كتاب الطهارة 7

الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في إزالة النجاسة

يتناول المقطع الأول موضوع إزالة النجاسة وغسلها، ويشرح كيفية إزالة النجاسة من البدن أو الثوب أو البقعة. يبين أن زوال عين النجاسة يكفي في معظم الحالات.

أحكام النجاسات وطريقة تطهيرها

يناقش هذا الجزء أحكام النجاسات مثل بول الآدمي، وعذرته، والدم، ويبين كيفية إزالتها. يشدد على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداها بالتراب.

تفاصيل حول نجاسة الدم وبول وروث الحيوانات

يناقش هذا الفصل نجاسة الدم وبول وروث الحيوانات، ويبين آراء العلماء المختلفة حول طهارة أو نجاسة هذه المواد. يشير إلى أن الدم المسفوح نجس عند الجمهور.

ختام الدرس والتأكيد على الأصل في الأشياء

يختتم الدرس بالتأكيد على أن الأصل في الأشياء هو الطهارة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه. يشير إلى أهمية فهم أحكام الطهارة والنجاسة.

التفريغ النصي الكامل

طيب، بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولنا، والآله وصحبه. من ولاء ما بعد، نعم، خذنا في الدرس الماضي النهي عن استقبال واستدبار القبلة حال قضاء حاجة، مذكرًا المؤلف -رحمه الله- بحديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، وقلنا ذهب المؤلف إلى التحريم، وهو قول جماعة من أهل العلم لحديث أبي أيوب، وحديث سلمان -رضي الله عنه- وغيره من الأحاديث الواردة في الباب. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه ينهى عن استقبال واستدبار القبلة حال قضاء الحاجة إذا كان في الفضاء، وأما في البنيان فيجوز، والدليل نعم، حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته مستقبل الشام، ومستدبر القبلة. وأيضًا حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- الآخر، لما وضع رحله، ثم بال، فلما سئل عن ذلك، قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس. نعم، وعلمنا كذلك في اليوم السابق، الاستجمار، فما هو الاستجمار؟ الاستجمار: إزالة الأذى بالأحجار. نعم، إزالة الأذى بالأحجار، ما الذي يجب أو يشترط في الجمار؟ لا بد من ثلاثة أحجار، نعم، لا يستجمر بأقل من ثلاثة أحجار. وأيضًا هذه مسألة أخرى، يعني الصفة التي تجزئ، نعم، أي شيء هذا؟ يشترط أيضًا في الاستجمار: هل يجزئ غير الحجر؟ نعم، أي شيء ينقي، أي شيء ينقي، يقوم مقام الحجر، كالورق والمنديل والخشب. أما إذا كان ما ينقي، نعم، مثل الزجاج، نعم، مثل الزجاج، الحديد الأملس، هذا ما يحصل به الإنقاء، لا يجزئ. نعم، طيب، الجمع بين الحجر والماء يجوز، نعم، وهل يجوز الاقتصار على أحدهما؟ يجوز، يجوز الاقتصار على أحدهما، الحجر أو الماء، حتى لو كان الماء موجودًا، يجوز الاقتصار على الحجر. نعم، أيهما أفضل؟ الماء أفضل، نعم، لماذا؟ لأنه يزيل العين والأثر، ولا يبقى للنجاسة أي أثر، بخلاف الحجر، فإنه يزيل عين النجاسة، قد يبقى شيء من الأثر، يعني من الأذى، لا يزيله إلا الماء. نعم، ما حكم من استجمر بالروث والعظام؟ لا يجوز، الدليل نعم، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الاستجمار بالروث والعظام، وقال: «إنها طعام إخوانكم من الجن». وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أصل الحديث في الصحيح، لكن في خارج الصحيح، ذكر أن الروث: لأجل دواب الجن، والعظام: طعام للجن. نهى من رواية الشعبي، والشعبي روى عن ابن مسعود، لكن لم يسمع منه، لم يسمع منه. وأهل العلم رجحوا أن هذا المرسل من مراسيل الشعبي. طيب، كذلك كل ما لا حرمة له، مثل كتب العلم، نعم، كالكتب العلمية، والقرآن، طيب. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، والآله وصحبه. ومن ولاء، أما بعد. قال علامة السعدي -رحمه الله- في كتاب «منهج السالكين»: فصل في إزالة النجاسة، والأشياء النجسة. قال: ويكفي في غسل جميع النجاسات على البدن، أو الثوب، أو البقعة، أو غيرها، أن تزول عينها عن المحل. لأن الشارع لم يشترط في جميع غسل النجاسات عددًا، إلا في نجاسة الكلب، فاشترط فيها سبع غسلات، إحداها بالتراب. في الحديث المتفق عليه، إلى آخر ما ذكر -رحمه الله- في هذا الفصل. فذكر في هذا الفصل: ما يجزئ في إزالة النجاسة، وما هي الأشياء النجسة؟ إزالة النجاسة المراد بذلك: إزالة عينها وجرمها، حتى لا يبقى لها شيء من أجزائها، فيعلم بذلك أنها قد زالت. والنجاسة: مصدر أنجاس، أو النجس، والمراد بها: الأشياء المستقذرة والمستقبحه، مما دلت الأدلة على نجاستها. لأن الأصل في الأشياء -كما مر معنا- الطهارة والإباحة، إلا ما دلت دليل على حرمته، وعلى نجاسته. فذكر -رحمه الله- أنه يكفي في غسل جميع النجاسات على البدن، أو الثوب، أو البقعة، أو غيرها، أن تزول عينها عن المحل. إذا وقعت نجاسة على البدن، بول مثلا، أو غائط، أو نحو ذلك، أو وقعت في الثوب، أو وقعت في الأرض، على فراش، أو سجادة، أو نحو ذلك. قال: يكفي أن تزول عينها، أن تزول عينها عن المحل، تزيل عين النجاسة، تأتي بخرقة، أو بماء، وتزيل جرم هذه النجاسة، إذا زالت، ولو زالت بغسلة واحدة، كفى ذلك. إذا زالت بغسلة واحدة، يكفي. قال: لأن الشارع لم يشترط في جميع غسل النجاسات عددًا. ما اشترط الشارع أن تغسل النجاسة أكثر من مرة. قال: إلا في نجاسة الكلب، إلا في نجاسة الكلب، اشترط أن تغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات. أما غيرها، فالصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم: أنه يكتفى بغسلها مرة واحدة. بعض أهل العلم قاس سائر النجاسات على الأمر بغسل الإناء الذي لعق الكلب، فقال: تغسل سبع مرات. وقال: تغسل سبع مرات، واستدل بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بغسل النجاسات سبعًا. وهذا الحديث لا أصل له، لا أصل له. نعم، وقياس النجاسات على نجاسة الكلب، أو على غسل الإناء ملوث الكلب، ليس بصحيح. لأن العلة غير معروفة، والقياس لا بد فيه من وجود العلة في الفرع، وجودها في الأصل. وبعضهم قال: تغسل النجاسات ثلاثًا، تغسل ثلاث مرات، واستدلوا بأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بغسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ من النوم. «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». قالوا: إذا كان هذا في نجاسة -يعني مظنونة- غير متيقنة، قالوا: فالنجاسة المتيقنة أولى أن تغسل ثلاثًا. وهذا أيضًا ليس بصحيح. لأن هذا الأمر أمر تعبدي، أمر تعبدي، تعبدنا إذا قمنا من النوم أن نغسل يدينا ثلاثًا، ولو كانت بغاية من الطهارة والنظافة، ولو كانت بغاية من الطهارة والنظافة. فالصحيح: أن النجاسات تغسل مرة واحدة، إذا زالت، فذلك حقيقة، زيادة إلى غسلة ثانية، أو ثالثة، زيادة. لكن الأصل: أنه يكتفى بغسلها مرة واحدة، إلا ولوغ الكلب، لحديث أبي هريرة -في الصحيحين- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات». «فليغسله سبع مرات»، إحداهن بالتراب. وفي رواية: «أولاهن». وفي رواية: «أخراهن». وأرجح هذه الروايات: رواية «أولاهن». فأكثر الرواية رواها عن ابن سيرين بهذا اللفظ، كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-. فهنا اشترط الشارع في غسل الإناء من ولوغ الكلب: أن يغسل سبعًا، سبع مرات. وفي لفظ الطحاوي: «إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات»، إحداهن في التراب. وجاء في حديث عبد الله بن المغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب». «وعفروه الثامنة بالتراب». من العلم من قال: تزاد غسلة ثامنة. ومنهم من قال: المراد بالثامنة هنا غسلة التراب مع الماء، فكأنها حسبت ماذا؟ غسلة زائدة. وإلى هي سبع غسلات، فإحدى هذه الغسلات يكون فيها الماء، ولابد أن يصب الماء، يكون فيها التراب، ولابد أن يصب الماء على التراب، حتى يزال. فمن يعني جعلها زائدة، جعلها ثمانية. ومن لم يعدها زائدة، جعلها سبعًا. وجمهور العلم: لأن الغسلات سبع غسلات، كما هو -يعني- مصرح به في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. ولابد من التراب، كما قال أهل العلم، ولا يجزئ غيره من المنظفات، كالصابون، أو الأشنان، أو غيرها. لأن هذه الأشياء كانت موجودة، الأشنان كان موجودًا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويستعمل في التنظيف، ولم يرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما أرشد إلى التراب. وأهل الطب الحديث ذكروا: بأن في التراب خاصية في إزالة البكتيريا، والأشياء القذرة، والجراثيم، ما لا يزيلها غير التراب. إذن، الإناء إذا ولغ فيه الكلب، معنى ولغ: شرب منه، أو وضع فيه لسانه. فهنا يغسل سبع مرات، إحداها في التراب. وكما قلنا: أرجح روايات «أولاها»، يبدأ في التراب، يضع التراب في الإناء، ويمسح يده على الإناء بمسحه، أو غسله، ثم يصب الماء على التراب، ثم بعد ذلك يغسل ست غسلات بعدها. في ماذا؟ في غسل الإناء، لا بس يصب الماء في الإناء، ويسكر حنفيه، ويغسله، هذه غسلة، ثم يسكب، يفتح مرة أخرى، غسلة ثانية، وهكذا. واختلف علماء في حكم الكلب، اختلف علماء في حكم الكلب: هل هو نجس، أو طاهر؟ من أهل العلم من قال: أن الكلب كله نجس، أن الكلب كله نجس. ومنهم من قال: كله طاهر، حتى لعابه، وقالوا: إنما الأمر تعبدي. ومنهم من قال: لعابه نجس، وبقية بدنه طاهر. والأظهر: أن الكلب طاهر، إلا اللعاب. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بغسل الإناء من ولوغه. وأما بقية البدن، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتحرز منه، مع زيادة الشرع لاقتناء الكلب للحرث، والماشية، والصيد. ولم يأت -يعني- أمر بالغسل إلا من ولوغه فقط، وهل يلحق الخنزير بالكلب؟ الصحيح: أنه لا يلحق به. بعض العلماء ألحق الخنزير بالكلب، وقال: الخنزير أخبث، فإذا كان الكلب يغسل سبعًا من ولوغه، فالخنزير من بابه أولى. لكن يقال: الخنزير لم يرد فيه شيء، فوقع غيره من النجاسات تغسل مرة واحدة، ولا يصح الحاقه بالكلب. طيب، علمنا الآن: أن الأصل في إزالة النجاسة: أنها تزال عينها، ويكتفى بذلك، بمرة واحدة، إن حصل التطهير. قال: والأشياء النجسة: بول الآدمي، وعذرته، والدم، إلا أنه يعفى عن الدم اليسير. ومثله الدم المسفوح من الحيوان المأكول، دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، فإنه طاهر. يقول: من النجاسات: بول الآدمي، وعذرته. بول الإنسان نجس، وعذرته -يعني غائطه- كذلك نجس. وهذا بإجماع أهل العلم، بإجماع أهل العلم: أن بول الآدمي، وعذرته نجسان. ويدل على ذلك: حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- لما أهل العرباض يبول في طائفة من المسجد، فأنكر عليه الصحابة، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذنوب من ماء، فأهريق عليه، وعلم العرباض أن مثل هذا لا يجوز في بيوت الله، وإنما هي الصلاة، وذكر الله. وكذا أيضًا حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- لما مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبرين، قال: «إنهم لا يعذبان، وما يعذبان في كبير». أما أحدهما: فكان لا يستنزه من بوله، في رواية: «لا يستبرئ من بوله»، يعني يجعل البول يتقاطر في بدنه، في ثوبه، ما يبالي، فعذب بسبب ذلك. وذلك لأن البول نجس، فتساهل في باب النجاسة، وإزالتها، فعذب بذلك. والعذرة، أو الغائط، يجعل حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في السنن: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه، فطهورهما التراب». «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه، فطهورهما التراب». فدل هذا: لأنها نجسة. وهكذا يقفت بسعيد -رضي الله عنه- لما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه، صلوا بنعالهم، فلما خلع النبي -صلى الله عليه وسلم- نعليه، خلع الصحابة نعالهم، فلما سألوه عن ذلك، قال: «يا أخبرني جبريل أن فيهما قذرا»، فنزعتهما. الحديث. الحديث قال: بول الآدمي، وعذرته. إلا أنه خفيف في بول الرضيع، بول الرضيع، خفف في تطهيره، سيأتي الكلام هنا، ذكره بعد ذلك. طيب، سيأتي التنبيه عليه. قال: والدم، إلا أنه يعفى عن الدم اليسير. يعني من النجاسات كذلك: الدم. الدم الخارج من الإنسان، ما هو الدليل؟ قالوا: استدلوا بقول الله -عز وجل-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ قالوا: دل هذا على أن الدم نجس. وهذا الاستدلال فيه نظر. لأن الآية سيقت مساق التحريم، سيقت مساق التحريم: تحريم الدم. لأن في الجاهلية كانوا يشربون الدم، فجاء الإسلام بتحريمه. ولا يلزم من التحريم النجاسة، وليس كل محرم نجس، لكن كل نجس محرم، لا، ليس كل محرم نجس. نعم، هناك أشياء كثيرة محرمة، وهي ليست نجسة. فـ«نكاح المحارم» مثلا محرم، هل هو نجس؟ الجواب: لا. «الخمر» محرمة، وهي ليست نجسة على الصحيح. كذلك «المخدرات» وغيرها، فلا يلزم من التحريم النجاسة. نعم، فالدم: الصحيح أنه ليس بنجس، إلا ما خرج من السبيلين، فهذا نجس. أما ما خرج من غير السبيلين، كالدم الذي يخرج من الجروح في اليد، أو في القدم، أو في الرأس، نعم، أو «الرعاف» -الدم الذي يخرج من الأنف- هذا على الأصل: على الأصل، وهو الطهارة. قال: كذلك أيضًا دم الحيض، دم الحيض، والنفاس، هذا نجس. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بغسله. كما في حديث أسماء -رضي الله عنها- لما سئل عن الدم يصيب الثوب، دم الحيض، قالت: «اغسليه، ثم اقرصيه، ثم نضحيه، ثم صلي فيه». بدل على أنه نجس. قال: إلا أنه يعفى عن الدم اليسير، أيضًا. مما يدل على طهارة الدم: قصة الأنصاري في «سنن أبي داود» في قصة «ذات الرقاع»، لما كان يصلي، فرمي بسهام، وهو في أثناء الصلاة، كان حارسًا مع أصحابه، فجاء رجل من المشركين، فرماه بالسهم، واستمر في صلاته، وهو مرماه بالثاني، وهو مستمر في صلاته، ثم الثالث، ولم يقطع صلاته، والدم يخرج منه. وبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا ما زال الصحابة يصلون بجراحاتهم، ودمائهم، كما قال الحسن البصري -رحمه الله-: «ما زال المسلمون يصلون بدمائهم». يصلون بدمائهم. وكذا «عمر» -رضي الله عنه- لما طعن، استمر في صلاته، مع نزول الدم. قال: إلا أنه يعفى عن الدم اليسير، هذا على القول بالنجاسة. على القول بالنجاسة: الدم يعفى عن الدم اليسير، إذا أصاب -يعني- البدن، أو الثوب. وإلا على القول بطهارته، فلا فرق بين قليل، وكثير. قال: ومثله الدم المسفوح من الحيوان المأكول، دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، فإنه طاهر. الدم المسفوح: أي الذي يسيح في الأرض، الذي يسيح في الأرض. يقول: كذلك -يعني- هو نجس، من الحيوان المأكول. كبهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، أو الخيل، أو الدجاج، أو غيرها، إذا ساح الدم عند ذبحها، فيقول: أن هذا نجس. الدم المسفوح نجس. وهذا قول -يعني- جمهور أهل العلم. كما أن القول بنجاسة الدم العادي أيضًا قول جمهور، واستدلوا بنجاسة الدم المسفوح بقول الله -عز وجل-: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ والجواب عن هذا: كالذي قبله، أن الآية سيقت مساق مساق التحريم. قل: «لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير، فإنه رجز». إذن، الكلام هنا على ماذا؟ على التحريم، ليس على النجاسة، ليس على النجاسة. ولا يلزم -كما قلنا- من التحريم النجاسة. فلا دليل على نجاسة الدم المسفوح، إنما يحرم شربه، كما كان يفعل في الجاهلية، فجاء الإسلام بتحريمه. أما كونه نجسًا، فلا دليل على نجاسته. فعلى هذا: فلو أصاب الدم -دم الحيوان- إنسانًا، ذبح شاة، أصابه دم في بدنه، أو في ثوبه، فليس بنجس، ليس بنجس. قال: دون الذي يبقى في اللحم، والعروق، فإنه طاهر. نعم، الذي يبقى في اللحم، والعروق، هذا على القول بنجاسة الدم، فإنه طاهر. لأنه مما يشق التحرز منه، والمشقة تجلب التيسير. فالتحرز من هذا الدم الذي في اللحم، والعروق -يعني- فيه مشقة، فلذلك عوفي، وقفي في حكمه. على القول بنجاسة الدم، إلا كما علمنا: أن الدم طاهر، فلا حرج حينئذ، ولا فرق بين القليل، والكثير. إلا من حيث التحريم: الدم المسفوح لا يجوز -يعني- شربه. أما الدم القليل الذي يبقى في اللحم، والعروق، فلا بأس بأكله، تبعًا للحم. ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا. قالوا: من النجاسات: بول، وروث كل حيوان محرم أكله. نعم، من النجاسات: بول، وروث كل حيوان محرم أكله. كالحمير، والبغال، والهر، وغيرها من الحيوانات التي لا يجوز أكلها. واستدل العمري بن عباس -رضي الله عنهما- في «البخاري»، لما قال له: قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ائتني بثلاثة أحجار». قال: فأتيت بحجرين، وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس». «إنها ركس». في رواية قارئ الصحيح: «إنها روثة حمار». وكان فيها كلام، لكن قوله: «إنها ركس»، يعني: نجس، أو قذر، دل هذا على أن الحيوان غير المأكل: روثه، وبوله نجس. لأنه كذلك تابع لحمه، لما كان لحمه محرمًا، لا يجوز أكله، كذلك أيضًا ما تولد منه من البول، والروث، فإنه يأخذ حكمه. ولأن الإنسان -الإنسان- مع -يعني- تكريم الله -عز وجل- وتشريفه له: بوله، وروثه نجس. لأن لحمه محرم لا يجوز أكله، فكذلك يقال في هذه الحيوانات التي لا يجوز أكلها، فإن بولها، وروثها كذلك نجس. قال: والسباع كلها نجسة. السباع: الحيوانات المفترسة، كالكلاب، والفهد، والنمر، والأسد، وهكذا أيضًا الذئب، وغيرها. هذه يقول: كلها نجسة، كلها نجسة. والصحيح: أنها طاهرة، على الأصل: أنها طاهرة. على الأصل: فالأصل في الأشياء الطهارة، ولا دليل على نجاسة السباع. وهكذا أيضًا «سور» السباع، وغيرها من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فسورها طاهر، على الأصل. ويدل على ذلك: حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- لما سئل أن يسلم على الهرة، قال: «إنها ليست من الأجس»، «إنها من طوافين عليكم». والطوافات، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- حين سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الماء، وما يرده من السباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين، لم يحمل الخبث». هذا الحديث هو ما استدل به على نجاسة السباع، لكن ليس الحديث فيه دلالة على ذلك، وإنما فيه: أن الماء إذا كان كثيرًا، لا تؤثر فيه النجاسة. فهذه السباع: ليتردد على الماء، ربما تبول، وربما تتروث، فإذا كان الماء كثيرًا، لم يؤثر إصابة هذه النجاسة للماء، ولكن ليس المقصود: أن هذه السباع نجسة، ليس على هذا دليل. فالأصل هو الطهارة، خلاص، وطهارة. طيب، نقف هنا -إن شاء الله- إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وصحبه أجمعين.