الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم الحدود في الشريعة الإسلامية وتقسيمها إلى حدود مقدرة شرعًا وتعزير. يُوضح أن الحدود المقدرة تسقط بالشبهة بينما التعزير يُستخدم لردع المخالفات غير المحددة حدًا شرعًا.
يتناول المقطع الثاني قاعدة سقوط الحدود بالشبهات ومسؤولية الأمين، حيث يُشترط لتنفيذ الحد توافر شروط معينة وانتفاء الشبهات، كما يتناول مسؤولية الأمين وضمنه في حالة التفريط.
يشرح المقطع الثالث والرابع شروط ضمان الأمين والوكيل في حالة فقدان أو تلف المال أو العمل الموكل إليهم، ويفرق بين التفريط والتعدي، مع توضيح القواعد العامة للضمانات في المعاملات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله في ذكر بعض القواعد التي تأخذ من بعض المذاهب، فمن ذلك قولهم: «وأن الحدود تسقط بالشبهة». والمراد هنا بالحدود العقوبات المقدرة شرعًا، مثل حد الزنا، حد الخمر، حد السرقة. فهذه الحدود المقدرة شرعًا تسقط بالشبهة. وهناك حدود غير مقدرة وتسمى التعزير. فهناك حدود مقدرة شرعًا قدرها الله عز وجل، أو قدرها نبيه صلى الله عليه وسلم، وهناك حدود غير مقدرة وتسمى التعزير، على أن يكون باجتهاد الحاكم. وهذه غالبًا الأشياء التي ليست فيها حد، مثل النظرة، مثل النظرة إلى امرأة، أو تقبيلها، أو ضرب إنسان، أو غيرها من هذه الأشياء التي ليست فيها حدود مقدرة. سيكون هناك تعزير، إما سجن، وإما جلد وضرب، وإما ما يراه مناسبًا الحاكم. بل أحيانًا بعض التعزيرات تؤدي إلى أن يقتل هذا الشخص، مثل ما جاء في الخمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه». وهذا الحديث ذكر الترمذي أنه لم يعمل به عند أهل العلم، لكن بعض أهل العلم ذكر وجهًا، وهو أنه يكون أمر ردع يجعله ولي الأمر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فلا يكون حدًا وإنما من باب الزجر، من باب التعزير، فيقتل حتى ينتهي الناس عن شرب الخمر إذا كثر، مثل ما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما كثر الناس في شرب الخمر، فحدهم ثمانين جلدة. لماذا؟ لأنه قد كثروا في ذلك، ولأنه الجلد في الخمر ليس له حد معين يضرب فيه، وإنما قدروا أربعين، فجعله عمر ثمانين نكالًا لهم. فقال المؤلف رحمه الله: «وأن الحدود تسقط بالشبهة». فالحد لا بد أن تتوفّر فيه الشروط، فإذا توفرت فيه الشروط أقيم، وإلا فإن كان هناك احتمال، قد لا يثبت هذا الحد، فهنا يسقط هذا الحد، خاصة إذا كان الحد عظيمًا، حد القتل، القصاص، أو حد الزنا. ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الوالد لا يقتص منه إذا قتل ابنه، لا يقتص منه لوجود الشبهة. كذلك أيضًا إذا كان مثلًا إنسان له مساهمة في ماله أو شراكة، فأخذ هذا المال، فهنا فيه شبهة أنه يحسب أن هذا المال حقه. لا تقام هذه الحد إلا إذا انتفت الشبهات. فالشبهات هنا تختلف، فإذا احتمل أن الشخص مثلًا عمل هذا الأمر لشبهة عرضت له، فإنه لا يقام عليه الحد. فمثلًا لو أن إنسانًا أتى امرأة ظنها زوجته، فلما انتهى من شأنه علم أنها ليست زوجته، وأنها امرأة في بيته، قريبة لأهله، فلم يعرف ذلك في وقت الظلمة. فهنا وجدت هذه الشبهة، فإنه لا يقتص منه. وهكذا غيرها من الشبهات التي يذكرها العلماء في ذر الحدود بالشبهات. وهذه الشبهات تكون في ثبوت ما يوجب الحد، إذا وجد شبهة في ثبوت ما يوجب الحد، فهنا لا يحد هذا الشخص حتى تثبت عليه الجريمة أو هذا الحد. قال رحمه الله: «وأن الأمين إذا فرط ضمن». أيضًا من قواعد فقهية أن الأمين ليس عليه ضمان؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. فإنسان مثلًا أودع مالًا عند آخر أو دعه أمانة، فسرق عليه هذا المال. فينظر هل فرط في هذا المال فوضع في مكان معرض للسرقة؟ مثلًا أعطاه مالًا فوضعه في النافذة، فجاء سارق وأخذ هذا المال، أو أخذ هذا المال أحد أولاده، فهذا فيه تفريط. لكن إن كان قد حفظه في مكان الذي يوضع فيه ماله، فجاء سارق وأخذ هذا المال، فهنا لم يفرط، فهو ليس ضامنًا. فالأمين من أمن في شيء، يدخل في ذلك أيضًا الوكيل، إذا وكل إنسان في شيء من أموال الناس، مثلًا وكله إنسان في عمل. فالأصل أنه أمين؛ لأنه وكله، والوكيل أمين. فإذا حصل خطأ في العمل أو خسر في مثلًا هذا العمل، فهو لا يضمن. هذا الأمين أو الوكيل إلا إذا كان بتفريط منه، مثلًا ترك العمال بدون أن يشرف عليهم، فتساهل في المواد، وهو هذا واجبه، يعني أن ينظر في المواد التي يأتون بها، ينظر في عملهم، ففرط في هذا العمل، وهو وكيل، فهنا يضمن. والفرق بين التفريط والتعدي: التفريط يقولون ترك ما يجب عليه، والتعدي فعل ما لا يجوز. مثلًا أخذ مال الشخص كله معه في البحر، أراد منه مثلًا أن يشتري بهذا المال شيئًا في بلد كذا، فالواجب عليه أنه مثلًا يضعه في مصرف ويحوله. قام أخذه معه في القارب، فسقط أو جاءه الماء وأخذه من القارب، فهذا تعدي. فكل من فرط أو تعدى ولو كان أمينًا، فإنه يضمن. أما إذا لم يفرط ولم يتعد، فإنه لا يضمن. فهذه قاعدة عندها العلماء في مسألة الضمانات، وهذه تدخل في أبواب كثيرة من أبواب المعاملات.