الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 71، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش الدرس القوادح في العلة وأثرها على الاستدلال الفقهي، ويبدأ ببيان أهمية فهم القوادح في التعليل.
يشرح الدرس القادح الثالث في التعليل وهو فساد الوضع، ويعطي أمثلة فقهية متنوعة على ذلك مثل أخذ التوسيع من التضييق والتخفيف من التغليظ.
يتطرق الدرس إلى كيفية حدوث فساد الوضع ويعطي أمثلة على ذلك، ويشرح كيفية الجواب عن فساد الوضع إما بدفع قول الخصم أو بيان موجب آخر للدليل.
يختتم الدرس بالحديث عن ضعف الاستدلال نتيجة كثرة الاعتراضات على الدليل وتأثير ذلك على طول المقام وتسلسل الردود.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، والعالمين، وصحبه أجمعين. أما بعد، قال البيب الشرقية رحمه الله في كتابي مذكرة في أصول الفقه: قال السؤال الثالث، فساد الوضع. نعم، هذا القادح الثالث من القوادح، بعد أن ذكر الاستفسار وفساد الاعتبار، ذكر هنا فساد الوضع. قال: وضابطه أن يكون الدليل على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه، كأن يكون صالحا لضد الحكم أو نقيضه، كأخذ التوسع من التضييق، والتخفيف من التغليظ، والنفي من الإثبات، والإثبات من النفي. قال: فمثال أخذ التوسيع من التضييق قول الحنفي: الزكاة واجبة على وجه الإرفاق؛ لدفع حاجة المسكين، فكانت على التراخي كالدية على العاقلة - يعني كونه على التراخي كالدية على عاقلة الجاني في قتل الخطأ - وسبه العمد على التراخي تدفع في خلال ثلاث سنين. قال: فالتراخي الموسع ينافي دفع الحاجة المضيق - يعني معنى أنه وسع على المالك، وضيق على المسكين، بحيث أنه جعل دفع الزكاة على جهة الوقت الموسع متى ما يشاء دفعها، مع أن حاجة المسكين مضيقة - هذا أخذ التوسيع من التضييق، فيكون هذا من فساد الوضع الذي تفسد به يفسد به التعليل. قالوا: مثال أخذ التخفيف من التغليظ قول الحنفي: القتل العمد العدوان جناية عظيمة، فلا تجيب فيه الكفارة كالردة. قال: فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم، لا تخفيفه بعدم الكفارة. هنا أخذ التخفيف من التغليظ، القتل العمد العدوان جناية غليظة توجب القصاص، فقال: لكونها توجب القصاص فلا تجيب فيها الكفارة كالردة، إذا تلى الإنسان فإنه لا يكفر، ما ينفعه الكفر، إنما ينفعه الواجب عليه أن يتوب وإلا قتل، الواجب أن يتوب وإلا قتل. قال: فكذلك أيضا من قتل عمدا العدوان فإنه يقتص منه، ولهذا لا تجيب عليه الكفارة. قال: ومثال أخذ النفي من الإثبات قول الشافعي في معاطاة المحقرات - يعني الأشياء التي يتعاطاها الناس في البيع والشراء، وهي من الأشياء - يعني الحقيقة التي ليست بالأمور العظيمة - كبيع وشراء الخبز ونحو ذلك، يقول: لم يوجد فيها سوى الرضاء، فلا ينعقد بها البيع كغير المحقرات. فالرضاء يناسب الانعقاد لا عدمه. هذا الآن أخذ النفي من الإثبات، أخذ النفي من الإثبات، فيقول: لم يوجد فيها - أي في هذه المحقرات - سوى الرضاء، كونه حصول تراضي، فيقول: لا ينعقد بها البيع؛ لأنه لا بد من الصيغة، لا بد من الصيغة. قالت: غير المحقرات - يعني كما أن غير المحقرات إذا لم يحصل فيها الرضاء، ولو وجدت فيها الصيغة فإنها لا تصح ولا تنعقد - فكذلك أيضا غير المحقرات إذا حصل الرضاء ولم يحصل الصيغة. قال: مثال أخذ الإثبات من النفي قول من يرى صحة عقد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطاة كالمالكية، يرون أنه يصح البيع بمجرد المعاطاة، تدفع الثمن وتأخذ السلعة، ولو لم يحصل هناك تلفظ بالبيع. قال: بيع لم توجد فيه الصيغة فينعقد. فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد للانعقاد. نعم، هذا الآن أخذ الإثبات من النفي، بيع لم توجد فيه الصيغة هذا نفي، قال: فينعقد هذا إثبات - يعني ينعقد البيع بذلك - هذا أخذ إثبات من النفي. قال: واعلم أن من صور فساد الوضع كون الوصف الدال على اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده. قال: أعني الحكم في قياس المستدل، كقول الحنفي: الهر سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسا كالكلب. الهر سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسا كالكلب - يعني كما أن سؤر الكلب نجس، فكذلك الهر؛ لأنه له ناب، له أنياب كالكلب - فيقال: وصف السبعية اعتبره الشارع علة للطهارة، حيث دعي إلى دار فيها كلب فامتنع، وإلى دار فيها سنور - وهو الهر - فلم يمتنع، فسئل عن ذلك فقال: الهر سبع - يعني هذا يدل على أن وصف السبعية تدل على الطهارة - لكن هذا الحديث لا يصح، وهو عند أحمد والبيهقي من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف، فيه عيسى بن أم المسيب، ضعف من قبل نعيم، وأبو زرعة، والنسائي، والدارقطني. قال: مثل بهذا بعض الأصوليين، والظاهر أنه على تقدير ثبوت الحديث، وعلم الحديث لا يصح. وقد يكون الامتناع عن دار فيها كلب من أجل أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب. والله أعلم، هذا. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع كما صح ذلك في الصحيح، عائشة لما جاء إلى البيت وأبى أن يدخل، فسئل عن ذلك فقال: في البيت كلب. فأمر بإخراجه، ثم أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب. ولا يصح هذا الحديث. قال: وعرف في المراقب فساد الوضع بقوله: من القوادح فساد الوضع أن يجد دليل حائدا عن السنن، كالأخذ للتوسع والتسهيل، والنفي والإثبات من عديل. كالأخذ للتوسيع، كالأخذ للتوسيع والتسهيل، والنفي والإثبات من عديل. قال: والجواب عن فساد الوضع بأحد أمرين: الأول أن يدفع قول الخصم بأنه يقتضي نقيض الحكم. كقول الحنفي: قولكم أن القتل عمدا يقتضي نقيض نفي الكفارة الذي هو وجوبها مدفوع؛ فإن جناية القتل لعظمها تستدعي أمرا أغلب من الكفارة، وهو القصاص، فلا يقتضي عظمها نقيض نفي الكفارة. قال: الثاني أن يبين أن ما ذكره يقتضيه دليله من جهة أخرى. كقول الحنفي في مسألة الزكاة المتقدمة: إنما قلت بالتراخي - يعني تراخي إخراج الزكاة - لمناسبته للرفق بالمالك. فالمستدل نظر إلى الرفق بالمالك، والمعترض نظر إلى حاجة المسكين. هذا الآن جواب عن فساد الوضع المذكور في هذين المثالين. قال: تنبيهان، اعلم أن فساد الاعتبار وفساد الوضع يقدح بهما أو يقدح بهما في كل دليل، قياسا كان أو غيره. وثانيا، اعلم أن النسبة بينهما خلف فيها - يعني ما الفرق بين فساد الاعتبار وفساد الوضع - قال: فقيل: فساد الاعتبار أعم مطلقا. فساد الاعتبار أعم مطلقا - يعني كل فساد وضع فساد اعتبار، وليس كل فساد اعتبار فساد وضع - قال: وبه صرح الآمدي في أحكامه، وهو ظاهر قول السبكي في جميع الجوامع. قال: والحق في ذلك ما حققه بعض المتأخرين من أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، فيجتمعان فيما هو مخالف للنص مع كونه على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحكم. نعم، كالمثال الأخير أي ذكره المؤلف، يجتمع فيه فساد الوضع وفساد الاعتبار في الحكم على سؤر الهرة بأنه نجس بوصف السبعية. هذا يسمى فاسد الاعتبار؛ لأنه مخالف للنص، مخالف للنص في بيان سؤر الهرة في قول النبي ﷺ: «إنها ليست من الطوافين» هذا نص في طهارة سؤر الهرة. فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار، وهو في نفس الوقت فاسد الوضع، فيجتمعان عند مخالفة النص. قال: وينفرد فساد الوضع بكون الدليل ليس على الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه مع كونه لم يخالف نصا. هنا ينفرد فساد الوضع بكون الدليل ليس على الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه مع كونه لم يخالف نصا. إذا لم يكن هناك مخالفة للنص، وكان هذا الدليل غير صالح للهيئة الصالحة لأخذ الحكم، فهذا فساد الوضع، وليس فساد اعتبار لعدم مخالفة النص. قال: وينفرد فساد الاعتبار بما خالف النص وكان على هيئة صالحة لأخذ الحكم منه. قال: السؤال الرابع، المنع - أي القوادح في العلة المنع - قال: ومواقعه أربعة. قال: أولا، منع حكم الأصل. الثاني، منع وجود ما يدعيه علة في الأصل. والثالث، منع كونه علة. والرابع، منع وجوده في الفرع. قال: ومثال منع حكم الأصل قول الحنبلي: جلد الميتة نجس، فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب. يقول: جلد الميتة نجس، فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب - يعني العلة في عادة تطهير جلد الميتة أنه نجس، كما أن الكلب على القول بنجاسته نجس، فلا يطهر بدبغه، ولا ينفع دبغه - فيقول الحنفي: أنا لا أسلم حكم الأصل، وهو أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ، بل هو يطهر به عنده. هذا الآن منع حكم الأصل، وهو جلد الكلب، أنه قاس جلد الميتة على جلد الكلب، إذا جلد الكلب هو الأصل، والجلد الميتة هو الفرع، هنا منع حكم الأصل، وهو جلد الكلب، لم يسلم له بأنه لا يطهر بالدباغ. قالوا: أما منع وجود ما يدعيه علة، ومنع كونه علة، فهما مركب الوصف ومركب الأصل، وقد وضحناهما سابقا، وعدهما في القوادح، وعدهما في القوادح بناء على أن المركب بنوعيه مردود، وهو المختار، كما أشار إليه في المراقب. قوله: «وأن يكن لعلتين اختلفا تركب الأصل لدى من سلفا مركب الوصف إذا الخصم منع وجود ذا الوصف في الأصل المتبع ورده انتقي» - أي اختير - اختير رد هذا القياس. قالوا: مثال منع وجوده في الفرع قول الجمهور بقطع يد النباش قياسا على السارق بجامع السرقة. فيقول الحنفي: وجود العلة التي هي السرقة ممنوع في الفرع؛ لأن النباش ليس بسارق، بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط - يعني كالمال الضائع الذي يلتقطه الإنسان فيأخذه - نعم، هذا منع وجوده في الفرع، أي وجود هذه العلة في الأصل كوجوده في الفرع. قال: واعلم أن اختلف في توجيه المنع على حكم الأصل، وهل ينقطع به المستدل أم لا. يعني إذا عارض المعترض المستدل في إثبات حكم الأصل، إذا عارضه بأن هذا الحكم لا وجد في الأصل، فهل يعني ينقطع به المستدل أو لا ينقطع، بل له مثلا أن يستدل بشيء آخر، أو يأتي بعلة أخرى أو كذا. قال: واختيار المؤلف أنه لا ينقطع به، بل له إقامة الدليل على الحكم، ووجه منعه انتشار الكلام والانتقال إلى مسألة أخرى؛ لأن ذلك قد يتسلسل. نعم؛ لأنه كما ذكرنا إذا اعترض المعترض حينئذ سيؤدي المقام إلى الانتشار، هذا يعترض، وهذا يستدل، وهذا يعترض، وهذا يستدل، فيطول المقام ويحصل التسلسل، فهذا يضعف به هذا الاستدلال. طيب نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا صلى الله عليه وسلم، ربينا محمد آله وصحبه أجمعين.