التعليق على مقدمة المجموع 54

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معرفة المذهب القديم والجديد للإمام الشافعي

يتناول المقطع مسألة معرفة المذهب القديم والجديد للإمام الشافعي وتطبيقهما، حيث يشرح كيفية التعامل مع القولين المختلفين للإمام الشافعي. يبين أن الجديد هو الغالب في التطبيق مع احتمال الخطأ في النقل أو نسيان القول القديم.

أهمية التراجع عن الفتوى عند ظهور الدليل

التراجع عن الفتوى عند ظهور الدليل ليس تناقضا بل هو دليل على التجرد للحق، وقد وقع هذا حتى عند الأئمة الكبار. كانوا يرجعون عن أقوالهم إذا ظهر لهم دليل أقوى، مما يدل على اتباعهم للحق.

قبول قول من قبض مالا أو عينا في الرد إلى المالك

يشرح المقطع مسألة فقهية تتعلق بقبول قول الشخص الذي قبض مالا أو عينا في الرد إلى المالك. يفرق بين من قبض لغرض نفسه ومن قبض لغرض المالك في قبول قولهم في الرد.

حكم قبول قول العامل على مال اليتيم عند الرد

اختلف العلماء في قبول قول العامل على مال اليتيم عند رد المال، فمنهم من يقبل قوله مطلقا ومنهم من لا يقبل قوله مطلقا. الحنابلة يقبلون قوله مع اليمين، واستدل البعض بقول الله تعالى ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله بذكر بعض المسائل في مذهب الشافعي رحمه الله في مقدمة المجموع: وإذا اجتمع قولان للشافعي قديم وجديد، وكان الشافعي رحمه الله له في العراق فتاوى، وفي مصر له فتاوى أخرى، هل نأخذ بالقديم أو بالجديد؟ وهذا لأن للشافعي رحمه الله مذهبان: مذهب قديم بالعراق، ومذهب جديد بمصر. كيف يعرف هذا؟ يعرف بنقل هذا المذهب من الذي ينقله، فمذهب الشافعي لما كان في العراق له طلبة، منهم الحسن بن علي بن زعفراني، وكذلك الحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق وإبراهيم، وجماعة منهم من نقل عنه بعض المسائل. ومذهب الشافعي الجديد في مصر، ومن تلاميذه الذين نقلوا هذا المذهب المزني والربيع بن سليمان المرادي الجيزي وغيرهم من طلبة الشافعي رحمه الله. فيعرف هذا القديم أو الجديد بالطلبة، أو يذكره لهم، أو يذكره الشافعي رحمه الله أنه كان يقول كذا ثم قال بخلافه، وهذا يذكره دائما في بعض المسائل التي يذكرها في الأم أو في غيره. فالآن يقول الإمام النووي رحمه الله: إذا جاء في المسألة قولان، فهل نأخذ بالقديم أو بالجديد؟ فقال: معلوم أن الغالب أن الجديد هو الذي عليه العمل، لا أن يموت، لكن احتمال أن يكون هذا الجديد قاله وقد غاب عنه القديم، وأنه لو تذكر القديم لأخذ به دون الجديد. أليس هذا واردا؟ أن هذا وارد، أنه ينسى ماذا قال في هذه المسألة قديما، فيقول في المسألة قولا آخر. وأحيانا يكون الخطأ من النقل، فهذا الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه أشياء خطأ، نقلت عنه أشياء خطأ حتى في مذهبه في الصفات، وهذا من العجيب. النقل معروف أن الإمام أحمد يثبت الصفات، وأيضا يفسر معاني الصفات بما جاءت في اللغة، إلا أنه نقل بعض أصحابه عنه أنه تأول المجيد، وهذا بعيد جدا عن مذهبه. فلهذا تجد أن أحيانا النقل يخطئ في نقل كلام الإمام، أو كما قال هنا: أنه لم يتذكر القديم. قال: أليس هذا واردا؟ بلى، وهذا يقع كثيرا، وهذا هو الذي يجعل في الغالب عن العلماء الكبار قولين في المسألة، يعني أنه ينسى القول الأول الذي له أو الذي قاله في المسألة، أو يتغير اجتهاده، يكون يتغير اجتهاده في المسألة، ما يبقى على الأول. وهذا كثيرا ما يحصل، تجد العالم في مسألة يجتهد فيقول بهذا القول، ثم يتبين له خلافه كما قال الإمام محمد: إننا نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا، وهذا بسبب تبين الأدلة. فإذا تبين لهم الدليل الذي قد غاب عنهم أو الذي لم يتذكروه في ذلك الوقت، فيرجعون إلى هذا الدليل، وهذا يدل على تجردهم للحق، وليس كما يدعي بعضهم أن هذا تناقض، هذا ليس تناقض. ولهذا بعضهم جمع تناقضات بعض الأئمة للسنة، مثلا تناقضات الشيخ الألباني زعم، وليس هذه تناقضات، وإنما تراجعات، وهذا يحصل عند العلماء. فلهذا فتجدد الاجتهاد وتغيره هذا شيء معروف عند الناس وعند العلماء، بل حتى عند الصحابة رضي الله عنهم. فلهذا فليس عيبا أن يرجع المرء عما هو عليه قديما، بل إن كان رأى الحق، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وأما هؤلاء الأئمة فهم أبعد عن الهوى، أبعد عن العوارض التي تعترضهم عن الحق، بل الذي نعتقد فيهم جميعا، أي أئمة الإسلام كالشافعي وأحمد ومالك وغيرهم، أنهم كانوا متجردين للحق. فإذا رأوا الحق بأدلته رجعوا إليه. ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا راد مردود إلا صاحب هذا القبر، هذا النبي عليه الصلاة والسلام لا يرد قوله، وأما غيره فقوله مردود. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: إذا رأيتموني خالفت كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط. ولما قال له رجل: أتأخذ بهذا الحديث يا عبد الله؟ قال: أتراني خرجت من كنيسة؟ وقد خرج من المسجد، أتراني علي الزنار؟ أي كاليهود. فلهذا فإن الأئمة رحمهم الله كانوا متجردين للحق. قال: وربما يكون مستحضرا للقول الأول ولأدلته، ولكن تبين له القول الثاني فأخذ به، لكن في المسألة الثانية، هذه الغالب أنه يقول: تبين لي الأمر فرجعت إليه، أو كلمة نحوها. والعبرة ليس بقول فلان أو قول علان، وسواء قال أو لم يكن، فصحيح أن أقوال هؤلاء الأئمة يفتى بها، لكن ليس الحجة في قولهم، الحجة في الدليل في الكتاب والسنة. لكن هؤلاء أقوالهم يستضاء بها، وأيضا يفهم بها الكتاب والسنة، فالأئمة رحمهم الله كما يقال: حلقة وصل بين كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبين الناس، أي بين فهم الكتاب والسنة يفهم على فهم هؤلاء الأئمة. ولهذا من خالف أحد الأئمة وجاء بقول لم يقله هؤلاء، غالبا يكون قوله شاذا، إلا إذا كان قد قال به أحد الأئمة السابقين من الصحابة أو التابعين أو غيرهم. ولهذا كان الشيخ الإسلام رحمه الله ينبه على هذا الأمر أن الإنسان لا ينبغي أن يأتي بقول ثالث في المسألة إذا اختلف الأئمة على قولين، فلا يأتي بثالث إلا إذا دل عليه الدليل، وقال به بعض العلماء. وقال الإمام أحمد رحمه الله لابنه عبد الله: إياك أن تقول في مسألة ليس لك فيها إمام. فخلاصة الأمر أن يقول الإمام النووي رحمه الله: أن هذه المسائل لا ينبغي أن يتعصب فيها، وأما مثل الجديد والقديم، فالأصل من ناحية قول الإمام يأخذ بالجديد، لكن في مذهب الشافعي وفي غيره من المذاهب تجد أنهم أخذوا أحيانا بعض ما قاله في القديم ورجحوه في المذهب. وعدة مسائل سيذكر هنا بعض هذه المسائل. قال رحمه الله: وإن قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك، ومن قبضه لغرض المالك قبل قوله في الرد إلى المالك لا إلى غيره. هذه مسألة من المسائل التي يحصل فيها الخلاف. من قبض شيئا لغرضه، أنه قبضه وهو فيه له غرض، مثلا أخذ كتابا من صديقه استعاره، فجاء هذا الصديق يطلبه، فقال له هذا المستعير: قد رددته عليه، فهنا لا يقبل قوله. لماذا؟ لأنه لما قبض هذا الكتاب قبضه لغرضه، لحظ نفسه، هو أنه أراد هذا الكتاب. وأما إذا كان لغرض المالك، مثلا كما ذكر هنا: أو دعني شخص مالك قال: خذ هذا المال عندك وديعة حتى أرجع من السفر، ورجع، ثم بعد مدة طلب ماله، فقلت: إنني رددته عليه، هل يقبل قولي؟ نعم، لماذا؟ قال: لأنني قبضته لغرض المالك، فيقبل قولي. وعلى هذا: من قبض شيئا لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد، ومن قبضه لحظ مالكه قبل قوله في الرد. معناه: إذا كان وديعة أعطاه إياه وديعة، قال له: أو قال له عندي أو لي عند فلان كذا وكذا من المال، فاذهب وخذه منه، سيعطيك إياه، وقد كلم له على ذلك، واتركه عندك إلى مثلا أن آتي. فهنا هذا القبض قبضه لمن قبضه لحظ المالك، ليس لنفسه، فهو لم يستفد من هذا المال في قبضه، وإنما يريد أن هذا أوصاه أن يقبض هذا المال فقبضه، فهو قبضه لحظ المالك. فهذا هنا إذا ادعى أنه قد أرجعه له، فهنا القول قوله، إلا إذا جاء ذلك ببينة أن صاحب المال جاء ببينة أنه لم يرجعه إليه ولم يعطه إياه. لكن الأصل أن القول قوله، بخلاف من قبض مالا أو شيئا لغرض نفسه، مثلا عارية أو كذلك مثلا دين أو غيرها لهذه الأشياء، فهو قبض هذا المال لغرض نفسه، فهنا لا يقبل قوله ما دام أنه معترف أنه قد أخذ المال. لو قال مثلا: أنا عندي أعترف لك أنه عندي مئة ألف، لكن قد رددتها عليك، فقوله: قد رددتها عليك يحتاج إلى بينة، وإلا فقوله مردود يحتاج إلى بينة يأتي بها وإلا قوله مردود. لكن إذا كان قبضها لغرض المالك، فهنا ما يحتاج إلى بينة، وإنما المالك هو الذي يحتاج إلى أن يأتي ببينة أنه لم يرجعه إليه. وذكر الشيخ رحمه الله بأن هذا قول بعض العلماء خاصة الشافعية، وعند الحنابلة أنه لا يقبل قوله في الرد مطلقا، سواء قبضه لحظ نفسه أو لحظ مالكه. وبعضهم يقول: يقبل قوله مع اليمين، وهذا المشهور عند الحنابلة يقبل قوله مع اليمين. واستدل بعضهم في مال اليتيم ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا﴾. والله تعالى أعلم.