الدرس في كتاب الطهارة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة إلى قولين، الأول التحريم المطلق والثاني التفريق بين البنيان والفضاء. وردت أحاديث تنهى عن استقبال القبلة واستدبارها وأخرى تروي عكس ذلك.
يُستحب الاستجمار بثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها مع الحرص على أن يكون عددها وترًا. يحرم الاستجمار بالروث والعظام وكل ما له حرمة، ويجوز استخدام الماء أو الحجارة أو كليهما معًا لإزالة النجاسة.
نهى النبي عن الاستنجاء باليمين ومسك الذكر باليمين أثناء البول لأن اليمين مكرمة ولا ينبغي أن تباشر النجاسة إلا للضرورة. هذا الفعل محرم إلا في حالات الضرورة مثل المرض أو قطع اليد اليسرى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال علام السعادة رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في باب «السنن وأداب قضاء الحاجة»: «وَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ» لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، متفق عليه. هذا الحديث رواه أيوب الأنصاري، رَضِيَ الله تعالى عنه، في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، «فلا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا». وهذا الخطاب لأهل المدينة ومن كان مثلهم، ممن إذا شرق أو غرب لم يستقبل القبلة، كأهل اليمن، عن قبلتنا في الجنوب، أهل المدينة قبلتهم في الشمال، وقبلتنا في الجنوب، إذا شرقنا أو غربنا لم نستقبل القبلة ولم نستدبرها. أما من كانت قبلتهم في جهة الشرق أو في جهة الغرب، فهؤلاء إذا شرقوا أو غربوا سيستقبلون القبلة، فلا يشملهم الحديث. لكن هؤلاء، يعني: اتجهوا إلى جهة الجنوب أو جهة الشمال، من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنهم إذا اتجهوا، إذا شرقوا أو غربوا، فسيستقبلون القبلة أو يستدبرونها، كأهل، يعني: أهل القطر والبحرين والرياض. نعم، فهؤلاء في شرق القبلة، فلا يشملهم الحديث، يعني: قوله: «لكن شرقوا أو غربوا»، المقصود أنه حال قضاء الحاجة لا يتجه إلى جهة القبلة ولا يستدبرها. وهذا النهي جاء كذلك في حديث سلمان في صحيح مسلم، وجاء غيره من الصحابة، رِضْوَان الله عليهم. وعارض هذا الحديث حديث عمر في الصحيحين، قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة». نعم، وجاء أيضا في حديث جابر عند أهل السنن، أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلة ببول، ورأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها». نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، ورأيته، ورأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها. وجاء أيضا عند أبي داود من طريق الحسن عن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال: «رأيت ابن عمر رَضِيَ الله عنهما أناخ راحلته جهة القبلة، ثم جلس يبول إليها». فقلت: «يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهى عن هذا؟» قال: «نعم، إذا لم يكن بينك وبين القبلة شيء يسترك». قال: «إذا كنت في الفضاء، إنما نهى عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس». والحديث حسن، والحسن عن ذكوان يعني ثقة، وإن كان فيه شيء من الكلام، لكن لا ينزله عن درجة الحسن. والإمام الذهبي رحمه الله في الميزان ذكر ترجمته، ثم خلص إلى أنه صالح الحديث. والحافظ ابن حجر، قال فيه في التقريب: «صدوق يخطئ»، ومثله يعني يحسن حديثه، إلا إذا نص أهل العلم أنه أخطأ في هذا الحديث أو هذا من أخطائه. نعم، في الحديث حسن. حسن الشيخ الألباني رحمه الله. هذه الآن الأحاديث اختلف أهل العلم في حكم استقبال واستدبار القبلة حال قضاء الحاجة، وذهبوا في ذلك إلى، يعني: عدة أقوال، إلى ثمانية أقوال. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح، ونحن سنذكر قولين من هذه الأقوال. القول الأول: من ذهب إلى المنع مطلقا، وأنه لا يجوز استقبال واستدبار القبلة مطلقا، سواء كان ذلك في الفضاء أو كان في البنيان. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله في هذا الموضع. وهذا القول قال به أبو حنيفة، والإمام أحمد في رواية، وهو قول الإمام ابن حزم، ومن العرب قول شيخ النساء من تيمي رحمه الله، وتلميذه ابن القيم. وهكذا يرى الإمام الشوكاني، فهؤلاء ذهبوا إلى التحريم مطلقا، واستدلوا بهذا الحديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال واستدبار القبلة، وقالوا: هذا يحمل على النهي مطلقا، سواء كان في الفضاء أو كان في البنيان. والقول الثاني: من ذهب إلى الجواز إذا كان في البنيان، والمنع إذا كان في الفضاء. قالوا: يجوز استقبال واستدبار القبلة في البنيان، ولا يجوز في الفضاء إذا لم يكن هناك بنيان أو شيء يسترك عن القبلة. بماذا استدلوا؟ كما سمعنا حديث ابن عمر: «أناخ راحلته جهة القبلة، ثم جلس يبول إليها». وأكد أيضا حديثه لما أناخ الراحلة واستقبل القبلة فبال، ونص رَضِيَ الله عنه على أن النهي إنما إذا كان في الفضاء، أما في البنيان فلا بأس. وهذا القول يعني هو أعدل الأقوال، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، الذي به تجتمع الأدلة، وهو قول الإمام أحمد في رواية أخرى، وهو قول الإمام مالك، والإمام الشافعي. ونسبه الحافظ إلى الجمهور، نسبه الحافظ ابن حجر إلى جمهور أهل العلم: أنه يفرق بين البنيان والصحراء، فإذا كان في الصحراء لا يجوز استقبال واستدبار القبلة لهذا الحديث، حديث أبي أيوب، وحديث سلمان. وأما في البنيان فيجوز، لحديث ابن عمر، وأيضا حديث جابر رَضِيَ الله تعالى عنهم. وإن كان الأولى والأفضل أنه لا يستقبل ولا يستدبر إذا أمكن، هذا أولى وأفضل. وأما إذا كان يعني عليه حرج فلا بأس. قال: «فإذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار ونحوها، تنقي المحل، ثم استنجى بالماء، ويكفي الاقتصار على أحدهما». ولا يستجمر بالروث والعظام كما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل ما له حرمة. يقول: إذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار ونحوها. الاستجمار هو إزالة الأذى بالحجارة الصغيرة. يقول: إذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار، لا بد من ثلاثة أحجار، كما في حديث سلمان: «نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». إذن لا بد من ثلاثة أحجار. واستجمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، كما في حديث سلمان، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن مسعود رَضِيَ الله تعالى عنهم. قال: «استجمر بثلاثة أحجار ونحوها». طيب، إذا كان الإنسان عنده حجر له ثلاثة أوجه، حجر كبير له ثلاثة أطراف، هل يجزئ عن الثلاثة الأحجار؟ جمهور أهل العلم أنه يجزئ، تستعمل هذا الحجر الذي له ثلاثة أطراف فيجزئ في الاستجمار، ولا يلزم أن تأخذ حجرا آخر. قال: «ونحوها»، ونحوها يعني مما يقوم مقام الحجر، كالأوراق والمناديل والخشب ونحو ذلك. ويحرص أنه إذا استجمر أن يستجمر وترا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استجمر فليوتر»، يعني يختم الاستجمار بوتر. لو استعمل ثلاثة أحجار ولم يكفي زاد رابعة، حصر نقاء، يزيد خامسة حتى يكون ماذا؟ يكون على وتر. وأما حديث: «من استجمر فليوتر، فمن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، فالحديث ضعيف، لا يصح. قال: «تنقي المحل»، ثلاثة أحجار ونحوها تنقي المحل. تنقي يعني تنظف المحل، أي محل الخارج، كيف تنقي؟ بأن تزيل يعني عين النجاسة، وتخرج يعني هذه الحجارة وما يقوم مقامها ناشفة، ليس فيها شيء من البلل، تخرج ناشفة ليس فيها شيء من البلل، فلا يبقى إلا الشيء لا يزيله إلا الماء. إذا حصل هذا الأمر، إذن حصل الإنقاء. واضح، والحجر يعني لا يزيل أثر النجاسة بالكلية كالماء، تبقى شيء من الرطوبة مما لا يزيله إلا الماء، لكن هذا معفو عنه. الإنقاء حصول يعني النقاء والنظافة والذهاب النجاسة. تنقي يعني تنظف وتصفي، فلا يبقى للنجاسة عين، ولا يبقى بلل في هذه الحجارة التي تستعملها في الاستجمار، تخرج ناشفة، إذا حصل ذلك حصل الإنقاء، لأنه يبقى شيء يسير لا يزيله إلا الماء، إذا بقي هذا حصل الإنقاء. قال: «ثم استنجى بالماء»، يعني بعده استعمال الحجارة يستنجي بالماء. معنى هذا أنه يجمع بين الحجارة والماء، يجمع بين الحجارة والماء. قال به جمهور أهل العلم: أنه يشرع الجمع بين الحجارة والماء، لكن هل يستحب هذا؟ الجمهور على أنه مستحب. استدلوا بحديث أنس في نزول سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، يعني: جاء أنها نزلت في أهل قباء لأنهم كانوا يجمعون بين الحجارة والماء. لكن هذا لم يصح، ذكر هذا السبب في نزول الآية أنهم كانوا يجمعون بين الحجارة والماء لم يصح. لكن من حيث الجواز يجوز الجمع بين الحجر والماء، لأن الحجر يعني جاءت الشريعة بالجواز استعماله، والماء كذلك يجوز استعماله، إذا جمع بينهما جمع بين أمرين مشروعين، أو عملين مشروعين، جمع بين أمرين وعملين مشروعين. نعم. وقال: «ويكفي الاقتصار على أحدهما». يكفي أن يتصر على الجمع، يستعمل الحجر فقط ويكتفي بذلك، هذا جائز، حتى لو كان الماء موجود، فإنه يكفي استعمال الحجر، أو يكتفي بالاقتصار على استعمال الماء فقط دون استعمال الحجر. والنبي صلى الله عليه وسلم استجمر بالأحجار، وكذلك استنجى بالماء، في حديث أنس في الصحيحين: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي دبا من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء»، ولم يذكر الحجر. فنجوز هذا، ويجوز هذا. أيهما أفضل؟ الجواب: الماء أفضل، لأنه يزيل عين النجاسة ويزيل أثرها، يزيل عين النجاسة ويزيل أثرها، وينقي المحل تنقية كاملة. تنقية كاملة. الذين قالوا بالجمع كالجمهور، قالوا: لأن استعمال الحجر أولا قبل الماء، يعني: تسلم به اليد من مباشرة النجاسة، في الحجر يزيل عين النجاسة وجرمها، ثم تأتي اليد فتنقي المحل ومقية من رطوبة في موضع الخارج، فكان هذا أفضل. والأمر في هذا واسع. قال: «وَلَا يُسْتَجْمَرُ بِالرَّوثِ وَالْعِظَامِ» كما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. الروث وهو رجيع الدواب، والعظام معروفة. قال: «لا يُسْتَجْمَرُ بِالرَّوثِ وَالْعِظَامِ» كما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بالروث والعظام، في حديث ابن مسعود، وجاء أيضا من حديث أبي هريرة رَضِيَ الله عنه في البخاري: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بالروث والعظام». في حديث ابن مسعود، قال: «أما الروث، وأما العظام، فطعام الجن». وأما الروث فطعام دوابهم. وجاء في حديث أبي هريرة: «أنه علل عليه الصلاة والسلام بأنه طعام الجن»، يعني: الروث والعظام. وهذا هو الأصح. فالنهي عن الاستجمار بالروث والعظام لأنه طعام الجن، فلا يجوز الاستجمار بها. قال: «وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ حُرْمَةٍ». كل ما له حرمة لا يجوز الاستجمار به، مثل أوراق العلم التي فيها العلم، أوراق القرآن، لا شك أن هذا محرم، لا يجوز الاستجمار به، يعتبر من الاستهزاء والسخرية التي يكفر بها صاحبها. كذلك الطعام، الطعام له حرمة، لا يجوز الاستجمار بالطعام أو بقايا الطعام. وهكذا كل ما له حرمة لا يجوز الاستجمار به. أيضا لا يستجمر بالأشياء التي لا يحصل بها الإنقاء، مثل الزجاج، الزجاج أملس، ما يحصل به الإنقاء، وجوده كعدمه، بل ربما يعني زاد أخرج النجاسة من محلها إلى محل آخر، ونشر محلها في الموضع. أو كذلك الحديد أملس، هذا كذلك لا يحصل به الإنقاء. طيب، أيضا لا يستنجي باليمين، في حديث أبي قتادة: «نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء باليمين». قال: «يمسك أن أحدكم ذكره بيمينه يبول، ولا يستنجي بيمينه». فالاستنجاء باليمين لا يجوز، لأن اليمين يعني مكرمة، فلا تباشر النجاسة إلا للضرورة، إنسان مريض أو يده اليسرى مقطوعة، فالضرورات تبيح المحظورات. كذلك أيضا مسك الذكر باليمين حال البول، هذا أيضا لا يجوز. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.