الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 17، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع وصية أبي إسحاق الإلبيري لابنه بتقليل مخالطة الناس والحذر منهم، مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال العلماء وأشعار تحذر من فساد المخالطة الزائدة. ويؤكد أن العزلة المحمودة هي الاعتدال في الصحبة مع أداء الواجبات الشرعية.
يبين المقطع أن العزلة الصحيحة لا بد أن تكون بعين العلم وزاي الزهد، وإلا كانت زلة أو علة، ويستعرض أقسام المخالطة محذراً من مجالسة أهل البدع. ثم يحث على الهجرة من أرض الظلم والفتنة مستدلاً بآيات القرآن، مع بيان أن البقاء للدعوة والصبر جهاد عظيم، ويوضح أن الزهد الحقيقي ليس خمولاً بل ترك ما لا ينفع في الآخرة والثقة بما عند الله.
يبيّن الشارح أن الزهد الحقيقي هو ترك ما لا ينفع في الآخرة لا تحريم الحلال، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أن القصيدة بلغت مئة وخمسة عشر بيتاً بعد إضافة تسعة أبيات. ويختم بالتأكيد على فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، مع الإشارة إلى أبيات للشافعي في فضائل التغرب.
يختتم المتحدث المقطع بالشكر والدعاء، معبراً عن امتنانه للمشاهدين على المتابعة. ويختتم بالبسملة والصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففلازلنا في قصيدة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولسائر علمائنا المسلمين. كنا وقفنا عند قوله رحمه الله في وصيته لابنه وتلميذه الذي كناه أبا بكر: فخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسبنت وخالطهم وزايلهم حذارا وكن كالسامري إذا لمست وإن جهلوا عليك فقل سلام لعلك سوف تسلم إن فعلت ومن لك بالسلامة في زمان تنال العصم إلا إن عصمت ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كُبلت وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت شرق فليس الزهد في الدنيا خمولا لأنت بها الأمير إذا زهدت ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت جمعت لك النصائح فامتثلها حياتك فهي أفضل ما امتثلت وطولت العتاب وزدت فيه لأنك في البطالة قد أطلت ولا يغررك تقصيري وسهوي وخذ بوصيتي لك إن رشدت وقد أردفتها تسعا حسانا وكانت قبل ذا مئة وستة وصل على تمام الرسل ربي وعترته الكريمة ما ذكرت لا زال رحمه الله يذكر نصائحه العظيمة في هذه القصيدة العصماء التي هي من عيون الأدب في الإسلام. ذكر النصيحة بدأ في هذا المقطع بقوله: «فخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسبنت». والضراغم جمع ضرغام وهو الأسد. فمن أسماء الأسد الضرغام. والسبنت اسم للنمر، سمي سبنت لجرأته، سمي النمر بالسبنت لجرأته. ثم قال رحمه الله: «وخالطهم وزايلهم حذارا». الأولى أن تكون بالياء، وبالهمزة جائز: زائلهم وزايلهم، لكن التخفيف بالياء أولى. «زايلهم حذارا»: المزايلة يقال زاوله مزاولة إذا عالجه وحاوله، هذا معنى المزايلة. المزايلة من قولهم: زايله مزايلة إذا عالجه وحاوله. «وكن كالسامري إذا لمست»: سيأتي الكلام على السامري وأنه كان في بني إسرائيل، قيل منهم، وقيل هو نازل فيهم، والمهم أن هذا السامري دعا إلى عبادة العجل. قال الحسن البصري رحمه الله: جعل الله عقوبة السامري أن لا يمس الناس ولا يمسوه، عقوبة من الله عز وجل له. قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. في هذا قال: «ولا تلبث بحي فيه ضيم». هذه نصيحة جديدة. النصيحة الأولى التي ذكرها: «فخف أبناء جنسك» إلى قوله: «وإن جهلوا عليك فقل سلام لعلك سوف تسلم إن فعلت». كما قال الله عز وجل في صفة عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال أهل العلم في تفسيرها: قوله في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قيل المعنى: قالوا سدادا، أي قولا سديدا، كلاما سديدا، كلاما طيبا، كلاما صائبا، كلاما لا يخالف الشرع ولا يخالف الأدب، جواب لطيف إذا جهل عليهم الجاهلون، أي غضبوا وأخطأوا عليهم، تجاوزوا الأدب فيهم إلى آخره. وقيل معنى قوله سبحانه: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، أي أجابوهم بقولهم: السلام عليكم، كما قال سبحانه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، السلام عليكم أي بالتحية وإلقاء السلام، وهذا نفي للمعاربة والمعاركة والمرادة في القول وفي الخطاب. هذه الأبيات نصيحة، هذه الثلاثة تضمنت نصيحة عظيمة وهي التحذير من فضول المخالطة. هذه الأبيات تضمنت نصيحة وهي التحذير من فضول المخالطة، فإن أكثر فساد الناس من فضول المخالطة وفضول المعاشرة، أكثر فساد الناس من هذا. فلهذا العاقل يقلل من الأصحاب، العاقل يقلل من معرفة الناس ومن كثرة الأصحاب إذا أراد أن يسلم في دينه ويسلم في نفسه وينال حظا من السلام، يقلل من الصحبة والتعرف على الناس، فإنها غالبا لا فائدة فيها، الصحبة غالبا لا فائدة فيها، لا دينية ولا دنيوية، غالب الصحبة لا فائدة فيها. ولهذا كتب العلماء كتبا في هذا الباب في التحذير من التوسع في اصطحاب الناس ومحبة التكثير من الأصحاب. للسيوطي رسالة مختصرة من كتاب آخر اسمها «الشهاب الثاقب في ذم الخليل والصاحب»، جزء لطيف أنصح بقراءته. ولابن المرزبان رسالة اسمها «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، رسالة أيضا لطيفة أنصح بقراءتها. وهناك رسائل أخرى أيضا بعضها مخطوط وبعضها طبع في هذا الباب. في معنى هذا: «العزلة» للخطابي كتاب جميل، وكذلك «العزلة» لمحمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله كتاب جيد. مضمون هذه الكتب أن تقلل من الصحبة ومن مخالطة الناس. لهذا أبدع ابن الرومي الشاعر المشهور حين قال: عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب كلما كثر أصحابك كلما كثر رصيد أعدائك، كلما قل أصحابك كلما قل رصيد أعدائك. فإن الداء أكثر ما تراه، والأمراض أكثر الأمراض من الطعام والشراب، ويؤكد هذا الأطباء قديما وحديثا: أكثر أمراض الناس من أكلهم. أقرب شيء إليهم هو الذي يهلكهم وهو الذي يفسدهم وهو الذي يمرضهم. فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب. لهذا كم سلبت المخالطة من نعمة، وكم أوقعت في نقمة مخالطة الناس، وكم عكرت من خواطر، وكم أفسدت من ضمائر مخالطة الناس. أمر يجب الاعتدال فيه. كم زرعت من عداوات تزول الجبال الراسيات ولا تذهب من القلوب والخواطر تلك الحزازات بسبب كلمة جرح بها أو فعل فعل معه غلطا أو نحو ذلك. العاقل يقلل إذا أراد أن يستفيد في حياته مع القيام بالواجبات: صلة الأرحام، أداء الجماعات، التزاور الشرعي، صلاة الجنازة، زيارة المرضى، يقوم بما عليه من الحقوق من غير إسراف في الخلطة. فهذه هي العزلة المحمودة. العزلة المحمودة هي التي تكون بموافقة الشرع. العزلة بغير عين العلم زلة، وبغير زاي الزهد علة. كلمة العزلة إذا أخرجت منها العين صارت زلة، وكلمة العزلة إذا أخرجت منها الزاي صارت علة أي مرض. فلابد من الأمرين: العزلة بغير عين العلم زلة، وبغير زاي الزهد علة. هذا كلام قاله الناصحون وأبدعوا فيه. ابن القيم له كلام جميل في «بدائع الفوائد» حول الخلطة، يقسمها إلى أربعة أقسام: من مخالطته كالطعام والشراب يحتاج إليها عند الحاجة، ومن مخالطته كالدواء يحتاج إليها عند المرض فإذا ذهب المرض لم تحتاج إليه، ومن الناس من مخالطته كالداء كمرض فاحذر من هذا الصنف وهم أهل الفسوق وغيره، ومن الناس من مخالطته كالسم الذي إذا شربته إما أن تموت موتا مفاجئا أو تفسد أعضاءك فتبقى عليلا ميتا، وهؤلاء هم أهل البدع والضلال. فمن جالس أهل البدع ويريد أن يستمع إليهم هلك، فإن مجالسة أهل البدع سم قد تال. فالواجب على المسلم أن يحذر من أهل البدع والتحزف في مجالستهم أو مخالطتهم خشية أن يفسد في دينه، عياذا بالله. يقول رحمه الله تعالى: «ولا تلبث بحي فيه ضيم، ولا تلبث بحي فيه ضيم». الضيم هو الظلم، الضيم هو الظلم، وكذلك امتقاص الحقوق ضيم. «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كُبلت»: كُبل الرجل إذا قُيِّد، يعني لا تبقى إلا في حالة كونك مُقَيَّدا. «وَغَرِّبْ فَالتَّغَرُّبُ فِيهِ خَيْرٌ»: غَرِّبْ بمعنى الجهة، غَرِّبْ بمعنى اذهب إلى جهة الغرب، اذهب إلى جهة الغرب. فالتغرب المراد بالتغرب الثاني هو السفر، السفر وترك البلد. هذا معنى هذا، يسمى عند البلاغيين جناسا تاما: كلمتان حروفهما واحدة ومعانيهما مختلفة. «فالتغرب فيه خير وشرق»: شرق أي يذهب إلى الجهة المسمى بجهة الشرق، يذهب إليه. «وشرق إن بريقك قد شرقت»: شرق بريقه إذا كان قد غُصَّ به، شرق بريقه إذا كان قد غُصَّ بريقه، أي لم يستطع أن يبلعه، لم يستطع أن يبلعه. هذا معنى شرق. شرق، شرق، شرق بالكسر: معنى شرق بريقه إذا لم يقدر على ابتلاعه وإساغته، لا يستطيع أن يبلعه، يقال: شرق بريقه، شرق بريقه. وهذا فيه حث على ترك البلد. هذه الأبيات: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كُبلت أي قُيِّدت، وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت». هذان البيتان فيهما الحث على الخروج وترك البلد التي لا تعين على فعل الخير وتقوى الله سبحانه وتعالى. بلد لا تعينك على فعل الخيرات وعلى تقوى الله، اترك هذه البلاد. كذلك البلد التي يحصل فيها المظالم والابتلاءات، أو يخشى الفتنة على نفسه أو على أهله أو على ولده، يترك هذا البلد، يهاجر. أو في بلد يُحتقر فيه العلم ويُحتقر فيه العلماء وأهل الصلاح ويرفع فيه الفُسَّاق، فمثل هذا البلد يُترك. والأصل في هذا الباب قول المولى جل جلاله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. في سبيل الله، ليس في سبيل غير الله من دنيا أو غيرها. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، مُراغمًا أي البساتين والنفع المادي الذي لم يكن يجده من قبل. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. والله جل جلاله لاما أو عاتب ربنا أقواما لبثوا في أرض كفر، عياذا بالله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. فالمسلم إذا وقع في مثل هذا الموضع يخرج، لكن إن استطاع أن يصبر ويدعو ويرجو بدعوته النفع فبقاؤه من أعظم الجهاد. بقاؤه من أعظم الجهاد لأن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. كلام الناظم رحمه الله في قوله: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كبلت، وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت»، هذا في من خشي على نفسه، خشي على نفسه المضرة أو لم يستطع احتمال الأذى، فمثل هذا إذا خرج فهو معذور. يقول رحمه الله تعالى: «فليس الزهد في الدنيا خمولاً». أيضاً بين قوله: «غرب وشرق» مقابلة في علم البديع من علم البلاغة، مقابلة بين شرق وغرب. هذه الضاد... هذه الضاد: «وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت، شرق». ثم قال: «فليس الزهد في الدنيا خمولاً». المراد بالخمول هو الخفاء، تقول: خمل ذكره وخمل صيته إذا خفي. المراد بالخمول الخفاء، تقول: خمل ذكره، خمل صيته إذا خفئ، خفئ واختفئ. ثم قال رحمه الله: «فليس الزهد في الدنيا خمولاً لأنت بها الأمير إذا زهدت، ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت». هذا البيت فيه حث على الزهد في الدنيا، وأن الزهد في الدنيا ليس ترك الأسباب التي تعين على العيش في الدنيا كما يظنه بعض أهل التصوف، فيتماوتون ويتركون الأسباب، هذا غلط. فليس الزهد في الدنيا خمولاً كما يقول غلاة المتصوفة الذين يجعلون الزهد هو ترك الأسباب، هذا غلط. الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة، هذا الزهد: ترك كل شيء لا ينفع في الآخرة، هذا هو الزهد. ترك ما كل شيء لا ينفع في الآخرة، كل شيء لا ينفعك في الآخرة إذا تركته تكون زاهدا. وتركك لما لا ينفع في الآخرة يكون ثقة من القلب بما في يد الرب أكثر من ثقة القلب بما في يدك، هذا هو الزهد. أن تكون على ثقة بما في يد الله جل جلاله أعظم من ثقتك بما في يدك، وأن تفرح بما يأتي من الله عز وجل أعظم من فرحك بما تنال من الدنيا. ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى كلاما عظيما: «إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس»، هكذا يقول: «إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس». ثم قال رحمه الله: «وصبر أيام قلائل هذا زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صبر أيام قلائل هذا هو زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». إذا تركت طعاما من أنفس الطعام وأخذت ما دونه وأنت لا تستطيعه إلا بكلف أو بركوب الحرام، تترك ركوب الحرام سيضرك، قد تفعل شيئا محرما فتجد الأموال تأتي، تشتري الأكل الفاخر وتلبس اللبس الفاخر، لكن أضررت نفسك في آخرته. اترك ما لا ينفع في الآخرة، البس ثيابا متواضعا، كل طعاما متواضعا، كل ما يكفيك من الرزق الحلال وإن كان دون ما ستجده من الحرام، هذا هو الزهد. ترك ما لا ينفع في الآخرة، ترك ما لا ينفع في الآخرة. ليس الزهد تحريم الحلال والمباحات أو السنن. ولهذا في الصحيحين لما جاء الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادوا الزهد، قال أحدهم: والله لا آكل اللحمة، وقال الآخر: والله لا أتزوج النساء، وقال الثالث: والله لا أنام الليلة. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، هذا ليس من الزهد، تحريم الحلال ليس من الزهد، أو ترك السنن ليس من الزهد. قال صلى الله عليه وسلم: «أما إني أصوم وأفطر»، قال القائل: أصوم ولا أفطر، الثالث قال صلى الله عليه وسلم: «أما إني أصوم وأفطر وأتزوج النساء، أما إني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فإذا وصلت إلى مرتبة الزهد في الدنيا الذين يتركون ما لا ينفع في الآخرة فأنت منزلتك أعظم من منزلة الأمراء والملوك، إن كنت تفهم أنت أرفع منزلة من الملوك والأمراء. «فليس الزهد في الدنيا خمولا لأنت بها الأمير إذا زهدت، ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت». ثم قال في خاتمة نصيحته في أمر الدنيا: «فإن فارقتها» أي فارقت لذات الدنيا المحرمة ولم تتوسع في تتبع نظرة الدنيا وزينتها، «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام» أي سالما معافا في دينك فقد سلمت. والله عز وجل يبين أن الذين سلموا هم الذين أتوا ربهم بقلب سليم، كما قال في دعاء إبراهيم: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. «وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت». تقدم معنى هذا البيت في أول القصيدة، أول القصيدة من قوله: «تفد فؤادك الأيام فتة وتنحت جسمك الساعات نحت، وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاحي أنت أريد، أنت أراك تحب عرسا ذات خدر أبدت طلاقها الأكياس بتة، تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا مت انتبهت، فكم ده أنت مخدوع، وحتى متى لا ترعوي عنها، وحتى» إلى آخر الأبيات التي ذكرها رحمه الله. ثم قال: «جمعت لك النصائح فامتثلها، حياتك فهي أفضل». ثم قال خاتما: «جمعت لك النصائح، جمعت لك النصائح فامتثلها، حياتك فهي أفضل ما امتثلت، وطولت العتاب وزدت فيه لأنك في البطالة قد أطلت، ولا يغررك تقصيري وسهوي، وخذ بوصيتي لك إن رشدت». يكرر على ابنه الحث على قبول هذه النصائح والتأمل فيها، فهي تجمع لك خير، خير الدنيا وأعظم من ذلك خير الآخرة. ثم قال رحمه الله: «وقد أردفتها تسعا حسانا وكانت قبل ذا مئة وستة». هذا يدل على أنه أضاف في القصيدة تسعة أبيات فوق ما كانت عليه وهي مئة وستة. لعله أرسلها أو قرأها على ابنه وكانت مئة وستة بيت، ثم أضاف تسعة أبيات رأى الحاجة إليها، وكل القصيدة حسان وليست التسعة فقط، لكن هذا تأكيد لأهمية هذه الأبيات. «وقد أردفتها تسعا حسانا وكانت قبل ذا مئة وستة»، فيكون المجموع مئة وخمسة عشر بيتا بهذا النص من الناظم الإمام أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله. «وصل على تمام الرسل ربي وعترته الكريمة ما ذكرت». ختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المجالس التي تختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مجالس بركة، كما ثبت في سنن أبي داود وغيره: «إذا جلس قوم مجلسا لم يذكر الله ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن مثل جيفة حمار». وينبغي في هذا الموضع الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث جابر في الأدب المفرد للبخاري وغيره في حديث دعاء جبريل حين صعد المنبر، حين صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: «آمين»، قيل: ما لك؟ ما قلت يا رسم؟ لما قلت آمين، قال: «إن جبريل أتاني آنفا فقال: من ذكرت عنده فلم يصلي عليك خاب وخسر، قل آمين، قال فقلت آمين». فنحن نصلي ونسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعترته الكريمة. العترة هم أقرباء النبي الأقربون من آل بيته كعلي وفاطمة وأزواجه أيضا رضي الله عنهم جميعا. «ما ذكرت»: أي كل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت الصلاة عليه. وبهذا تنتهي هذه القصيدة. فنسأل الله جل جلاله أن يرحم الناظم ويجزيه خير الجزاء، وأن يرزقه خير الرزق بين يدي الله سبحانه وتعالى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بسم الله، نسيت أذكر في المنظومة أبياتا للشافعي رحمه الله في التغرب مشهورة، يقول فيها: تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجدي إلى أن قال: فموت الفتى خير له من مقامه، فموت الفتى خير له من مقامه بأرض عدو بين واش وحاسد. هذا في معنى قول الناظم رحمه الله تعالى: «ولا تلبث بحي فيه ظلم يميت القلب إلا إن كبلت، وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت». خيب، نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا، اللهم اللهم ورحمة الله، شكرا للمشاهدة.