الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 364، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث زيد بن خارجة الأنصاري حول كيفية الصلاة على النبي محمد، وتناول سند الحديث وصحته. تم التأكيد على صيغة الصلاة على النبي كما وردت في الحديث.
بيان كيفية الصلاة على النبي وفضلها، حيث ذكر عدة صيغ للصلاة على النبي منها ما جاء في صحيح مسلم، وأشار إلى أن الصلاة على النبي تقرب العبد إلى ربه.
الصلاة على النبي تبلغه أينما كان المصلي، وهي دليل على محبته ولها فضل عظيم كما دلت عليه الأحاديث النبوية. جاءت صيغ متعددة للصلاة على النبي والأفضل الالتزام بالصيغ الواردة.
اختلاف الصيغ في الصلاة يعتبر من اختلاف التنوع ولا إنكار فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بطرق مختلفة للصلاة عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند زيد بن خارجة رضي الله عنه، وزيد بن خارجة هو أنصاري خزرجي، من كعب بني ثعلبة بن كعب من الخزرج من الأنصار رضي الله عنه، قد شهد بدرًا ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه. قال الإمام محمد رحمه الله -أي في المسند-: حدثنا علي بن بحر، وهو البصري، قال: حدثنا عيسى بن يونس، هو ابن أبي إسحاق السبيعي، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، ووقوفي قال: حدثنا خالد بن سلمة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة حين عرس ابنه، حين عرس ابنه -معنى كان عرس ابنه ابن عبد الحميد بن عبد الرحمن-، فدعا موسى بن طلحة بن عبد الله -طلحة بن عبد الله التيمي رضي الله عنه-، وموسى هذا ابنه، فقال: يا أبا عيسى، أنا كنت كنيت موسى بن طلحة كنيته أو يكنى بأبي عيسى، أن ولده الكبير أبو عيسى، وهو من رواة الحديث. قال: فقال يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال موسى: سألت زيد بن خارجة عن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وقد رواه بعض الرواة فجعله عن نبيه، أنا عن موسى بن طلحة عن نبيه، وسيدركه الشيخ -نعم-. قال: فقال يا أبا عيسى كيف بلغك في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال موسى: سألت زيد بن خارجة عن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال زيد: إني سألت رسول الله ﷺ بنفسي، فقلت: كيف الصلاة عليك؟ قال: «صلوا واجتهدوا، ثم قولوا: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد». وقال النسائي رحمه الله: أكبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في حديث عن نبيه عن عثمان بن حكيم به. وسعيد بن يحيى هو صاحب كتاب المغازي، له كتاب المغازي. وقال النسائي رحمه الله في الكبرى في النعوت: أخبرنا محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو إسحاق المخزومي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، وهو كوفي، قال: حدثنا عثمان بن حكيم به. وقال الفسوي رحمه الله في المعرفة والتاريخ -وهو يعقوب بن سفيان الفسوي-: حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم، وهو إمام أهل الشام الذي قال له ضحاك بن إبراهيم ضحاك، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عثمان يعني بن حكيم به. وخرج الطحاوي في مشكل الآثار، والطبراني في الكبير، قال: هذا حديث حسن. قال شيخنا -تنبيه-: هذا الحديث معل، قال الحافظ المزي في تحفة الأشراف في ترجمة زيد بن خارجة بعد ذكر الحديث: هذا ورواه مجمع بن يحيى عند النسائي، وشريك عند النسائي أيضًا عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه. ثم قال المزي رحمه الله: قال علي بن المديني: لا أرى خالد بن سلمة إلا وقد حفظه. وسئل أحمد بن حنبل عن مجمع بن يحيى وعثمان بن حكيم، فقال: لا أعلم عثمان بن حكيم إلا أثبت منه. قلت: مجمع قد تابعه شريك، ومع عبد الله النخعي، وهو وإن سأحفظه لما ولي القضاء، فهو يصلح في الشواهد والمتابعات. فالذي يظهر لي -أي يقول الشيخ-: فالذي يظهر لي أن الحديث ثابت من الوجهين: موسى بن طلحة، زيد بن خارجة، وموسى بن طلحة عن أبيه. ويكون حديث زيد بن خارجة أصح؛ لأنه يخشى أن مجمعًا وشريكًا قد سلكا الجادة -والله أعلم-. ومعنى قد سلكا الجادة: أنهم سلكوا الطريق التي دائمًا يهتدي بها -مثلًا- موسى بن طلحة عن أبيه؛ لأن موسى دائمًا يروي عن أبيه، فقوله: مجمع أو فقوله: خالد بن سلمة عن موسى بن طلحة عن جارية أو عن زيد بن خارجة، هذا يدل على أنه حفظ. والأمر الثاني: أنه ذكر فيه قصة، وأن عبد الحميد بن عبد الرحمن دعا موسى بن طلحة في عرس، وهذا يدل أيضًا على أنه حفظ الحديث. قد قال الإمام أحمد وغيره: أن الراوي إذا ذكر القصة في الحديث، فمعنى ذلك أنه قد حفظ الحديث. طيب، فالآن هذا الحديث فيه كيفية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام قد جاءت بعدة صيغ، وهذه الصيغة لم يذكرها الشيخ الألباني رحمه الله عليه في الصفة. والظاهر أنها كأنها ناقصة، وإلا فقد جاءت في الرواية الأخرى ذكرها في صحيح مسلم: «إنك حميد مجيد، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم». وهنا قال: «اللهم بارك على محمد» ولم يقل: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد». وجاء في رواية: أنه قال: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم، اللهم صل على محمد وبارك، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد». فصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هي من القربات العظيمة التي تقرب العبد إلى ربه جل وعلا. وقد قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴿ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. فقوله جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: جعلنا ذكرك مرفوعًا، يعظم كتعظيم الله -معنى يذكر كذكر الله عز وجل-، أو أنه من ذكر الله كما جاء في تفسير مجاهد بن جبر رضي الله عنه في قول الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أذكر -أي الله عز وجل- إلا وتذكر -أي النبي عليه الصلاة والسلام-. فذكر في الصلاة، وذكر في الأذان، وذكر أيضًا في أشياء كثيرة في مواضع كثيرة في الدعاء، وفي غيرها من المواضع العظيمة والعبادات ذكر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وفي بعضها واجبة كما جاء في الصلاة. وحمل هذا الحديث وغيره كما جاء في حديث كعب بن عجرة، وحديث عقبة بن عمر الأنصاري لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى الأنصار، فقال له بشير بن سعد رضي الله عنه: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد». فهذه أيضًا جاءت الصيغة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أصح الصيغ. وجاءت أيضًا صيغ أخرى منها في صحيح مسلم، ومنها في غيرها. والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام لها فضل عظيم عند الله جل وعلا، وكفى بفضلها أن من صلى على النبي عليه الصلاة والسلام صلاة واحدة، صلى الله عز وجل عليه بها عشرًا. وما جاء في حديث علي، وجاء كذلك في حديث ابن عمر، وكلاهما في صحيح مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا». فهذا فضل عظيم في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام له حق في الصلاة عليه إذا ذكر. وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فأمر الله عز وجل بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم. وهل هما متلازمتان الصلاة والسلام؟ لا بد إذا صلى أن يسلم، ولا بد أن يسلم إذا صلى؟ فقد ذكرنا هذه المسألة في الكلام عن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة. والصحيح كما قلنا: أنهما ليس بمتلازمتين، من صلى ليس واجب عليه أن يسلم، ومن سلم فليس واجب عليه أن يصلي. وكذلك أيضًا أن الله عز وجل أكرم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل الصلاة والسلام عليه يبلغه عليه الصلاة والسلام. فجاء عند أحمد والنسائي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله جعل ملائكة يبلغوني سلام أمتي». فدل على أن السلام والصلاة أيضًا يدخل في ذلك، تبلغ النبي عليه الصلاة والسلام. ثم جاء في حديث علي بن الحسين عن أبيه -أو قال عن جديه- لما قال لذاك الذي كان عند القبر، قال له: قد سمعت أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم». ثم قال في آخرها: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء -معنى لا فرق بين الرجل في الأندلس في المغرب ورجل في المشرق يذكر النبي عليه الصلاة والسلام-، ولا فرق أيضًا بينه وبين رجل في المدينة يذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فكلهم سواء. وهذا من فضل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام، فلهذا تكرم لنبيه عليه الصلاة والسلام. كان ذلك أيضًا مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام إذا ذكر، فقد جاءت الآية، وأيضًا جاء حديث عند أحمد وأبي داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي». وأما حديث «البخيل من لم يصل على النبي» فهو حديث معروف موضوع، والصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي». وجاء عند البزار والقضاعي وصححه الشيخ الألباني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد خطئ الطريق المستقيم». فهذا الحديث بماذا يحمل؟ حمله أكثر العلماء كما ذكر القاضي أبو عبد الله بن العربي رحمه الله -أبو بكر بن العربي-: قال إن هذا يحمل على ذكره مطلقًا إذا ذكر -أي أن هذا الأمر- هذا الأمر يتنزل ولو كان مرة واحدة، وليس المراد به التكرار. لكن لو قلنا هذا فإن التكرار له فضل عظيم، يعني متى ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تصلي عليه وتسلم، فهذا فضله عظيم، ولا يبخل الإنسان بالصلاة على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ففضلها عظيم، وكذلك تدل أيضًا على محبة لنبي الله صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا جاءت الفضائل العظيمة في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وقد ألف العلماء في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما ألفه القاضي أبو إسحاق إسماعيل القاضي رحمه الله، ألف كتابًا في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام حققه الشيخ الكبير العلامة الألباني رحمه الله. وألف أيضًا الإمام ابن القيم رحمه الله كتابًا في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وألف أيضًا السخاوي كتابًا في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه هذا في فوائد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من مئة فائدة، ذكرها رحمه الله، وكل هذا يبين أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فضلها عظيم، وأن الله عز وجل قد رفع ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الصلاة. وأما من ناحية ذكرها في الصلاة، قد ذكرنا مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، وأما صيغها فكما قلنا أنها جاءت بصيغ كثيرة، منها هذه الصيغة، ومنها ما ذكرناه في الصحيحين الصيغة المشهورة. وأما الصيغة التي يذكرها الشافعية -ولعل بعض من كان يتعلم على مذهب الشافعية- فصيغة التي يذكرها الشافعية ليست موجودة في شيء من الروايات -ليست موجودة في شيء من الروايات- أي بنفس السياق، إلا أنها موجودة كلماتها. الظاهر يقولون: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد». هذه الصيغة لم تأتي هكذا -لم تأتي في الروايات هكذا-، في العالمين جاءت في رواية في صحيح مسلم، لكن ليس في هذه الصيغة، وإنما: «اللهم صل على محمد وآل محمد وذريته وأزواجه كما صليت وباركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد». فهذه الصيغة جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأفضل أن الصيغة تقال مثل ما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي أن تذكر صيغة ملفقة من هذه وهذه. والأفضل أن يقال مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الأنواع هي من اختلاف التنوع، إذا كان في الصلاة أو في غيرها يعتبر من اختلاف التنوع -اختلاف التنوع لا إنكار فيه-. فمن صلى بهذه الصيغة أو صلى بالصيغة التي جاءت في حديث عقبة بن عمر وكعب بن عجرة أو غيرها من الصيغ التي جاءت عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فهذا شيء ما يذم في هذا المقام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.