الدرس في كلمة الشيخ الفاضل محمد بن يوسف الريمي، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 7 رجب 1442هـ الموافق 19 فبراير 2021م ألقاها منوع
يروي الخطيب حديث أبي هريرة عن رجل دعا بتعجيل عذاب الآخرة في الدنيا فضعف بدنه، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك وأمره بالدعاء المأثور: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، فاستجاب الله دعاءه وعوفي. يبرز هذا الموقف حرص النبوة على التيسير ورفع الحرج عن الأمة في الدعاء والابتلاء.
يوضح المقطع توجيه النبي ﷺ للصحابي بالدعاء الجامع بدلاً من التكلف بما لا يطيق، ويسوق حديثاً قدسياً يبشر بأن الله يعافي المؤمن الصابر الذي لا يشكو بلاءه للناس، فيبدله لحماً ودماً خيراً منه ويمنحه العافية بعد الابتلاء. يؤكد هذا التوجيه على عظيم أجر الصبر وحسن الظن بالله عند نزول البلاء.
يسرد الخطيب قصة الثلاثة من بني إسرائيل (أبرص وأقرع وأعمى) ابتلوا بالبرص والقرع والعمى فشفاهم الله ومنحهم أموالاً، ثم اختبرهم ملك في صورة محتاج، فجحد الأبرص والأقرع النعمة فسلب الله عنهما الصحة والغنى، بينما شكر الأعمى نعمة الله فأقره على نعمته وبشره برضا الله. تختتم القصة بتذكير بأهمية المحافظة على النعم بالشكر وتجنب الكفران الذي يجلب السخط والحرمان.
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، فالحمد لله الذي يسر لنا بهذا اللقاء، نلتقي بآبائنا وإخواننا في هذه المجامع العظيمة الطيبة، والحمد لله الذي يسر بهذا الاجتماع، هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أهل السنة لحمة واحدة في أي أرض من أرض الله تبارك وتعالى، فهذا الجمع المبارك حضر من كل مكان ومن كل قرية، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى علينا، فالحمد لله الذي يسر بهذا الخير، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجزي خيراً من كان سبباً في إقامة هذه الاجتماعات، وأسأل الله أن يبارك فيه، كما أسأله تبارك وتعالى في هذا الوقت المبارك أن يحفظ هذه الوجوه المتوضئة التي خرجت من كل مكان، أسأل الله أن يجعل كل خطوة خطوتموها إلى هذا البيت المبارك في ميزان حسناتكم أثقل، من قبل أحد لا أحيي كل من قتل الهوى، لكن أحيي كل من أحياهم، فحياكم الله أيها السادة الأكارم في هذه المجامع الطيبة. عباد الله، خرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد سار مثل الفرخ، فقال: «ما لك يا فلان؟ هل كنت تدعو بشيء؟» قال: نعم يا رسول الله، إني كنت أدعو الله فأقول: «اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله، إنك لا تطيقه، هلا قلت: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾؟» فقالها الرجل، فرد الله عز وجل عليه جسده. انظروا إلى هذا الرجل العظيم بشكله وهيئته، قد سار مثل الفرخ، قد تحول إلى هذه الصورة، النبي عليه الصلاة والسلام يلاحظ هذا الرجل ويسأله ويسأله عن حاله: «ما لك يا فلان؟ ماذا حصل؟ لماذا تحول جسمك إلى هذا الجسم؟ ما الذي كنت تقول؟ ماذا كنت تفعل؟ هل كنت تدعو بشيء؟» يقول: نعم يا رسول الله. هذا الرجل استعجل عذاب الآخرة، ولعل الله عز وجل أن يعفو عنه في ذلك اليوم، لكن أراد الخلاص، أراد الخلاص من عذاب ذلك اليوم، يقول: يا رب أنا أتحمل العقاب الآن، أنا أتحمل العذاب الآن، أنا أتحمل الإرهاق، أن يسير جسد إلى هذا الجسد الضئيل، أتحمل، أصبر، لكن يوم القيامة لا أتحمل، «اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا». انظروا إلى الناصح الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كان يتفقد أحوال أصحابه، يسألهم عن أحوالهم، عن أمورهم، عن مشاكلهم، عن حياتهم، فيوجه له النصيحة: «سبحان الله، إنك لا تطيقه، هلا قلت: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾؟» انظروا إلى التوجيه الرشيد السديد، رده إلى الله، ربطه بالله، جعله يصلح ما بينه وبين الله، أرشده إلى الركن العظيم الشديد، إلى الذي يقول لشيء كن فيكون، فحول الله عز وجل حال هذا الرجل من تلك الهيئة ومن ذلك المنظر إلى أن عاد رجلاً سويا قوياً كما خلقه الله عز وجل. وهنا وقفة: كيف يكون حالك عبيد الله إذا رد الله عز وجل لك العافية؟ كيف يكون حالك؟ كيف تشعر بالفرح بالأنس بالسعادة إذا رد الله عز وجل عليك العافية بعد أن سلبك إياها وحرمك إياها؟ كيف يكون حالك وأنت تفرح؟ فالله عز وجل رد هذه النعمة على هذا العبد، رد له جسده، رد له صحته، رد له هيئته، فيا فرحتاه، كم سيشعر هذا الرجل بالفرح والسعادة والأنس! فهكذا رب العالمين، من لجأ إليه ورجع إليه واعتصم به وتوكل عليه، رد الله سبحانه وتعالى له الخيرات وزاده من البركات. خرج الإمام أبو داود في سننه، وكذا النسائي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي المؤمن» - اسمعوا أمة الإسلام، كلنا ذلك الرجل الذي يبتلى في نفسه، يبتلى في ماله، يبتلى في ولده، يبتلى في حياته، يبتلى في زوجه، كلنا ذلك الرجل الذي تنزل به الإبتلاءات، الأمراض والأسقام والأوجاع - «يقول الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عواده، لم يشكني إلى الناس، إلى الزائرين: انظر كيف أصابني، انظر ماذا حصل لي، انظر ما رحمني، انظر كيف ابتلاني، انظر كيف قبض ولدي، لا، ليس هذا من أخلاق العبد المؤمن الراضي الذي يستسلم لأوامر الله وأحكام الله وأقدار الله عز وجل، قال: ولم يشكني إلى الناس، أطلقته من إساري، أطلقته من إساري، وأبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل». انظروا كيف يبتليكم الله ويغير حياتكم ويغير تلك الابتلاءات، يغير تلك الامتحانات إلى ماذا؟ شفاء وعافية، وهذا من فضل الله. إذا انظروا يوم أن ترد النعمة على العبد، يوم أن يسلب النعمة ثم تأتيه بعد السلب بعد الأخذ، كيف يكون متشبثاً بها وحريصاً على أن لا تفوته مرة أخرى. خرج البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأرسل الله عز وجل إليهم ملكاً، أرسل ملكاً إلى الأبرص، وقع على هيئته، أرسل ملكاً إلى الأبرص وقال له: ماذا تريد؟ قال: أن يرد الله عز وجل لي، أو أن يهبني الله عز وجل جلداً حسناً ولوناً حسناً، فقد قذره الناس، فقد قذره الناس، فمسح الملك على يديه أو على جسده، فأبدله الله عز وجل جلداً غير الجلد الأول، ولوناً غير اللون الأول، الأبرص الذي انتشر في جسده البرص، عادت العافية من جديد لهذا العبد، قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فأعطاه ناقة عشراء». ثم ذهب إلى الأقرع، الذي تمزق شعره، والذي سقطت حواجبه وسقط الشعر من جسده، لم يبق في جسده شعرة واحدة، سار أقرع، أقرع قذره الناس، يقول له الملك: ماذا تريد؟ قال: أن يرد الله عز وجل لي شعري، فقد قذره الناس، أو يهب لي شعراً فقد قذره الناس، فمسح الملك عليه فنبت شعره، وعاد شعره كما كان، ذهب ذلك البرص، وذهب ذلك، وذهب ذلك الجلد الذي إذا كشفه أمام الناس كأنه مرايا تحكس الضوء إلى الناس، تحول رأسه إلى شعر، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرة حاملة. ثم ذهب إلى الأعمى، فقال له: ماذا تريد وأي شيء تحب؟ قال: أن يرد الله بصري، أن يرد الله بصري حتى أرى الناس. يا إخواني، حفظكم الله، استرداد النعم بعد أن تزول وبعد أن تفوت، فلتفرح بها المؤمن، فمسح الملك عليه فرد الله بصره، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه غنمة، ثم أنتج هذا، وأنتج هذا، وأنتج هذا. وبعد حين، أتى ذلك الملك إلى ذلك الأبرص على صورته وهيئته، قال: «رجل مسافر وابن السبيل، تقطعت بي الحبال، أنا بالله ثم بك، ناقة أتبلغ بها في سفري، ناقة أتبلغ بها في سفري»، قال: «الحقوق كثيرة، الحقوق كثيرة»، قال: «كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، وفقيراً فأغناك الله؟» قال: «إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر»، قال له الملك: «إن كنت كاذباً فسيرك الله إلى ما كنت»، فسلب النعمة، عاد إلى البرص، عاد إلى البرص، عاد إلى ذلك الكلد الذي يقذره الناس، عاد إلى الفقر، سلبت النعمة بعد أن رجعت إليه وأعطي، ماذا من النقم التي تليق به؟ عياذاً بالله. ثم ذهب إلى الأقرع، وقال لهم كما قال، ثم ذهب إلى الأعمى، فقال: «رجل مسافر وابن السبيل، تقطعت بي الحبال، أنا بالله ثم بك، غنمة أتبلغ بها في سفري، أسألك بالذي رد عليك بصرك، غنمة أتبلغ بها في سفري»، قال: «نعم، والله لقد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فأغنان الله، والله لا أرزؤك شيئاً اليوم، أخذته لله، الغنم أمامك، خذ ما شئت وأبق ما شئت»، قال: «أمسك عليك مالك، أمسك عليك مالك، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك». إذا انظروا، النعمة إذا استردت لك يا عبد الله فاحافظ عليها. والمعذرة، أطلت في كلمتي، حفظ الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين. حفظك الله يا شيخ محمد، شكراً لك، شكراً لك، شكراً لكم.