التعليق على مذكرة أصول الفقه 72

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 72، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التقسيم في أصول الفقه وتطبيقاته

التقسيم هو قادح عند الجمهور في الدليل، ويعني احتمل لفظ مورد في الدليل معنيين أو أكثر. يشترط لصحة التقسيم شرطان: أن يكون ما ذكره المستدل منقسما إلى ما يمنع وما يسلم، وأن يكون التقسيم حاصرا لجميع الأقسام.

النقض كقادح في العلة وآراء العلماء

النقض هو وجود العلة دون الحكم، واختلف العلماء في كونه قادحا في العلة. منهم من قال إنه قادح مطلقا، ومنهم من قال إنه تخصيص لحكم العلة، وذهب إمام الحرمين إلى أن النقض تخصيص في العلة المنصوصة وقدح في المستنبطة.

أجوبة النقض على العلة وتأثيرها في الحكم

يناقش المقطع ثلاثة أجوبة على النقض على العلة في الأحكام الشرعية، وهي منع وجود العلة، ومنع تخلف الحكم عن العلة، وبيان وجود مانع من تأثير العلة في الحكم أو فقد شرط تأثيرها. العلة لا تؤثر إذا لم تتوفر شروطها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام شقيط رحمه الله في كتابه "مذكرة في أصول الفقه" في ذكر القوادح: قال السؤال الخامس: التقسيم. وهذا التقسيم مثل الاستفسار، قال: هو قادح عند الجمهور في الدليل، ومنع قوم القدح به. وضابط التقسيم أن يحتمل لفظ مورد في الدليل معنيين أو أكثر، بحيث يكون مترددا بين تلك المعاني، والمعترض يمنع وجود علة الحكم في واحد من تلك المحتملات. كأن يقول مشترط النية في الوضوء: الطهارة قربة، فتشترط فيها النية كغيرها من القرب. وهذا قول الجمهور. فيقول الحنفي: الطهارة النظافة أو الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء شرعا. يعني هذا التقسيم. الحنفي يقول: الطهارة النظافة أو الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء شرعا. هذا من نسبة المعنى اللغوي. الطهارة في اللغة النظافة، لكن في الشرع المعنى الثاني: الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء شرعا. كأنه يقول: يعني الوضوء ينقسم إلى قسمين: أو النظافة والوضوء الشرعي، أيهما تريد، أيهما المقصود. قال: والأول ممنوع كونه قربة، يعني النظافة ليست قربة التي هي علة في وجوب النية. يشل علة كونه قربة، ونظافة ليس بقربة، إذن يتعين الثاني. وقد يقول المستدل: أن كلامي ليس فيه احتمال، لأن الوضوء إذا أطلق في الشرع يراد به الوضوء الشرعي الذي هو غسل الأعضاء للوضوء اللغوي الذي هو النظافة. فحينئذ لا يعترض عليه بهذا الاعتراض. قال: ومن أمثلته أن يستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمن الخيار بوجود سبب الملك وهو البيع. أن يستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمن الخيار، يعني إذا كان هناك خيار، أو مراد به الخيار المجلس قبل أن يتفرقا، بوجود سبب الملك وهو البيع. يعني كون البيع وقع هنا يثبت الملك للمشتري. قال: فيقول المعترض: السبب مطلق البيع أو البيع الذي لا شرط فيه. والأول ممنوع، يعني مطلق البيع، والثاني مسلم، ولكنه مفقود في محل النزاع، لماذا؟ لوجود الخيار، خيار المجلس. قال: فالجواب عن التقسيم كالجواب عن الاستفسار المتقدم. فالجواب عن التقسيم كالجواب عن الاستفسار المتقدم، وهو أن يبين أن لفظه لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو أنه أظهر فيه. وعرف في المراقي، وعرف جوابه، والخلف فيه، بقوله: ويقدح التقسيم أن يحتمل لفظ لأمرين، ولكن حضر وجود علة بأمر واحد، وليس عند بعضهم بالوارد. جوابه بالوضع في المراد، أو الظهور فيه باستشهاد. قال: شروط صحة التقسيم. قال المعرف رحمه الله: ويشترط لصحة التقسيم شرطان. الأول: أن يكون ما ذكره المستدل أن يكون ما ذكره المستدل منقسما إلى ما يمنع وما يسلم. فلو زاد المعترض وصفا لم يذكره المستدل لم يقبل منه. نعم، إذا زاد وصفا لم يذكره المستدل لم يقبل منه. فحين إذن يكون كالمجادل لنفسه. الثاني: أن يكون التقسيم حاصرا لجميع الأقسام. أن يكون التقسيم حاصرا لجميع الأقسام. فإن لم يحصرها فللمستدل أن يبين أن مورده غير ما عينه المعترض بالذكر. ووجه قبول القدح بالتقسيم: أن اللفظ إذا احتمل أمرين أحدهما باطل، فهو محتمل للبطلان، فلا تنتهض به حجة. ووجه رد القدح به: أن احتمال البطلان لا يبطل الدليل. قال السؤال السادس: المطالبة. قال: اعلم أن حقيقة المطالبة في الاصطلاح هي منع كون الوصف علة الحكم، وهي بعينها أحد أقسام المنع الأربع المتقدمة. وقد قدمنا أن هذا النوع من المنع هو مركب الأصل في موضعين إن ادعى الخصم المانع إلا أخرى. ومثال المطالبة: قول الحنبلي للشافعي: أثبت دليلك على أن علة الربا في البر الطعم. الشافعي يدعي أن علة الربا في البر كونه مطعوما. فيقول الحنبلي الذي لا يرى ذلك: أثبت دليلك على هذا، أن علة الربا في البر هي الطعم. يعني يطالبه بإثبات العلة. علة الأصل هذا يسمى مطالبة. قال: لما ذكر القدح في المراقي بمنع وجود الوصف، وبمنع كونه علة في قوله: من القوادح كما في النقل: منع وجود علة في الأصل، ومنع علية بما يعلل به. وقدحه والمعول قال في شرحه: وهذا الأخير هو المسمى بالمطالبة. يعني إذا طالبه بإثبات علة الأصل، هذا قدح في العلة واضح. قال السؤال السابع: النقض. قال: قد قدمنا حده مرارا، وقلنا بأنه وجود الوصف المعلل به دون الحكم. يعني أن توجد العلة ولا يوجد الحكم. أن توجد العلة ولا يوجد الحكم، هذا يسمى النقض. نقض العلة. قال: وقسمناه في الكلام على اشتراط الطراد العلة إلى أربعة أقسام، وأوضحناها سابقا. ونزيد هنا ذكر أقوال العلماء فيه، وأوجه الجواب عن القدح به، بناء على أنه قادح. اعلم أن بيع العرايا ونحوه لا يقدح به في علة الربا بالنقض إجماعا، كما تقدم. بل هو تخصيص لحكم العلة كالعموم. وهذا بالإجماع كما ذكر. ويكون مستثنى من قاعدة القياس. قال: أما غيره، فقال قوم: هو قادح مطلقا. يعني إذا وجدت الوصف ولم يوجد الحكم، قالوا: هذا نقض مطلقا، سواء كانت منصوصة أو مستنبطة. وهذا قول الجمهور. قال: وقال قوم: هو تخصيص لحكم العلة لا قدح. هذا تخصيص لحكم العلة لا قدح فيها. وعليه الأكثر. وهذا نسب أيضا للجمهور كذلك، أنه تخصيص لحكم العلة وليس بقادح. قال: أروي عن مالك أنه تخصيص في المستنبطة، وقدح في المنصوصة. قال: وقال قوم بالعكس. يعني قدح في المنصوصة وتخصيص في المستنبطة. عكس ما ذكر عن مالك. قال: وعزاه إمام الحرمين في البرهان للأكثر، يعني أنه تخصيص في المنصوصة، وقدح في المستنبطة. وهو أوجه عندي مما قبله. يعني أنه قدح في المستنبطة وتخصيص في المنصوصة. قال: لأن النص على صحة العلة أقوى من النقض بتخلف الحكم عنها، فلا يبطل الأقوى بالأضعف. قال: لأن النص على صحة العلة أقوى. يعني الشرع نص على أن هذه علة. علة الربا في المزابنة عدم التساوي، هذا نص. إذا وجدنا بيعا آخر جازه الشرع مع وجود العلة، لكن الذي يمنع الحكم هو حكم الربا، هذا ليس من ناقض، إنما تخصيص. قال: واختار رمه الحاجب في مختصره الأصولي أن النقض قادح في المنصوصة الثابت بدلالة قطعية، يعني كتواتر أو إجماع، بخلاف الثابت بظاهر إنعام كحديث أحد نحو ذلك. قال: فهو تخصيص لها. يعني فهو تخصيص لها. يعني لا يعد نقضا في المستنبطة. العلة المستنبطة يقول: هذا يعد تخصيصا لا نقضا. قال: وأنه يقدح في المستنبطة إن لم يكن تخلف الحكم عنها لوجود مانع أو فقد شرط. وذكر في المراقي هذا الخلاف مع تعريف النقض بقوله: منها وجود الوصف دون الحكم. سماه بالنقض. وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح. لا يقدح بل هو تخصيص. وذا مصحح. قال: تنبيه، والجواب عن النقض بناء على أنه قادح من أوجه خمسة. الأول: منع وجود الوصف، أي العلة في صورة النقض، فيصير تخلف الحكم لعدم وجود علته، فلا نقض إذن. ومثاله أن يقال: فيما رمى الوالد ولده بحديدة مثلا، فيما إذا لو عندكم. طيب ستطالوا فيما لو رمى الوالد ولده بحديدة مثلا، فقتله. قتل عمد عدوان، وهذه علة القصاص في هذه الصورة. وقد تخلف الحكم عنها مع وجودها، فهذا نقض للعلة. قال: فيقول المالكي مثلا: العلة غير موجودة في هذه الصورة، فعدم القصاص فيها لعدم وجود العلة. فعدم القصاص فيها لعدم وجود العلة. ففيها دليل على صحة عكس العلة الذي هو عدم الحكم عند عدمها. بل رمى الوالد رمي الوالد لولده بحديدة أو نحوها، أن يقصد به التأديب ولا يقصد به القتل، فلم يتحقق وجود القتل العمد العدوان في هذه الصورة. قال: الثاني من أجوبة النقض: منع تخلف الحكم عن العلة، بأن يقول: الحكم موجود لوجود علته. مثاله ما لو ذبح الوالد ولده أو شق بطنه أو قطع رأسه أو نحو ذلك مما لا يحتمل التأديب بحال، وإنه هو صريح في قصد قتله عمدا عدوانا. فإن المالكية يقولون بوجوب القصاص من الأب في هذه الصورة. قال: الثالث من أجوبة النقض: بيان وجود مانع من تأثير العلة في الحكم، أو فقد شرط تأثيرها فيه عند من يرى ذلك مانعا من النقض. قالوا: مثال بيان مانع من تأثيرها أن يقال في قتل الوالد ولده: قتل عمد. عندكم عدوان، هذا الصواب. أنا ما عندي عدوان. نعم، قتل عمد عدوان، هذا علة القصاص. قتل عمد عدوان، وهذه علة القصاص، والحكم الذي هو القصاص متخلف هنا عن علته، إذ لا قصاص من الوالد لولده. قال: فيجاب عن هذا بأن القتل العمد العدوان علة للقصاص، ولكن هذه العلة منع من تأثيرها في الحكم في هذه الصورة مانع هو الأبوة. يعني لا يسلم أن العلة غير موجودة، بعلة موجودة، لكن لم تأثر لوجود مانع وهو الأبوة. كون القاتل الأب، وهذا مانع من القتل. قال: ومن أمثلته المغرور بحرية الأمة فتزوجها يظنها حرة لغرور سيدها بدعواه أنها حرة. على قول من يقول: إن ولده منها حر. يعني تزوجها على أنها حرة، ثم تبين أنها أمة. وكان قد غر من جهة سيدها أخبر سيدها أنها حرة، ثم تبين أنها مملوكة غير محررة. فهنا يكون أولاد المتزوج من هذه الأمة أحرار، لماذا؟ بسبب التغرير. قال: فيجاب عن هذا بأن رق الأم علة لرق الولد، ولكن هذه منع من تأثيرها في حكم هذه الصورة مانع، والغرور. نقول: الغرور مانع من تأثير هذه العلة، وهو رق الأم. كونه غرر به تزوج على أنها حرة، فتبين أنها مملوكة، فهذا مانع من تأثير رق الأم على الأولاد. قال: مثال فقد شرط تأثير العلة في حكمها ما لو سرق أقل من نصاب أو سرق نصابا من غير حرز مثله. فيقال: هذا قد وجدت منه السرقة، وهي علة القطع، وقد تخلف عنها حكمها الذي هو القطع. وهذا نقض لها. يعني السرقة علة للقطع. طيب إذا سرق من غير حرز أو سرق أقل من النصاب، أقل من ربع الدينار، هنا لا تقطع يده. قال: فيجاب بأن السرقة هي علة القطع، ولكن شرط تأثير هذه العلة في حكمها مفقود هنا، لأنه يشترط في تأثيرها في حكمها أن يكون المسروق نصابا، وأن يكون السارق أخرجه من حرز مثله. يعني نقول: علة تخلف شرطها، وحينئذ فلم تؤثر. لا لكون العلة يعني غير صحيحة أو منقوضة، وإنما لعدم توفر شروطها التي بها يحصل الحكم.