الدرس في كلمة الشيخ الفاضل عبدالله بن سالم الردفاني، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 7 رجب 1442هـ الموافق 19 فبراير 2021م ألقاها منوع
يتناول المحور أهمية الأخوة بين المؤمنين كما حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً مؤاخاة المهاجرين والأنصار والآيات والأحاديث التي تبرز التراحم والتآلف والتكافل. ويؤكد أن هذه الأخوة ركن أساسي في بناء المجتمع المسلم المتماسك.
يستعرض المحور أهم مقومات الأخوة الإسلامية المتمثلة في الحب في الله، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ونصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً بكف ظلمه أو نصرته، والذب عن عرضه. ويسوق الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبين فضل هذه الأعمال وعظيم أجرها.
يؤكد المحور على وجوب الدفاع عن عرض الأخ المسلم وتجنب الطعن فيه، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في تكريم من يقول لا إله إلا الله. ويحث على تحقيق الأخوة بالترابط والتآخي، والابتعاد عن التباغض والتحاسد وسائر الصفات المفرقة، داعياً للاستمرار في الاجتماعات التي تعزز المحبة وتثبت أهل السنة.
يختتم المتحدث الجلسة بالتعبير عن شكره وامتنانه للشيخ عبد الله على ما طرحه من علم نافع. ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الشيخ ويجزيه خيراً على جهوده في نشر العلم وبيان الدين.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. فنحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا اللقاء في هذا الاجتماع المبارك في دار الحديث بالشحر، فأسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعًا بما نسمع وبما نقول. وقد سمعنا في مقدمة أخينا الشيخ أبي هشام حفظه الله تعالى، أو أبي هاشم حفظه الله تعالى، عن فضائل هذه الاجتماعات. قالوا: من فضائلها ترابط الناس، وهكذا الأخوة في الله سبحانه وتعالى. وهذا الأمر العظيم يا عباد الله، وهو أمر الأخوة، قد حرص عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، كان من أوائل الأمور التي قام بها أن آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين سلمان وأبي الدرداء، وبين أبي عبيدة وأبي طلحة، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن معاذ. ومعلوم ما حصل من سعد بن معاذ حين أن أتاه عبد الرحمن بن عوف، فقال له: إن لي زوجتين، فانظر إحداهما فأطلقها ثم تتزوجها، وأشاطرك مالي. فقال: بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دلوني على السوق. فهذه الأخوة يا عباد الله التي حققت من المصالح العظيمة، وحصل من ورائها الألفة والرحمة والمحبة، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فكانوا يتراحمون وكانوا يتآلفون. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن جمع القلوب وجمع الناس من هنا وهناك، فذاك من المهاجرين وآخر من الأنصار، وذاك من العجم وآخر من العرب. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، كم نحن بحاجة إلى تحقيق هذه الأخوة الإيمانية التي قال الله عز وجل عنها في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. كم نحن بحاجة يا عباد الله أن نحقق هذه الأخوة التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاتفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه. هكذا يا عباد الله شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة وهذا الترابط وهذا التراحم بين أهل الإسلام، فهذا من فضل الله عز وجل. فعلى المسلم أن يسعى جاهدًا إلى هذا الأمر العظيم، أن يبذل ما عنده وما باستطاعته على تحقيق هذه الأخوة. أيها المسلمون، عباد الله، فإن هذه الأخوة تحتاج منا إلى أن نقوم بأشياء، من هذه الأشياء يا عباد الله التي يحتاجها الأخ من أخيه والتي يقدمها الأخ لأخيه: الحب في الله عز وجل. الحب في الله فإنه من الأعمال العظيمة التي حث عليها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عند الإمام مالك من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين فيها والمتزاورين فيها والمتجالسين فيها والمتبادلين فيها». وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه». هكذا يا عباد الله، فإن الأخ إذا أراد أن يعرف أنه قد حقق هذه الأخوة بينه وبين أخيه المسلم، أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه». إذا كنت يا عبد الله تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، وهكذا تكره لأخيك ما تكرهه لنفسك، فقد حققت هذه الأخوة العظيمة التي حث عليها ربنا في كتابه وحث عليها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. وهكذا مما يحقق هذه الأخوة ما جاء في مسلم من حديث جابر، وجاء في البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قالوا: يا رسول الله، قد علمنا كيف ننصره إذا كان مظلومًا، فكيف ننصره إذا كان ظالمًا؟ قال: «تحجزه عن الظلم، فذلك نصره». هكذا يا عبد الله أن تناصر أخاك في الله عز وجل إذا حصل عليه ظلم من هنا أو هناك، وإذا حصل منه الظلم والتعدي فلا تناصره على هذا الظلم، وإنما احجزه وامنعه، وبين له أنه قد تعدى وأنه قد ظلم. فلا يكن حالنا كحال بعض القبائل أن يناصر أخاه ويناصر قريبه على الباطل إذا حصل منه تعصب وجاهلية. وهكذا يا عباد الله، من هذه الأمور التي نحن بحاجة إليها أن يرد المسلم عن عرض أخيه، كما جاء من حديث أبي الدرداء عند الإمام الترمذي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». فإذا سمعت شخصًا يطعن في أخيك فترد عن عرض أخيك. وقد قال في حديث عتبان بن مالك: أن رجلاً سئل عن مالك بن الدخشم حين أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مالك بن الدخشم، فقال رجل: ذلك منافق. فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنه يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». فهكذا ينبغي علينا يا عباد الله أن نحقق هذه الأخوة. وجاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل حاجة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء». فهذه الأمور كم نحن بحاج إليها معشر المسلمين ومعشر أهل السنة خاصة، أن نحقق هذه الأخوة الإيمانية، وأن نبتعد عما يشوش هذه الأخوة الإيمانية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التباغض والتدابر والتحاسد، وغير ذلك من هذه الصفات الذميمة التي تشوش على هذه الأخوة والتي تنقص هذه الأخوة. فهكذا ينبغي على المسلم أن يسعى جاهدًا إلى تحقيق هذه الأخوة، وأن يبتعد عما يشوش وعما ينقص وعما يذهب بهذه الأخوة الإيمانية. فأهل السنة والجماعة هم القربى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن وطمت وعمت كما هو معلوم. فنحن بحاجة إلى الترابط والتآخي. وما هذه الاجتماعات يا عباد الله إلا دليل من الدلائل العظيمة على ترابط أهل السنة، وعلى اجتماعهم، وعلى تحاببهم، وعلى مودتهم، وعلى أخوتهم. فيجتمعون من هنا وهنا، يأتي أحدهم من أقصى الشحر والآخر من أقصى القرب، يجتمعون في مكان واحد، يسلم بعضهم على بعض، ويسلم بعضهم على بعض، ويجلس بعضهم مع بعض، وهكذا يستمع بعضهم من بعض، فتحصل الألفة والمحبة والمودة بإذن الله سبحانه وتعالى. ألا فلنستمر على هذا الخير العظيم، وندعو الله عز وجل أن يحقق هذه الأخوة. فالمسلم يدعو ربه سبحانه وتعالى على استمرار هذا الخير، لأن أعداء الدين لا يريدون هذه الاجتماعات، ولا يريدون هذه الأخوة، ولا هذه الألفة، يسعون جاهدين من أجل تمزيق وتفتيت وتشتيت أهل السنة والجماعة، كما قد حصل في أزمنة ماضية. فلا ييأسون ولا يحقق لهم هذا الأمل الذي يسعون إليه، كل ذلك بفضل الله عز وجل ثم بفضل الدعاة إلى الله والمشايخ والعلماء الذين يقودون هذه الدعوة ويسيرون بها سيرًا حسنًا بإذن الله عز وجل. فأسأل الله عز وجل بمنه وكرمه ولطفه وإحسانه أن يوفقني وإياكم لكل خير، وأن يوفقنا للعمل بكتابه وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين. جزاك الله خيرًا يا شيخ عبد الله، حفظك الله.