الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 365

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 365

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 365، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث النهي عن سب الديك

يبدأ الشرح بتوضيح سند الحديث وشرح ألفاظه ومعناه، حيث يروي زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة». يتم تحليل الأسانيد المختلفة للحديث وتوضيح صحة الحديث ودلالته.

تحليل الحديث وبيان فضل الدعوة إلى الخير

يتم تحليل الحديث وبيان أهمية الدعوة إلى الخير، حيث أن كل من نصح غيره للخير يكون داعيًا إلى الله، وله أجره وأجر من اتبعه. كما يتم توضيح تحريم السب واللعن حتى على الحيوانات.

أسلوب النصح في التعامل مع المخطئين وتجنب السب

يناقش هذا الفصل أسلوب النصح في التعامل مع المخطئين بدلًا من سبهم أو التكلم عليهم، لأن النصيحة قد تدفعهم للتوبة والرجوع إلى الله، ويفتح بابًا للخير ويساعد على تصحيح الأخطاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. زيد بن خالد هو جهني، قال أبو عبد الرحمن: وجهينة معروفة من قبائل الحجاز، أسلم وجلس في المدينة ولم يتحرك، ومات وهو في المدينة رضي الله عنه، أقصد لم ينتقل إلى مكان آخر ومات أيضًا في المدينة، مات في آخر خلافة معاوية. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد، ويزيد هو ابن هارون أبو خالد الواسطي، كان حافظًا كبيرًا، قال: عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، هو ابن الماجشون المدني، قال: حدثنا صالح بن كيسان، وهو أيضًا مدني، وكان زميل الزهري في طلب العلم، لكن تفوق عليه الزهري بكثرة الحفظ، وكذلك بكثرة المشايخ وأخذ العلم، فلهذا كان صار من طلاب الزهري. قال: وأبو النظر -يعني الآن هذا تحويل الإسناد- لكن الإمام أحمد في مسنده لا يقول حق مثل البخاري ومسلم، لكن يذكره، ومن يعرف الرجال يعرف أنه حول الإسناد. وهنا أبو النظر هذا من مشايخ الإمام أحمد، وهو هاشم بن القاسم أبو النظر، يقال له قيصر. قال: وأبو النظر قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. أنا الآن يرويه الإمام أحمد عن شيخين عن يزيد وعن أبي النظر، كلاهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المدني، قال: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو من الفقهاء السبعة. إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر ليست روايتهم في العلم خارجة؟ فقل: عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، سليمان خارجة، هؤلاء السبعة. وبعضهم أضاف سالم بن عبد الله، وأخرج أبو بكر -أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- ومنهم من أضاف أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما في منزلتهما، لكن هؤلاء السبعة. وأيضًا يدخل فيهم سالم بن عبد الله، كانوا هم فقهاء المدينة، ولا شك أن أعلمهم بالسنة هو سعيد بن المسيب المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهدلي، ابن مسعود الصحابي رضي الله عنه، يعتبر عم أبيه، عبد الله بن عتبة، عتبة هذا أخو عبد الله بن مسعود، وهو صحابي. قال: أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو كما قال الإمام الزهري رحمه الله: لما ذكر عبيد الله قال: هو البحر الذي لا ساحل له، علمه غزير، قال: ما أتيت عبيد الله إلا وحدثني حديث لم يحدثنيه قبل، يقول: كنت آتي المشايخ فيحدثوني حديث قد سمعته، لكن عبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن عتبة كان إذا جئته حدثني حديثًا لم يحدثني به قبل. قال: عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة». قال أبي -أي الإمام أحمد-: قال أبو النظر: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الديك، وقال: إنه يؤذن بالصلاة. هذا لفظ أبي النظر، ولفظ يزيد: «لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة». وكلاهما المعنى واحد، يدعو ويؤذن واحد، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الديك، أو قوله: «لا تسبوا الديك»، فهو نهي، فكلاهما أو كلا اللفظين معناهما واحد. قال: قد أخرجه أبو داود، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد -هو الثقفي البغلاني- قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن كيسان. الذي يقرأ الإسناد يظن أن عبد العزيز هو نفسه الذي روى عنه يزيد وأبو النظر، لكن ليس كذلك، فهذا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجشون، وهذا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وكلاهما مدنيان، وكلاهما يروي هنا عن صالح بن كيسان، فقتيبة رواه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويزيد وأبو النظر روايتهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. قال: وخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، فقال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب، وهو الزهري، قال: حدثني موسى بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة به. قال: وخرجه معمر في الجامع ملحقًا بمصنف عبد الرزاق، عن النسخة التي هي ملحقة بمصنف عبد الرزاق. قال: وخرجه معمر، فقال: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجهني قال: لعن رجل ديكًا صاح عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «لا تلعنه، فإنه يدعو للصلاة». قال: وكذا خرجه أحمد، فقال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد به. وأخرجه ابن حبان كما في الموارد، من حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به. قال: وقد روى هذا الحديث زهير بن محمد عند النسائي في عمل اليوم والليلة مرسلًا. زهير بن محمد المكي الخراساني ظاهر رواه عن عبيد الله، قال: وتشكك سفيان بن عيينة عند الحميدي في وصله وإرساله. قال: ورواه مسلم لخالد الزنجي -وهو ضعيف في الحديث- لكنه فقيه، أخذ عنه الفقه الإمام الشافعي رحمه الله، قال: ورواه مسلم لخالد الزنجي عند البزار كما في كشف الأستار، فقال فيه: حدثنا صالح بن كيسان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله -وهو ابن مسعود- فذكره. وهذا يبين أنه أخطأ فيه ووهم. وزهير بن محمد رواه عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله مرسلًا، بدون ذكر زيد بن خالد. وكذلك تشكك سفيان بن عيينة، لكن قد جزم به هؤلاء الذين ذكرناهم: أبو النظر، ويزيد، ومعمر. قال: ورواية زهير بن محمد، ومسلم لخالد ضعيفة، وتشكك سفيان لا يضره، إذ معمر وعبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز الدراوردي لم يشكوا، وهم أرجح من زهير بن محمد الذي أرسله، فصح الحديث. الحمد لله. طيب، هذا الحديث فيه أولًا أنه عن سب الديك، المسألة الأولى: أنه لا يسب الديك، وإنما كانت له هذه الكرامة وهذا المنزلة ليس لأنه ديك أو له منزلة في الحيوانات، لا لأنه يؤذن للصلاة ويدعو إلى الصلاة. فغالبًا الديك أول ما يصرخ يصرخ في نصف الليل، ثم بعد ذلك يصرخ قرب الفجر، ويتكاثر صراخه، أنه إذا كان قرب الفجر تجد أنه يتتابع صراخه. وهذه ميزة جعلها الله في هذا الحيوان، ولهذا صار أو نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبه: «لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة». ففي هذا الحديث كما قلنا أولًا النهي عن سب الديك، وفيه أيضًا فضيلة من كان له في الخير، ومن ساهم في الخير. فمن دعا الناس إلى الخير كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا». فالذي يدعو إلى الخير له أجره وأجر من اتبعه، له أجره وأجر من اتبعه، لا ينقص من أجره شيئًا، وإنما يتحصل أجور من دعاه إلى هذا الخير. وهذا يدل على أن الدعوة إلى الله عز وجل ليست مقصورة على أحد، وإنما كل من لقي في موضع فإنه يدعو إلى الله، يدعو إلى الله. فمثلًا ينصح إنسانًا مثلًا يتهاون في الصلاة، يتأخر عن الصلاة، كذلك أيضًا عنده مثلًا لا يبر بوالديه، فيذكره وينصحه، فهذا أيضًا دعوة إلى الخير. فكل شيء فيه ينصح العبد إلى الخير فهذا دعوة، وهذا الديك يوقظ للصلاة، فيؤذن ويدعو الناس إلى الصلاة. النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم في حديث عائشة قالت: «كان يقوم إذا صرخ الصارخ، كان يقوم إذا صرخ الصارخ». فإذا صرخ الصارخ معنا في نصف الليل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي أول الليل أو أقصد ينام أول الليل، ثم يقوم نصفه، ثم ينام السدس، يعني يصلي ثلث الليل. فكان إذا صرخ الصارخ قام وصلى. فالصارخ أول ما يبدأ أنه يصرخ في نصف الليل، لكن غالبًا ما يتتابع، وهذا حكم من الله سبحانه وتعالى. لكن إذا كان قرب الفجر في السحر تجده أنه يتابع الصراخ، يصرخ ثم يتتابع صراخه، وخاصة كما قلنا في الفجر. أما في الظهر والعصر فيكون صراخه مفرقًا، لكن الذي دعا إلى الصلاة هي صلاة الفجر، وهذا أيضًا مما يسره الله عز وجل لعباده، أنه يعينهم على الطاعة. فيأتي هذا الديك ويصرخ فيقوم الإنسان بصراخ هذا الديك. بعض الناس تجده يسب، ولهذا جاء في رواية عند عبد الرزاق أنه قال: «لعن رجل ديكًا صاح عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا تلعنه، فإنه يدعو للصلاة». ففيه أيضًا النهي عن لعن حتى الحيوانات كما هو معلوم. فالنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم: لما لعن ذاك الرجل ناقته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تصحبها، قال: «لا تصحبنا ناقة ملعونة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعو على أولادكم، ولا على أموالكم، فلعلها توافق ساعة استجابة ويستجاب لكم». فلهذا يحرص الإنسان أن لا يسب حيوانًا أو إنسانًا، فالإنسان أعظم. ولهذا قال سليم بن جابر أبو جري: قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسب أحدًا». قال: فما سببت أحدًا، لا شاة ولا بعيرًا ولا إنسانًا. أنا ما سببت أحدًا لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبن أحدًا». فلأن السب عيب، وكذلك عيب. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: حديث أبي هريرة: «المتسابان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم». وفي رواية: «يتساببان ويتهاتران في النار». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من الكبائر أن يسب الرجل والده». قال: وكيف يسب الرجل والده؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». فالسب لا يجوز إلا لمن كان أهلًا لذلك، مثل الكفار، مثل أيضًا شارب الخمر وغيرهم، لكن ينبغي أن يكون لعنه عامًا، لا يكون خاصًا، وإنما يكون عامًا مثل ما جاء في القرآن: «لعن الله شارب الخمر». لكن إذا شرب الإنسان خمرًا، هل تلعنه؟ لا، لأنه مثلًا التعيين هذه شيء آخر. ولهذا لما جاء به عبد الله بن غليمان جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرب الخمر، فقال رجل: أخزاه الله. وجاء في رواية: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به. فقال: «لا تعينوا الشيطان على أخيكم، فإنه يحب الله ورسوله». وجاء في رواية: «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله». فأخذ العلماء من هذا أن هناك فرق بين الحكم العام والحكم المعين. وأيضًا في مسألة التعيين فيه تنفير لهذا الناس، بدلًا ينصحه يسبه، هذا خطأ، لأنه أحيانًا الإنسان يخطئ ويغلط فيفعل مثل هذا الكبائر أو غيرها، فإذا نصحه ناصح رجع وتاب إلى الله. فلهذا بدلًا ما يسبه أو يتكلم عليه أو كذا، فيأتي وينصحه، يأتي وينصحه، لعل الله عز وجل يلقي في قلبه الخير بسبب هذه النصيحة.