لا ينبغي لغير المتطهر مس المصحف، ويُستحب للإنسان أن يمس المصحف وهو متطهر، مع وجود خلاف حول ما إذا كان يُثم الإنسان إذا مسه بدون طهارة.

تأجيل التفاصيل لدرس قادم

يتم التأكيد على عدم وجود مشكلة في حالة عدم فعل شيء معين، ويتم الإعلان عن نية ترك التفاصيل المتعلقة بمس المصحف لدرس قادم.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام محلي رحمه الله في مزيد النعمة فصل، قال: لا يجوز مس المصحف ولا حمله لمحدث بالإجماع. وعن داود الظاهري الجواز. كأن المؤلف لم يعتد بكلامي أو بقولي داود، وهذه مسألة مختلفة فيها. وهل يعتد بقولي داود في خرق الإجماع أم لا يعتد؟ فبعض العلماء قالوا: يعتد، وهو الصحيح؛ لأن داود بن علي الظاهري فقيه وعنده علم، ليس أن علمه قليل، بل هو عالم من علماء المسلمين. وإن كان اتخذ له هذا المذهب، وهو أنه أخذ ظواهر النصوص. تجد أن هذا المذهب أحيانا يكون صحيحا، وأحيانا إذا كانت المسائل فيها تعليم فغالبا الصواب مع غيره. والمسائل التي غالبا ليس فيها تعليم، فيكون غالبا الصواب معه؛ لأنه لا يأخذ بالتعليم وإنما يأخذ بالظاهر، فلهذا كان مذهبه هكذا. فالمسائل التي فيها تعليم غالبا يكون الصحيح خلاف قوله، والمسائل التي لا تعليم فيها غالبا يكون الصواب معه. طيب، هنا هذه المسألة، مس المصحف، جاء فيها قول الله عز وجل: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. وهذه الآية قال بعض المفسرين: إن المراد به القرآن. وجاء البعض -وهو الأكثرون- عن ابن عباس وغيره: أن المراد به اللوح المحفوظ. أن المراد به اللوح المحفوظ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، بعدما ذكر القرآن قال: في كتاب مكنون، أي هذا القرآن أيضا محفوظ في كتاب، وهذا الكتاب مكنون عند الله جل وعلا، فقال: لا يمسه إلا المطهرون. فالضمير هنا هل هو عائد للقرآن أم هو عائد للكتاب المكنون؟ فالصحيح أنه عائد إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون. وإذا حصل النزاع في هذه الآية، فالاستدلال بها يكون فيه أيضا نزاع؛ لأن النزاع هنا في الاستدلال بالآية. وهناك قاعدة عند العلماء تصحح في بعض المواضع، وهي: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. فإذا احتملت الآية، وليس كل احتمال، أحيانا يكون الاحتمال ضعيفا كالوهم، فليس هذا المراد. وإنما الاحتمال الذي يكون فيه على شقين متساويين، لا يستطاع أن يرجح بينهما إلا بشيء خارج عنهما، فمثل هذا الاحتمال يبطل الاستدلال به. لا يقال: بهذا ولا بهذا، وخاصة إذا كان بين الاستدلالين تعارض. فالاستدلال بهذه الآية فيه نزاع. وقول: لا يمسه إلا المطهرون، زد على ذلك أيضا أن قوله: المطهرون، أكثر أهل العلم وأهل التفسير ذكروا أن المراد بهم الملائكة؛ لأنهم لو أرادوا التطهر من الجنابة والحدث لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. لكن قال: المطهرون. لو أراد التطهر من الجنابة والحدث لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. فالذي يتوضأ من حدث أو يغتسل من حدث فهو متطهر، وليس طاهر. المؤمن طاهر، المؤمن لا ينجس، أي فهو طاهر القلب. لكن مسألة: هل هو فيه حدث؟ هل هو متنجس؟ فهذا في مسألة الطهارة، فيسمى إذا تطهر سمى متطهر. فالآية قالت: لا يمسه إلا المطهرون، أي الملائكة الذين عندهم هذا اللوح المحفوظ. طيب، فالاستدلال بهذه الآية بعيد. استدلوا أيضا بحديث عمر بن حزم في الكتاب الذي كتبه، الذي معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لهم، لكنه مرسل؛ لأن عمر بن حزم من التابعين، ولم يذكر عن أحد من أهله أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فهو حديث مرسل، وفيه: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»، «أن لا يمس القرآن إلا طاهر». فهذا الحديث مرسل على الصحيح. ولو قلنا بصحته، فأيضا القول فيه مثل القول في الآية؛ لأن هنا: لا يمسه إلا طاهر، فهل مراد هنا الطاهر الذي ليس بمحدث؟ أم أن الطاهر هنا هو المؤمن؟ لا يمسه إلا طاهر، أي لا يمسه إلا مؤمن؛ لأن المؤمن طاهر، وأما الكافر لا يمس القرآن؛ لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر بالقرآن إلى بلاد العدو حتى لا يمسه الكفار. فلهذا قال العلماء هنا، واختلفوا أيضا في المعنى. فالذين صححوا أيضا اختلفوا: هل المراد هنا طاهر، أي المؤمن؟ أو أن الطاهر هنا متطهر من الحدث؟ متطهر من الحدث؟ ففيه أيضا كذلك نزاع. وقال بعض العلماء: إن القرآن له قدسية، وله أيضا إجلال، فلا ينبغي لغير متطهر أن يمسه. وهذا كلام صحيح، لكن يحتاج إلى دليل يستدل به عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهل جاء أن أحدا مثلا من الصحابة وغيرهم مس القرآن وهو على غير طهارة؟ لم يأت، لم يثبت شيء في ذلك. فلهذا فقال: إن الأولى للإنسان أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر متطهر. الأولى للإنسان أن لا يمس القرآن إلا وهو متطهر. لكن هل هذا إذا مسه وهو غير متطهر هل هو آثم؟ فهذا يحتاج إلى دليل، تعظيمه يحتاج إلى دليل. وقد قال أهل المذاهب الأربعة بأنه لا يجوز كما ذكر المؤلف هنا، حتى قال: بإجماع، أي بإجماع أهل المذاهب الأربعة. وهذه في مسألة المس. وهناك مسألة أيضا القراءة نذكرها في درس لاحق. لكن هنا في مسألة مس المصحف، فخلاصة المسألة كما قلنا: إن الأولى للإنسان أن لا يمس المصحف إلا وهو متطهر. كذلك المرأة الحائض، الأولى لها أن لا تمس القرآن إلا وهي متطهرة. لكن إذا كانت تريد أن تراجع القرآن، معنى تحتاج إلى مراجعة القرآن حتى لا تنساه، فالظاهر أنه جائز كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضا هو قول عند مالك؛ لأن الأدلة التي تستدل بها ليست ظاهرة وليست صريحة. فلهذا نقول: من باب الاحتياط أنها لا تمس. لكن إذا أرادت أن تراجع القرآن لأجل التي تفلت عليها فهو جائز أن تمسه، وإن كان مثلا تمسه بغلاف أفضل، أو بوسيلة أخرى، أو إذا كان عندها جوال تقرأ من الجوال فهو أسلم. من ناحية معنى الخلاف في هذه المسألة، ولأن الأدلة ليست ظاهرة وليست صريحة، فلهذا من باب الاحتياط، ولوجود أدلة تحتمل، فممكن أن الإنسان يتوقى من هذا فلا يمس القرآن إلا إذا احتاج إلى أن يراجع أو كذا. ومعنى ذلك أنه عنده وقت المراجعة يريد أن يراجع، ولم يجد مثلا معنى أو كذا، فالأفضل أنه ولو تيمم إذا لم يجد معنى تيمم ومس المصحف. وإن كان لم يفعل فلا شيء في ذلك. طيب، إن شاء الله نترك أيضا هذه المسائل الفرعية في مس المصحف إن شاء الله نتركها في درس لاحق.